صوان كبير منصوب فى شارع الفيوم بدار السلام يسد الطريق , فالليلة دخلة ابراهيم ابن المعلم هريدى الجزار صاحب محلات الجزارة العديدة المنتشرة فى المنطقة والذى ذبح خمسة عجول لزوم الفرح قائلا
- ده فرح ابنى البكرى .. أدبح زريبة بحالها
السيارات تنحرف للمرور من الشوارع الجانبية لأن صوان الفرح المهول يسد الطريق .. أضواء الزينة تغطى الصوان المكتظ بالمعازيم وغير المعازيم والسماعات العملاقة تأز بأصوات الفرقة الموسيقية وسلامات النقوط يصل صداها إلى أنواء المنطقة , وعلى المسرح ثلاثة راقصات يرقصن فى إثارة ببدلات الرقص المكشوفة .. أما الترابيزات فلا تخلو من أطباق اللحم وزجاجات البيرة ومعها أطباق المَزَّة من ترمس وجبنة قديمة مع شرائح البطاطس الشيبسى .. يدور المعلم هريدى بصحبة أبنائه ورجاله يوزعون قطع الحشيش على ترابيزات المعازيم , وحينما قارب الحشيش على النفاذ , صاح المعلم هريدى
- انتوا عايزين الناس تاكل وشى .. ده فرح ابن المعلم هريدى على سن ورمح .. روحوا جيبوا حشيش أوام
سحابة من دخان الحشيش إعتلت الرؤوس .. مع رائحة البيرة فى الأنفاس .. يتتابع صعود الجمع على المسرح لتحية المعلم هريدى وابنه وتقديم النقوط الواجب
- وعندك ميت شمعة من المعلم عويس .. بيحيي العريس والمعلم هريدى ملك اللحمة .. وسمعنى أحلى سلام
- وكمان هنا ميتين شمعة منورة من الحاج اسماعيل واحلى تعظيم سلااااااااااام
تبدأ الراقصات فى تأدية رقصاتهن المثيرة عقب فاصل تلقى النقوط , ثم يصعد حسين النوبى يتمايل مع الراقصة ويشهر ورقة فئة خمسين جنيه , ويمسك الميكروفون ويظل يلقى بالتحيات تباعا , فيصعد المعلم هريدى ويقول
- إن ما كانتش خمسين جنيه بقالك ساعة بتحيي المنطقة , أمال لو كنت بتنقط بحاجة عدلة كنت عملت إيه
يرد حسين النوبى ضاحكا
- ولا يهمك يا معلم , هاقول نكتة تساوى خمسميت جنيه واعتبرها ضمن النقوط
قبل أن يتفوه المعلم هريدى معترضا .. يصيح حسين النوبى فى الميكروفون
- بيقولك واحد صعيدى خد ميت جنيه يجيب بيها حشيش , وهو فى السكة شاف عربية شرطة ماشية .. رمى الميت جنية وطلع يجرى
هجم المعلم هريدى على حسين النوبى الذى لا يراه إلا وهو يسخر من الصعايدة بنكته اللاذعة .. بالكاد تخلص حسين النوبى من هريدى ونزل من على المسرح لاهثا من فرط الضحك .
حول أحد المناضد كان البرنس المسجل خطر صاحب الخمس والعشرون عاما, يجلس برأسه الحليقة على الزيرو وسط شلته فى أحد الأركان ممسكا زجاجة البيرة ويجرع منها وكأنها زجاجة مياة غازية , يرفع يديه بين الفينة والأخرى مهتزا على ألحان الأغانى الشعبية .. أعد البرنس العدة فى ذلك اليوم لتحية العريس إبراهيم الذى كان قريبا منه فى فترة من الفترات قبل أن يستجيب لضغوط أبيه ويبتعد عن تلك الشلة التى لا يأتى من ورائها سوى الشر والبلطجة , حيث ابتلع البرنس شريط باركينول وشريط أبيتريل وتضاعف المفعول الآن بفعل البيرة والحشيش ولكن البرنس لم يكتفى بذلك .. حيث أخرج من أحد جيوبه ملعقة إستانلس وسرنجة وأمبولة تفاجيل , ولما وضعهم أمامه على المنضدة , تعالت الصيحات من حوله
- قشطة عليك يا برنس
- مية مية يا معلم
- خش بصدرك ولا يهمك
إنبسطت اسارير البرنس بتشجيعات الشلة , فأفرغ أمبولة التفاجيل على الملعقة بزهو , ووضع عليها قطعة صغيرة من الحشيش بحركة إستعراضية تنم عن أنه يقدم فقرة لا يقدر عليها سواه , وأشعل النار بالولاعة أسفل الملعقة لتذوب قطعة الحشيش ممتزجة بالتفاجيل , وبحركة إحترافية سحب المزيج بالسرنجة وحانت اللحظة المنتظرة حيث صفق الجميع من حوله وعلت أصوات الصفير , فى الوقت الذى شمر البرنس عن زراعه وخبط خبطة واحدة ينادى بها وريده الذى برز واضحا من حوله دائرة زرقاء كبيرة من كثرة الحقن فيه , ثم دفع بسن الإبرة وأفرغ المحتوى .. ليسمع بعدها وهو يدخل عالم التوهان
- ايه الحلاوة دى يا نجم
- صحيح برنس ولا برنس غيرك يا برنس
- قوم بأه وريهم الجمال كله
قام البرنس مترنحا وصعد المسرح , لا يدرى بشئ حوله يهتز مع الراقصات التى زغرت له إحداهن وإبتعدت حين أحست بيده تمسك مؤخرتها .. علا صوت الأغنية البديعة التى يعشقها البرنس
- أنا شارب سيجارة بنى .. حاسس إن دماغى بتاكلنى .. قاعد فى الحارة بسقـَّط .. والغسيل عمال بينقط .. والشارع اللى ورايا قدامى .. فكك فكك فكك .. فكك فكك فكك
إندمج البرنس فى الرقص بكل أجزاء جسده .. يطيح بزراعيه فى الهواء ويضمهما على صدره , فى الوقت الذى إقترب منه أفراد الشلة أسفل المسرح , يمسك أحدهما بكيس بن , وبلغ التجلى بالبرنس مداه فأخرج شفرة حلاقة موس من فمه على حين غرة وهوى به بسرعة على رأسه الصلعاء يقطعها بحركات سريعة متتابعة , وتفجر الدم من رأسه وسط تصفيق وصيحات الشلة التى تتابع فقرة تحية العريس التى يقدمها البرنس بإنبهار.. بينما أسرع المعلم هريدى وأتباعه يصعدون المسرح
- والنبى مش عايزين الحاجات دى
- إيه ياض يا صايع منك له .. انتو جايين تبوظوا الفرح ولا أيه .. ياللا من هنا
رد أحد أتباع البرنس
- ده البرنس بيحيي العريس بس
- مش عايزين حد يحيي العريس
نزل البرنس الغارق فى دمائه النازفة من جروح رأسه ليتلقاه أفراد الشلة يكبسون رأسه بالبن لمنع النزيف , ويخلع البرنس قميصه ويلفه على رأسه ويتجه إلى صيدلية الرضا والنور ومن حوله باقى الشلة يهللون
- إنت الكينج بتاع المنطقة يا برنس
لم يكن البرنس يشعر بأية ألم لا سمح الله .. فبعد ما تعاطاه من عقاقير ليستعد لتحية العريس بهذه الفقرة العظيمة , فقدت أعصابه القدرة الطبيعية على عملية نقل السيال العصبى من وإلى المخ .. ولا يسألنى أحدكم عن ماهية ذلك لأن علوم الطب العضوى والنفسى تقف عاجزة عن تفسير هذا النموذج العجيب الذى يحيا على الأرض بيننا ويتم تصنيفه كبشر .. والدليل على كونه بشر أنه لم يترك نفسه هكذا ويكتفى بالبُن , بل ذهب لدكتور شريف بسيونى صاحب ومدير صيدلية الرضا والنور تلك الصيدلية التى تمده بما يحتاجه من عقاقير مخدرة , ولما دخل البرنس الصيدلية بادر قائلا وسط أتباعه موجها كلامه لشريف
- أوعى تقول لى خيَّط .. إنت عارف إن أنا ما بخيطش
رد شريف المعتاد على هذا الأمر
- أدخل ياض وبطل لماضة
جلس البرنس تحت آيادى الدكتور شريف المتمرسة, الذى سكب على رأسه زجاجة كحول ولف رأسه بالشاش والبلاستر , وأعطاه أمبولة مورفين وسرنجة ليحقنها البرنس لنفسه إذا أحس بالألم .. فلا يتعجب أحدكم .. هو بشر مثلنا يمكن بعد زوال أثر المخدرات أن يشعر ببعض الألم الذى سيعيق أريحيته , فلماذا لا يأخذ أمبولة مورفين كمسكن لا أكثر .. أليس من حقه ؟ .
كان ابراهيم العريس يجلس فى الكوشة منبسط الاسارير .. بخلاف عروسته سماح المتجهمة وكأنها تتعمد ذلك , كلما إقترب منها أحد للتهنئة لا يشعر أنها عروسة تـُزف الليلة .. بل يدرك أنها بركان يفور على وشك إلقاء حممه الملتهبة على من حوله .. ولكى نعرف لماذا هى كذلك ؟ .. لابد أن نتعرف على سماح وكيف تزوجت من إبراهيم .
ولدت سماح فى أسرة فقيرة فى دار السلام , يعمل أبوها سائق تاكسى لا يملكه رغم تجاوزه الآن الخامسة والأربعين , فى حين إمتلك أقرانه سيارات أجره يعملون عليها , والسبب فى ذلك ليس نفقات وإحتياجات الاسرة , بل لأن الجزء الأكبر من دخله يذهب إلى مزاجه الشخصى , فما أن يمتلأ جيبه ببعض المال إلا وتجده ساهرا فى خمارة بائسة فى وسط البلد بصحبة أصدقائه يشرب البيرة ويرقص مع الراقصات الدميمة .. ذلك بخلاف البانجو الذى إستبدله بالحشيش الذى أغرق البلاد فى الآونة الأخيرة .. يعيش لنفسه , يلقى بما تيسر معه لزوجته لتنفق على البيت الفقير الذى زادت نفقاته بقدوم بنتا ثانية فثالثة , إلا أن سعيد يأبى أن يتوقف عن الإنجاب ويكتفى بثلاثة بنات يكبرن أمام عينيه وتزداد إحتياجاتهن , وأصر رغم حالة الضنك التى إعترت شقته ذات الغرفتين فى الدور الثانى لأحد المنازل القديمة المتهالكة المواجهة لسور المترو على إنجاب الوريث .. كثيرا ما تشاجرت معه سعاد زوجته بسبب ذلك
- يا راجل حرام عليك .. عيل إيه اللى إنت عاوزه ده .. مش كفاية البيرة والهباب اللى بتشربه .. عايز واد يشيل اسمك على ايه .. تعلمه المرمطة على التاكسيات ولا تعلمه شرب البيرة والحشيش .. ده أنا مستلفة فلوس أد كده وحالتنا بقت تصعب ع الكافر .. ياراجل قوم اتسهل على اكل عيشك ورزق بناتك
- ما انتى اللى مَرَه فقر .. من ساعة ما اتجوزتك وانتى وشك نحس .. لأ وكمان رزتينى بتلات بنات ومش عارفة تجيبى لى حتة عيل .. أنا هاشوف بأه اللى تجيب لى العيل
- جتك نيلة عليك يا موكوس .. إلهى أشوف فيك يوم .. إنت لاقى تاكل لما تتجوز يا منيل
- طب عليا الطلاق لو ما جيبتى لى العيل اللى انا نفسى فيه .. لأطلقك يابنت الوسخة وأتجوز واحدة تخلف لى الواد
بالفعل لم يمر عام إلا وأتى الولد الذى كان مصيره فى ورشة ميكانيكا سيارات وهو فى السادسة عشر من عمره .. بينما بلغت سماح الخامسة والعشرين ومضى بها قطار العمر بعدما تخرجت من كلية التجارة .. لا تدرى كيف ؟ .. كيف نجت هى من ذلك المستنقع الذى تحيا فيه .. فشلت أختاها فى إستكمال التعليم وينتظران صاحب النصيب الذى حتما لن يختلف عن أبيهما كثيرا , فى الوقت الذى أدركت سماح أنها الآن أصبحت مختلفة , ليس فقط عن أسرتها بل عن بيئتها كلها , ومن هنا صارت نفسيتها فى إتجاه مختلف .. إمتزجت طبيعتها الإنعزالية منذ الصغر باحساسها أنها افضل ممن حولها , لينتج عن هذا المزيج شخصية يمكن أن نطلق عليها غريبة الأطوار .. وبدأ منحنى شخصيتها فى التوجه نحو منطقة عدم الإتزان حين وجدت نفسها بعد شهادة البكالريوس تجلس فى المنزل الفقير المدقع تنتظر ابن الحلال كأختيها .. إذن فما فائدة التعليم الذى أوهمت سماح نفسها بأنه سيضمن لها مستقبل وحياة أفضل .. هاهى تتساوى مع أختيها .. كان يوما جنائزيا ذلك اليوم الذى هرعت فيه سماح تحضر السكين من المطبخ تهدد أبيها وأمها بقتل نفسها , إذا أصروا على قبول إيهاب صاحب التوك توك الذى تقدم لها , وكانت أمها تصيح
- إنتى متعنتزة على إيه .. يلعن ابو التعليم اللى خلاكى كده .. هو انتى البرنسيسة ولا السفيرة عزيزة يا بت .. ده انتى حتى مش حلوة زى إخواتك .. عايزة تقعدى تعنسى .. مش كفاية قاعدة فى البيت زى قرد قطع .. وإخواتك بيشتغلوا وبيصرفوا عليكى .. ماله بتاع التوك توك .. ما أبوكى اهو شعره شاب ولسه بيشتغل سواق تاكس عند اللى يسوى واللى ما يسواش .. أوعى يا بت تفتكرى إن هايجيلك ابن بارم ديله يطلب القرب .. والبتاع الزفت المول اللى كل شوية تروحيه فى المعادى وقال إيه بتدورى على شغل .. فاكره إنك ممكن تستلقطى عريس من هناك ولا أيه ؟ .. على ايه ياروح أمك .. لا مال ولا جمال .. جتك نيلة .. هتتخطبى لإيهاب ورجلك فوق رقبتك
قالت الأم جملتها الأخيرة لتهرع سماح تحضر السكين صائحة
- أنا هاموت نفسى .. هاسيبلوكم الدنيا عشان تستريحوا منى
لم تدرى سماح بنفسها وسط حالتها الهيستيرية ليخترق نصل السكين صدرها ويحدث جرحا ليس غائرا , ولما شاهدت الأم بقعة الدم على صدر سماح بين ثدييها صرخت
- يالهوى .. يا لهوى .. إلحقونى ياناس .. البت موتت نفسها .. إلحقنى يا سعيد .. بنتك بتموت
كان سعيد الأب جالسا على الكنبة يدخن لا يعبأ بالمشاجرة بين زوجته وابنته , ولكنه مع الصرخات قام مسرعا ليجد سماح ممدة على الأرض وبقعة الدم على صدرها تتسع .. لم تفقد سماح الوعى من الجرح , لكنها فقدت الوعى من منظر الدم النازف من الجرح الصغير بسبب سخونة دمها , وكذلك لم تتوقع هى أن يحدث لها ذلك وسط جام غضبها , ففقدت الوعى لتفيق فى المستشفى بعدما تم خياطة الجرح .. هكذا أذعنت الأم وأقنعت الأب برفض إيهاب والإمتثال لرغبة البنت التى خرجت بعد هذا اليوم بشخصية يمكن تصنيفها غير متزنة .. لا تنسى كلمات أمها القاسية التى عايرتها حتى بشكلها .. بالفعل كانت سماح فى شكل وجهها أشبه بسكان قارة آسيا الشرقية من الجنس المغولى حيث الوجه المستدير والبشرة المائلة للصفرة , والعيون الضيقة ذات الجفون المنتفخة , كذلك جسدها قطعة واحدة دون تقاسيم الأنثى المعروفة فالصدر والخصر والأرداف على نفس الإتساع تقريبا .. جعلها هذا الشكل مثار سخرية زميلاتها فى المدرسة فى صغرها
- البت الصينية أهى
- ايه اللى جابك هنا .. انتى كنتى راحه الفلبين وتوهتى
وكذلك تحرشات الشباب على النواصى
- إيه يا أوشين
- اوشين مين يا عم .. اوشين دى كانت مزة .. ودى شكلها استغفر الله
ورغم ذلك لم تكن سماح دميمة بل كانت مختلفة بملامحها الأنثوية .. فإذا أمعنت النظر إليها ستشعر أنها جميلة بمعايير مختلفة , فأنفها لم يكن كبيرا أو مدببا بل متناسقا مع وجهها المستدير وكذلك عينيها الضيقة خلف النظارة الزجاجية تبدو جميلة , لكن تعبيرات وجهها التى تبدو منزعجة مضطربة على الدوام هو ما ينفرك منها .. كانت سماح تستعيض عن شعورها بالنقص تجاه أختيها من حيث الجمال بالتباهى أمامهما بإستمرار أنه متعلمة وتحمل مؤهلا عاليا
, وذات مرة صاحت فيها أختها الصغرى- بطلى بأه تعيشى فى الوهم .. إحنا خلاص مش عارفين نتكلم معاكى .. ومحسسانا إن انتى اخترعتى الذرة .. أديكى قاعدة أهو بشهادتك فى البيت عملت لك إيه يعنى ؟ .. طب انا واختك بنشتغل و...
قاطعتها سماح محدقة بعيون ذاهلة تصيح
- بتشتغلى عاملة نظافة فى محل ملابس .. والتانية اللى بتشتغل بياعة فى مكتبة
- ما أنا نسيت صح إنك بتشتغلى مديرة شركة ولا سيكرتيرة .. واحنا مش من مقامك وبتستعرى مننا .. انتى فعلا زى ما الناس بدأت تقول عليكى
- بيقولوا إيه المعفنين الجرابيع دول ؟
- المعفنين الجرابيع دول يبقوا أهلك وناسك اللى انتى اتولدتى وسطهم وما حدش بيغير جلده
اتجهت سماح لتقف أمام أختها الجالسة على السرير فى الغرفة التى جمعت ثلاثتهم منذ الصغر تواصل محتدة وقد إحمر وجهها
- بيقولوا عليا ايه يا بت إنطقى ؟
- بيقولوا عليكى دماغك لاسعة
لم يكن وصف الجيران والمعارف بأنها بنت لاسعة من فراغ , بل من عدم الإتزان البادى عليها فى الآونة الأخيرة وتعاليها فى التعامل مع المحيطين .. حتى أنها كانت تسير فى الشارع وقابلتها زميلة المدرسة الإبتدائية التى رسبت فى الصف السادس مرتين وتركت التعليم وقالت
- إزيك يا سماح
ولما لم ترد سماح وتجاوزتها , ظنت أنها لم تسمعها فعلا صوتها يصيح
- سماح سماح سماح
صمتت ثم أردفت مسرعة قبل أن تبتعد سماح
- على إيه يعنى ؟ .. ده أنا كنت عايزه أسلم عليكى .. غورى فى داهية
سماح لم ترد على ندائات زميلتها , ليس لأنها لم تسمع , بل لأنها إغتاظت من تفوهها لإسمها هكذا مجردا وسط الشارع .. كان ينبغى أن تناديها بلهجة راقية
- أستاذة سماح
أعتقد أنكم أصبحتم الآن على دراية بطبيعة وشخصية سماح , ولكن يجب أن تعرفوا علاقة سماح بالجنس الآخر .
بدأت علاقة سماح بالجنس الآخر فى الوقت الذى وقفت فى الصباح أمام المرآة تصبغ وجهها بمساحيق التجميل بعدما إرتدت التونك الأصفر الجديد , الذى إشترته بشق الأنفس بالمال القليل الذى تمكنت من أخذه من والدها , أمسكت بأجندة كبيرة تحتضنها على صدرها تستقل المترو إلى جامعة القاهرة .. وبداخل المدرج الخاص بكلية التجارة إنجليش جلست سماح سعيدة وكأنها إنتقلت إلى عالم آخر , وإذا بشاب يجلس إلى جوارها يقول مبتسما
- فى حد قاعد هنا ؟
لم ترد سماح وإكتفت بهز رأسها يمينا ويسارا بإضطراب .. بدأ الشاب فى كتابة ما يقوله الدكتور ونظر إلى أجندة سماح فوجدها كتبت الكثير , فمال عليها قائلا
- ممكن بعد المحاضرة آخد أجندتك أصور اللى فاتنى
هنا وجد الشاب سماح تحدق زاغرة فى وجهه لدرجة أنه شعر أن طلبه ذلك بمثابة شتيمة وإهانة كبيرة فتلعثم معتذرا
- أنا آسف لو كنت ضايقتك
قالها وهو يقوم مبتعدا ليجلس فى مكان آخر , بينما سماح تملكها الإضطراب والتوتر وشعرت بالأسف سهاما تخترق قلبها .. تاهت فى الخيال تتخيل نفسها مع الشاب يسيران جنبا إلى جنب ويتجهان إلى مكان تصوير الأوراق ثم يجلسان فى أحد الكافتيريات يشربان العصير .. بدا ذلك منطقيا بين زميل وزميله ولكن ما الذى دفعها لأن تحدق فى وجهه هكذا وتجعله يفر منها مبتعدا , هى نفسها لا تعلم , لا تدرك أن فشلها فى تكوين علاقات طبيعية مع محيطها البيئى جعلها تفشل فى معاملة أول شاب يصادفها فى حياتها بطريقة سوية .. لم يخفف عنها وطأة إحساس الندم على ما حدث سوى زميلة إقتربت منها بعد إنتهاء المحاضرة تقول
- قاعدة كده لوحدك ليه ؟ .. المحاضرة خلصت .. أنا إيمان وانتى ؟
قالتها ايمان وهة تمد يدها تصافح سماح وتتعرف عليها , مضت أيام سماح فى الكلية وأصبح لها بضعة زميلات لم ترقى علاقتها معهن إلى درجة الصداقة .. فعلى الرغم من طبيعة سماح المنعزلة إلا أنها لم تكن قليلة الكلام .. بل على العكس حين تحادث إحدى زميلاتها تندفع تثرثر وتدفق بالكلمات , وكانت المشكلة فى المواضيع التى تتحدث فيها سماح , دائما ما تكون تافهة تجعل من تحادثه يصرف إنتباهه عنها وسرعان ما يمل من حديثها , فإذا تحدثت مثلا عن موضوع ما تجدها تتناول فكرة بسيطة وتظل تثرثر وتعيد وتكرر فى الكلمات وتضفى على الموضوع طابعا فلسفيا وكأنها تريد أن تجعلك تعلم كم هى مختلفة وفريدة من نوعها مما يجعلك تشعر برغبة فى الضحك عليها
- أنا قريت كتاب عن اليوجا .. اليوجا دى شئ روحانى جميل بيساعد على الإرتقاء بالشخصية والقدرة على التحكم فى الأمور .. دى مش مجرد حركات الواحد بيعملها .. دى تمارين روحية وذهنية .. عارف مين أول من أخترع اليوجا ؟
تندفع سماح بعدها لتعرفك على مؤسس اليوجا وتاريخها عبر العصور , وتظل تعيد وتكرر مع إضفاء لمساتها الفلسفية فى الموضوع .. لتجد نفسك تلعن اليوجا ومن إخترعها بل تلعن القدر الذى جمعك بسماح فى هذه اللحظة .. لم يكن ذلك فحسب هو ما جعل زميلات سماح ينفرن منها , بل الطامة الكبرى هو أن شعورها بنفور من حولها منها زادها إضطرابا , لتوهم نفسها بأنها مميزة بعقليتها وشخصيتها المستنيرة المثقفة , أما من حولها فهم محدودى التفكير لا يفهمون عبقريتها
.. لذا لجأت إلى الكف عن الثرثرة فى مواضيع لا يستوعبها سوى العباقرة من وجهة نظرها وبدأت تتحدث عن حياتها دون أن تدرى أن ذلك سيقضى على ما تبقى لها من زميلات , فما أن تبدأ فى الحديث عن نفسها حتى تسمعها- أنا أصلى الوحيدة اللى كملت تعليمى .. إخواتى كلهم ما كملوش تعليمهم .. عشان كده هما مش فاهمينى وبيغيروا منى وبيكرهونى .. أنا نفسى أخلص تعليمى وأسافر بره .. عايزه أعيش مع ناس متحضرة
هكذا وجدت سماح نفسها وحيدة طوال سنوات دراستها .. كانت سماح تجلس فى المدرج ترقب ذلك الشاب الوسيم خالد الذى تلتف حوله البنات يبادلونه الكلمات وهو يحيا فى دور ( كل البنات بتحبك .. كل البنات حلوين ) .. يتحدث خالد عن سيارته الهيونداى الجديدة التى أهداها له أبوه بعد نجاحه فى السنة الماضية رغم أنه راسب فى مادتين سيعيد الإمتحان فيهما , فقد سأم من السيارة اللادا القديمة .. ويضع اللاب توب أمامه يشاهد مع البنات مقاطع الفيديو المضحكة .. وفقرات الساحر المذهلة و البنات من حوله سعداء يتبادلن معه التعليقات على ما يشاهدونه .. كثيرا ما نسج خيال سماح مشاهد رومانسية بديعة تجمعها مع خالد وتجاوز الأمر ليصل إلى أحلام محرمة تجمعها بخالد , تستيقظ لتجد كسها غارقا فى سوائل اللذة , تتناول أية خرقة قماش بجوارها وتمسح ما بين فخذيها ثم تعاود النوم بعدما تهدأ أنفاسها
.. حتى جاء ذلك اليوم الذى كانت واقفة فيه أمام مبنى الكلية وحيدة كعادتها ورأت خالد يقترب منها يرتدى تى شيرت أبيض يبرز جسده الرياضى الممشوق بتناسق عضلى جميل , وبنطلون جينز أسود أنيق وحذاء هارلى مدبب قليلا من الأمام وعلى عينيه نظارة شمس زادته جاذبيه وسمعته يسألها- هو الامتحان فى الدور الكام ؟
حدقت سماح فجأة فى وجهه , فكيف يجرؤ ذلك الشاب المستهتر مع البنات من الإقتراب منها وسؤالها عن شئ ما .. ثم أشاحت بوجهها وأعطته ظهرها مبتعدة بمشية متدللة وكأنها ملكة تتجه للجلوس على عرش مملكتها , إلا أنها سرعان ما دمعت عيناها حين سمعته خلفها يضرب كفا بكف ويقول مستهزءا
- إشفى يا رب
رأته بعد ذلك بيومين وهى عائدة من الكلية فى المترو .. فربما لم يحضر بسيارته اليوم لسبب ما , ولكنه لم يكن وحده فهناك فتاتان حوله يتبادل معهما الضحكات .. كانت تختلس النظر ثم تتشاغل بالقراءة فى أجندة محاضرتها .. ثم فجأة رأته وقد رفع نظارته الشمسية السوداء لأعلى جبهته يرنوا إليها وعلى وجهه إبتسامة تجمع بين السخرية والفضول .. أمعنت فى التشاغل بالقراءة وكأنها لم تلحظ نظراته إليها .. نزلوا فى محطة التحرير حيث سيستقلوا الخط الأول من المترو لتعود سماح إلى دار السلام ويعود خالد إلى المعادى حيث يقطن هناك .. لا تدرى سماح لماذا سمعت جملة خالد ( إشفى يارب ) يتردد صداها فى أذنيها , فأعماها ذلك عن رؤية درجات السلم الكهربائى وأختل توازنها وسقطت متدحرجة ليتلقفها خالد مع بعض من أولاد الحلال لمساعدة سماح على النهوض .. ما إن وقعت عينا سماح على وجه خالد الممسك بيدها المرتعشة حتى أجهشت فى البكاء
- حصل خير .. حصل خير .. مال إيدك ؟
هكذا قال خالد لترد سماح باكية
- مش قادرة أحركها
إصطحبها خالد فى تاكسى إلى أقرب مستشفى , وتم عمل الأشعة ووضع زراعها فى الجبس .. لم تكف سماح عن البكاء ليس بسبب ألم كسر زراعها ولكن بسبب كبريائها الذى ضاع حين سقطت من على السلم الكهربائى وأمام خالد بالتحديد .. أوصلها خالد إلى محطة مترو دار السلام ورفضت أن يصطحبها الى منزلها وترجلت هى عائدة .. خاضت سماح حربا ضارية مع أبيها لتتمنك من الحصول على تكاليف الاشعة والجبس بعد أسبوع .. ورأت خالد جالسا وسط البنات فى الكلية فأشارت له من بعيد .. ولما وقف أمامها
- إيه أخبارك دلوقتى ؟
ردت متلعثمة
- الحمد لله .. أنا آسفة أوى بس ما قدرتش آجى الكلية الأسبوع اللى فات
قالتها وهى تمد يدها بالنقود , فسأل خالد
- إيه ده ؟
- دى الفلوس اللى انت دفعتها فى المستشفى
رفض خالد بإصرار أن يأخذ النقود , وكان ذلك على خلاف السيناريو الذى ظلت سماح تتخيله على مدار الأسبوع الذى لم تذهب فيه للكلية حتى تحصل من أبيها على الفلوس التى دفعها خالد لها فى المستشفى .. فمعنى ذلك أن الموضوع إنتهى ولن تكون الفلوس وسيلة للحوار مع خالد , وتأكد لها ذلك حين هم خالد بالإنصراف من أمامها قائلا
- ألف سلامة عليكى ودى حاجة بسيطة
إلا أنه تدارك مسرعا
- ما تيجى تقعدى معانا
وجدت سماح نفسها بطوات بطيئة تتبع خالد لتجلس إلى جوار البنات التى تحيط به وسمعته
- شيماء .. مريم .. أمانى
قالها وصمت ناظرا فى وجها فقالت مسرعة
- سماح
قالتها وهى تنظر فى وجه خالد الذى سرعان ما عاود مداعبة أزرار الكيبورد قائلا
- شوفوا بأة المقطع ده
وجدت سماح نفسها غريبة وشعرت بالنقص تجاه المحيطين عندما تسمعهم يتحدثون عن مصطلحات إنجليزية خاصة بالكمبيوتر وعالم الإنترنت الذى لا تفقه فيه سماح شيئا بالطبع .. فزت فجأة مذعورة وقالت
- بعد إذنكم
قالتها وإنطلقت مسرعة تبتعد , وصوت الضحكات الخافتة المكتومة يتبعها الذى كان مصدره ليس أنها إستأذنت , بل طريقة إستئذانها التى جعلتهم يشعرون وكأنهم جعلوها تشاهد مقطعا إباحيا مثلا .. لم يمضى الكثير من الوقت حتى رآها خالد تعود وتقف أمامه وتخرج النقود بحرجة عصبية من حقيبتها وتضعها أمامه ثم تنصرف دون أن تنطق بكلمة , ليتناول خالد النقود قائلا
- البت دى لاسعة جامد .. ربنا يشفيها
قالها ليشارك البنات الضحكات المستهزئة على سماح .

تخرجت سماح من الكلية وبدأت رحلة البحث عن عمل .. فهو من ناحية سيضمن لها مبلغا من المال يساعدها فى الإنفاق على نفسها , ومن ناحية أخرى سيفتح لها مجالا للتعرف على الناس من حولها فربما تصادف صاحب نصيبه وتتزوج , لكنها وجدت العمل المتاح فى منطقتها بدار السلام لا يناسب طموحتها من جهة وكذلك لن تقابل سوى شباب المنطقة ومعظمهم من الجهلة والصنايعية ممن لا يناسب عقليتها على الأطلاق .. فأمضت عاما ونصف بعد التخرج تبحث عن عمل وترفض العمل الذى يظهر أمامها وأفضله بائعة فى محل ملابس فى السوق .. تشترى أهرام الجمعة وتضع خطا تحت إعلانات السيكرتارية .. فشلت فى كل المقابلات للحصول على وظيفة سيكرتيرة لعدة أسباب .. فالأولوية بالطبع للجميلات الفاتنات ومن تجيد التعامل مع الكمبيوتر واللغة الإنجليزية التى إعتقدت سماح أن دراستها باللغة الإنجليزية فى الكلية سيجعلها تتحدث الإنجليزية , لكنها اكتشفت الفرق .. تملكها الإحباط تذهب بين الحين والآخر إلى جراندمول المعادى تسخر فى سرها كلما رأت أبناء طبقتها يصعدون ويهبطون على السلالم الكهربائية كنوع من التنزه , يتجولون بين المحلات يشاهدون وقطعا لا يشترون , فمن أين لهم ؟ .. أما هى فقد جائت لهدف أسمى وهو البحث عن عمل .. فالعمل فأية عمل هنا حتى لو كان مجرد بائعة فى محل أفضل من العمل فى منطقتها .. حتما ستقابل تلك النوعية المتحضرة التى ترتدى الملابس الأنيقة وتفوح منها رائحة العطور الجميلة , حتى جاء يوم ورأت إعلانا على زجاج أحد محلات العطور وأدوات الزينة نصه ( مطلوب عاملة نظافة ) .
إن عاملة نظافة فى هذا المكان أفضل بكثير من أن تعمل كاشير فى أرقى محل فى دار السلام .. ولماذا لا يكون ذلك خطوة لأن تجد ما هو أفضل .. ظل ذلك الخاطر يعتمل بعقلها وهى تدور حول المحل وترقب المعروضات الجميلة الجذابة وتنظر للمكان النظيف حولها والأضواء النيونية المنعكسة على المرايا فتعطى منظرا مبهجا .. أخيرا إتخذت قرارها ودخلت لتجد شابا وسيما جالسا وقد مد قدميه على المكتب أمامه واضعا اللاب توب على فخذيه منهمكا فى الضغط على أزرار لوحة المفاتيح , ولما رآها إعتدل ثم نهض قائلا
- أهلا وسهلا .. إتفضلى .. أأمرى
تسمرت هى مكانها محدقة بذهول فقد كان ذلك الشاب هو خالد الذى واصل
- شكلك مش غريب عليا
هنا بدأت حكاية سماح التى تجلس الآن فى الكوشة إلى جوار إبراهيم ووجهها كبركان يوشك على إلقاء حممه على من حوله .
1 التعليقات:
للاؤبلؤبل
إرسال تعليق