

-10-
عاد خالد الى بيته شارد فى نور الهداية الذى أنار بصيرته بعد درس الشيخ أسامة العوضى فى مسجد الفتح .. لدرجة أنه لم يلحظ والده المهندس مجدى الجالس على الأريكة الى جوار والدته مدام سناء يشاهدان التليفزيون , وأفاق من شروده على صوت والده
- أخبار شغلك ايه يا خالد ؟
توجه خالد ناحيتهما وجلس امامهما يجيب
- أهو زى المعتاد
- محتاج أى فلوس تزود بضاعة المحل ؟
هكذا سأل الأب ليجيب خالد
- لأ .. الدخل اللى بيجى كويس
- بس انت مش فاتح المحل غير نص او تلتين يوم
- هابقى هاشوف حد يشتغل بالليل
قالها خالد وهو يرنوا الى والدته , واستنتج أنها فى حالة عصبية .. حيث كانت سناء من ذلك النوع الذى يجيد إخفاء مشاعره .. وذلك لكونها مديرة العلاقات العامة فى شركة استيراد وتصدير , فبحكم عملها اكتسبت القدرة على ألا يبدو عليها ما يعتمل بسريرتها .. تقابلك بوجهها الذى لم يفارقه أثر جمال شهوانى قديم بابتسامة مرحة تبدو صافية رغم أنها من الممكن أن تكون فى قمة غضبها من أمر ما .. إلا أنك حين تعرفها عن قرب يمكنك قراءة بعض سريرتها , لتدرك أنها ليست هادئة صافية كما تبدو حين تلحظ زمة خاطفة من شفتيها الملساء المطلية أو من حركة طفيفة لحاجبيها المزججين بعناية .. أما إذا افلت منها زمام نفسها فكل ما ستراه هزات متتابعة
لساقها .. هكذا رآها خالد حين قالت
- تحب تتعشى إيه ؟
قالتها بنبرة هادئة لا تنم عن شعور الضيق الذى يقرأه خالد عليها .. وقال
- لأ .. مش جعان .. أنا هاطلع أنام
* * *
صعد خالد الى غرفته وأول ما فعله بعد تبديل ملابسه وارتداء بيجامة قرمزية من الحرير الناعم , أن تمدد على السرير ممسكا ( الوكمان ) الصغير ماركة سونى , ودس بالسماعات ( الإستريو ) فى أذنيه وقام بتشغيل شريط الدرس الذى سمعه اليوم بعد المغرب .. أصغى لكل كلمة باهتمام بالغ .. وكان للمؤثرات الصوتية للسماعات الصغيرة الاستريو أثرا كبيرا فى ازدياد تأثير الآيات التى يرتلها الشيخ بصوته العذب الخاشع .. وبعدما سمع خالد الحديث الشريف ( عينان لا تمسهما النار أبدا .. عين بكت من خشية الله , وعين باتت تحرس فى سبيل الله ) .. هنا وجد خالد عينيه تدمع .. وتقطرت الدموع والشيخ يتسائل .. يا من أنت بعيد عن الله إذا جائك ملك الموت يقبض روحك , ماذا تقول له .. هل تكون ممن قال الله فيهم ( يوم يأتيهم العذاب فيقول اللذين ظلموا ربنا أخرنا الى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ) , ولكن هيهات ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) .. هنا تخيل خالد نفسه فى مشهد الحشر وتسائل هل يكون من أصحاب الجنة أم من أصحاب النار ؟ .. لأول مرة يشعر خالد وهو فى غيابات النوم أنه ليس خاويا بل صار له هدف .. وراح فى النوم بينما صوت الشيخ يصدح فى أذنه.
*****
فى هذا الوقت كانت سناء تلتصق بمجدى الذى قال
- ابننا خالد مش عاجبنى .. ما كانش كده وهو صغير .. حاسس انه بقى ماعندوش طموح بعد ما خلص الكلية
ابتسمت سناء وهى تشعل سيجارة , ووجهت نظرة خبيثة الى زوجها , وكأنها تريد أن تخبره بتلك النظرة ألا يتشاغل بالحديث عن خالد ليضيع الليل , فقد مضت فترة ولم يعطيها حقها فى الفراش , وقالت
- أى شاب فى سن خالد بيلاقى حياة سهلة من غير ما يتعب بيكون كده
تنهدت وهى تنفث دخان سيجارتها بعصبية واضحة عكس عادتها وقالت بنبرة آمرة
- عاوزاك يا مجدى
قالتها وهى تتجه بخطوات مسرعة الى غرفة نومها .. بينما قام مجدى وصنع لنفسه كأسا وجلس يدخن وهو يرتشف منها , فهو قد مل من تلك الحكاية .
وبدأت الحكاية منذ سنوات مجدى وسناء الأولى فى الزواج ينهلان من المتعة على الدوام .. يظل كل منهما فى عمله نهارا يتشوق الآخر , حتى يجمعهما الفراش مساءا , فيطفئان نار الشوق بالمتعة العارمة واللذة الفائقة .. لا يتحرجان فى مشاهدة القنوات الاباحية معا ويتفنن كل منهما فى الإتيان بالجديد للآخر .. التحما الجسدان عاريان على كافة الأوضاع والأشكال حتى مع قدوم خالد لم تهدأ جذوة النار المشتعلة بداخلهما , ومرت السنوات وفجأة بلا مقدمات يعجز مجدى الذى لجأ الى ما يسعفه من منشطات ولم تكن النتيجة على مايرام بالكاد يؤدى واجبه تجاه زوجته سناء .. والسبب فى ذلك أن عجزه لم يكن عضويا بل كان نفسيا .. وجد نفسه زاهدا فى الجنس فعلى ما يبدو أن كثرة وقوة ممارساته مع زوجته سناء جعلت طاقته تنفذ عندما تجاوز الخامسة والخمسين من العمر , فى الوقت الذى لاتزال هى راغبة وإن لم يكن على نفس القدر كما الأيام الخوالى ..
منذ عامين خرجت سناء من الحمام ترتدى الروب الحريرى الأحمر على لحمها البض الخمرى , واتجهت الى مجدى وفتحت الروب ليرى صدرها وجسدها من الأمام عاريا يناديه .. جذبته الى السرير وهى فى قمة الرغبة فقد مرت فترة دون أن تنعم به بين فخذيها .. وبعد ما اعتادا عليه من التمهيد والمداعبات المتبادله , فشل مجدى فى اختراقها ولما وجد الحزن يكسو عينيها بعدما بتر شهوتها .. أكمل هو مداعبة ما بين فخذيها بيده حتى قضت وطرها .. اعتراها بعض الرضا مؤقتا حتى يعود زوجها الذى تعرفه .. ساندته فى المرات التالية بحث اثارته بامتصاص عنقوده .. يفلح نادرا ويفشل كثيرا ووجدت نفسها تستسلم لطريقته .. والحق أن مجدى لم يكن يتوانى عن اشباع زوجته بطريقة بديلة حيث يدلك جسدها برقة ونعومة ويتحسسها فيما يؤجج شهوتها .. ويهوى بلسانه عبثا وقضما بين فخذيها , دافعا أصبعيه بداخلها , حتى تنتشى ويخبو جسدها ويسترخى وسط تأوهات اللذة التى تصرخ سناء بها , مما جعل مجدى يتأكد من جدوى طريقته البديلة ومضى عامان على ذلك .
لكن سناء لا تعرف ماذا حدث لها فى الآونة الأخيرة .. لماذا لم تعد ترضى بذلك ولماذا تأصل لديها احساسا بأنها تمارس مع زوجها الجنس المنقوص .. تسائلت بعد نوبة حب بنفس الطريقة لماذا رفض أن تفعل له مثلما يفعل معها لعله يستمتع , لكنها أدركت أنه لا يريد .. إذن هل زهد فيها .. هل لم تعد تثيره .. تأملت جسدها عاريا ذات مرة أمام المرآة .. صحيح أنه ترهل بعض الشئ لكنها لا تزال كالوردة يظل عطرها فيها حتى لو بدأت تزبل .. لإنها تتدرك أنه ليس عاجزا عضويا بل نفسيا , وتخشى ما تظنه , وحين تفكر تدرك أنه ليس ظن وإنما حقيقة راسخة .. لم تعد تستمتع بهذه الطريقة التى ينتهجها مجدى معها .. فقط هى تقذف بها عبئا يخفف من احتقان جسدها .. لكن ما الفرق بين ذلك وبين عبثها بنفسها حين كانت بنتا مراهقة ؟ .. لا ترى الآن فرقا .. جنس من طرف واحد .. كل هذه التساؤلات لأنها تحاول أن تهرب من الحقيقة التى تتعمد نسيانها طوال ما يقترب من سبعة وعشرون عاما هى عمر خالد .
دخل مجدى الى غرفة النوم ليجد سناء تجلس عارية على السرير تضم ساقيها بزراعيها الى صدرها ممعنة فى مشاهدة قناة اباحية والتأوهات تغرق الغرفة .. أطرق مجدى برأسه وأربد وجهه .. لم يكن ذلك لأن زوجته تشاهد فيلما اباحيا , فذلك بالنسبة لهما عادى , ولكن للطريقة التى تنظر بها اليه .. إنها تريد إشعاره بعجزه .. صنع كأسين وناولها واحدا .. أغلق التليفزيون وخلع ملابسه .. جرعت هى الكأس جرعة واحدة وناولته له فارغا .. بدأ كما المعتاد فى تدليك جسدها .. أمعنت هى النظر الى وجهه الممتعض وكأنه يؤدى عملا على مضض .. كان قد وصل بفمه يقضم عانتها فضمت فخذيها وقالت بعصبية
- خلاص يا مجدى
قالتها وهى تنهض لإرتداء الروب الحريرى الأبيض ولما سمعته يسأل
- حاسس إنك بقالك فترة متغيرة
اندفعت سناء وكأنها كانت تنتظر أية كلمة منه لتسكب ما لديها وصاحت بغضب
- أنا زهقت .. انت لازم تفهم ان الجنس مشاركة بين اتنين .. أنا مش بالومك على حاجة مالكش يد فيها .. انا بالومك لانك ما سعتش تتعالج وأنا متأكدة ان عجزك نفسى .. بدليل انك ما كملتش العلاج رغم انك بدأت تتحسن .. انت عايز تكون كده
تنهد مجدى وقال بصوت حاول أن يكون هادئا
- انت عارفه شغلى قد ايه واخد كل وقتى .. وأنا بحاول أعوضك
قاطعته سناء محتدة باستنكار
- تعوضنى ؟! .. أنت بتفكرنى بأيام المراهقة بتاعتى .. إن كان ده تعويضك ليا مش عايزاه .. بسيطة أوى أنا أقدر أعوض نفسى بنفسى
أشعلت سيجارة بيد مرتعشة تنفث الدخان بعصبية , ويقول مجدى
- انت عارفة أنا قد ايه بحبك ؟
صاحت زوجته بتحدى
- انت ما بتحبش غير نفسك .. تقدر تقول لى كل الفلوس اللى انت بتعملها دى لمين .. ده لا انا ولا خالد نعرف عنها حاجة .. انت انسان انانى
هنا شعر مجدى بأنه يخضع لهجوم عنيف من زوجته .. وشعر بمدى اقتناعها التام بما تقوله والذى يبدو أنه ليس وليد لحظة غضب .. وكان لابد أن يدافع عن نفسه أمامها فعلا صوته الأجش وصاح
- بس بس .. انا اللى فيا كل حاجة وحشة , وانتى ياهانم نموذج المرأة العملية .. انتى عمرك ما عرفتى الحب اللى بتتكلمى عنه .. انتى حسبتيها صح من سبعة عشرين سنة يوم ما اتقدمت لك .. حسبتيها بالورقة والقلم بعد ما اطلقتى من جوزك الأولانى اللى ما كانش قادر يعيشك فى المستوى اللى انتى عايزاه
اقتربت سناء منه بخطوات بطيئة وعلى وجهها ابتسامة شاحبة وقالت
- ياااااااه .. ده اللى أنا كنت مستنياه منك .. حيث كده تعالى نحسبها من الأول .. انت مش رفضتك بنات كتير عشان العقم الوراثى اللى فى عيلتك .. واللى انت اكتشفت انك ما نجتش منه من صغرك .. ويوم ما عرفت وأنا فى شهور العدة انى حامل رفضت ان انزل الجنين .. وألحيت عليا ان خالد يتكتب باسمك
رد مجدى متلعثما
- انتى عارفة انى ما حسيتش ناحية خالد غير انه ابنى
- أنا عرفت بعد أول خمس سنين من جوازنا ليه ربنا خلاك عقيم .. لانك ما ينفعش تكون أب (قالتها بصيحة كالرعد).. أنا وخالد عندك ديكور اجتماعى .. انما شغلك وجمع الفلوس هو ده هدفك فى الحياة
صمتت تشعل سيجارة جديدة , بينما مجدى مطرق الرأس ورآها تقترب بوجهها من وجهه وتتسع ابتسامتها الشاحبة لتواصل بصوت هادئ
- يا حبيبى احنا فاهمين بعض من أول يوم عرفنا بعض فيه .. بس بنمثل على بعض .. أنا وانت طول خمسة وعشرين سنة بنلهى بعض بالجنس عشان ما حدش فينا يشوف التانى على حقيقته , ولما مابقاش زى الأول فى آخر سنتين , بدأ كل واحد يشوف التانى
بالفعل لم يكن الجنس العارم الذى يجمع بين مجدى وسناء سوى وسيلة لجعل الرغبة والشهوة تغطى على حقيقة كل منهما بالنسبة للآخر .. ولما انقشع ضباب الشهوة واتحضت الرؤيا التى يريد كل منهما غض البصر عنها .. فمجدى الانانى الذى لا يهمه سوى جمع المال الذى لا تعلم عنه زوجته سناء شيئا .. لم يكن يريد سوى زوجة تقبل رجلا لا ينجب من عائلة ينجب فيها واحدا من عشرة .. وسعد كثيرا بعدما تمكن من اقناعها بعدم إجهاض حملها الذى أخفته عن زوجها الأول الذى سافر الى الخليج , لأنها لم تكن تريد شيئا يربطها بزواجها الأول .. ووافقت على أن يكون خالد ابنا مزيفا لمجدى الثرى الذى سيضمن له حياة رغدة , لكن تأنيب الضمير ظل يوخزها ويؤرق لياليها كلما رأت خالد يكبر أمام عينها .. وكانت وسيلتها الوحيدة للهروب من ذلك هو اخفائه تحت غطاء الشهوة المستعرة بينها وبين مجدى .. لكن الآن تغيرت الأمور .. مالت تهمس لزوجها
- أوكيه .. عايز ننسى كل اللى قلناه ونرجع نمارس حياتنا مافيش مشكلة عندى .. عندك رأى تانى يا ريت أسمعه من فضلك
نهض مجدى وارتدى ملابسه الأنيقة وقال وهو يغادر
- أنا رايح شقتى اللى فى الزمالك لو احتاجتى حاجة اتصلى بيا
ضحكت سناء وقالت بدهشة مصطنعة ساخرة
- إيه ده ؟ .. انت عندك شقة فى الزمالك ؟
تذكر مجدى أنه لم يخبرها بأنه يملك شقة فى الزمالك , فتنهد وغادر دون أن يرد .
***************
حيا خالد سماح حين دخل المحل , وأول ما فعله أنه توضأ وصلى الظهر وسط دهشة سماح التى حاولت الثرثرة بعد ذلك عن الدين والصلاة , إلا أن خالد كان مشغولا عنها بمتابعة المواقع الإسلامية أثناء سماعه للقرآن الكريم بصوت الشيخ مشارى راشد ومحمد جبريل .. الشئ الذى كان يضايقه هو السجائر , يرى العلبة على المكتب أمامه وكأنها فاتنة تغويه بعدما عزم على الإقلاع عن التدخين .. كان يشعر بدوخة وإحساس بالضيق , فلم يعتد أن يظل تلك الساعات منذ الاستيقاظ بلا سيجارة .. دس العلبة فى الدرج بعدما فكر فى إلقائها بعيدا لكنه تراجع .. صلى العصر وعاد يتابع موضوعا شيقا عن قيمة العمل فى الاسلام , قرأ الكثير وقام بتحميل دروس دينية لمشايخ عديدة .. وحان وقت التطبيق العملى .. أمسك بورقة كبيرة وكتب عليها بالقلم ( الماركر ) : مطلوب بائع للمحل فترة مسائية .. لم يمضى يومان حتى عمل بالمحل الأستاذ بكر ذلك الرجل الأربعينى الوقور الذى يعمل بائعا فى المحلات منذ خمسة عشر عاما واستقر فى أحد المحلات بجراند مول المعادى نهارا , ويعمل مساءا بمحل آخر , لكنه تركه وعمل لدى خالد فى محل خوليو لتوفير ما يدفعه فى المواصلات .. رأى خالد فى الأستاذ بكر نموذجا يجسد القناعة والرضا , فالرجل يعول زوجة وطفلين ويعمل اثنى عشر ساعة يوميا , ومع ذلك لا تفارق وجهه النحيف المثلث علامات الرضا والقناعة .. بالفعل تضاعفت أرباح المحل فى اسبوع واحد , ليس لأن المحل صار يفتح فى العاشرة صباحا ويغلق فى الحادية عشر مساءا بانتظام , ولكن لأن الأستاذ بكر (بياع شاطر) .. يمكنه اقناع الزبون بأى سلعة يريد بيعها , وعكف على عمل الطلبيات واعادة تنسيق المحل .. كان رجلا مجتهدا بحق .. دوما يطلب منه خالد أن يستريح قليلا فهو أما مشغول مع الزبائن أو يعد طلبية أو يرتب الأرفف .. حتى سماح تعلمت منه فى اسبوع واحد الكثير فى فنون البيع والتسويق .. لم يدع الأستاذ بكر سماح تشعر فى الساعتين التى تجمعهما قبل مغادرتها للمحل أنها ثرثارة وأحاديثها مملة , بل كان يتجاوب معها فى أى موضوع تتحدث فيه , وتشعر سماح بعدها أنها تعلمت منه كثيرا .. جعل ذلك خالد يدرك حقا أن ( القناعة كنز لا يفنى ) .. وسعادة الاستاذ بكر فى حياته هو هدفه الذى يسعى الى تحقيقه , ألا وهو تربية طفليه ورعاية زوجته , وطالما ينجح فى ذلك بالمال القليل الذى يكسبه من عمله نصف يوم كامل ولا يحظى سوى بيوم الجمعة أجازة , لا يهمه أى شئ آخر فى الحياة .. ولكن الهدف الذى وضعه خالد لنفسه وهو الله , لم يعد متحمسا له بعد أسبوع .. صحيح أنه يصلى الصلوات الخمس غالبا فى المحل أو البيت وقليلا فى المسجد , يستمع ويقرأ القرآن إلا أن حماسه يفتر وعزيمته تخور مع الوقت .. لا يدرى هو لماذا ؟ .. هل لأنه اعتاد على الأمر ففقد حلاوته التى شعر بها فى البداية .. كان جالسا يستمع للدرس بعد صلاة المغرب فى مسجد الفتح , ووجد الآيات و الأحاديث لم تعد بنفس التأثير على قلبه .. كل ذلك فى أسبوع واحد , ولكى تستشعر ما مر به خالد , عد بذاكرتك للوراء حين أشترى لك والدك (أتارى ) أو (بلاى ستيشن ) أو عرفت طريق (الجيمز) لتجد نفسك قابعا أمامه ليل نهار ثم نهار بلا ليل ثم نصف نهار حتى تبدأ الشعور بالملل .. مع الفرق فخالد لم يصل الى مرحلة الملل , لأنه وجد شيئا لم يدرى كنهه من قبل , ظل مواظبا على الصلاة ولكنه استبدل قراءة القرآن بالإستماع فقط .. لم يعد يحضر الدروس فى مسجد الفتح , لكنه استبدل ذلك بالدروس التى يقوم بتحميلها من على الانترنت وشراء الشرائط الدينية , ومر أسبوع ثانى ووجد خالد نفسه تفتر أكثر .. نسى فى الصباح صلاة الصبح فجمع بينها وبين الظهر بعدما وصل للمحل .. تكاسل عن صلاة العصر وصلاها قبيل المغرب ونام دون أن يصلى العشاء .. لم تعد به رغبة لسماع الشرائط الدينية .. وفى أحد الأيام بعد ثلاثة أسابيع من صلاته الأولى فى مسجد الفتح , قال لسماح
- معلش يا سماح بعد اذنك عاوز علبة سجاير
سعدت سماح كثيرا بهذا الطلب واسرعت على الفور تشترى السجائر , فخالد الذى تعرفه سيعود ولسوف تستعيد اللذة المحرمة معه .. فى الوقت الذى كان خالد يفتح الإميل لأول مرة منذ ثلاثة أسابيع يتصفح الرسائل وفى يده السيجارة وقبل أن يهم لإشعالها , لمح اسمها ( فاطمة ) .. ووجد رسالة منها بتاريخ اليوم التالى ليوم اللقاء الموعود تقول ( انتظرتك يا ياسمين حسب الموعد .. عل المانع يكون خيرا ) .. ضحك خالد وترك السيجارة من يده وانشغلت أصابعه فى كتابة رسالة الى فاطمة بدأها بـ ( اسمى خالد وعمرى 27 سنة و.......... ) .. كتب اعتذارا مستفيضا فى البداية ثم شرع يحكى كل ما حدث له منذ ذهب الى مسجد الفتح ورآها , وكيف كانت سببا لهدايته , وحكى لها كيف فترت عزيمته فى الآونة الأخيرة لكنه عازم على ألا يعود كما كان , على الأقل سيواظب على الصلاة .. خرجت رسالته كمذكرات شخصية لكنها كانت مؤثرة لأنه كتبها بصدق .
********************
جماعة من حلوان جائت الى دار السلام خارجة فى سبيل الله الثلاثة أيام الشهرية والتى دائما ما تكون أيام الجمعة والسبت والأحد , وبالطبع أحسن الشيخ اسماعيل حسين أمير جماعة التبليغ والدعوة بمنطقة دار السلام حسن استقبالهم فى مسجد النصر مقر الجماعة بالمنطقة .. يرشدهم الى من يحب زيارات الاخوة من الجماعة له من أهالى المنطقة بعد العصر , ويسير بهم فى الجولة بعد المغرب لدعوة الناس الى الهداية .. ولم يكن ذلك فحسب بل كان عشاء الجماعة المكونة من خمسة عشر رجلا خلال تلك الأيام الثلاثة يأتى من بيت الشيخ اسماعيل : صوانى الباشميل وصوانى البطاطس والطبيخ والأرز , ولم يكن الحال يسمح سوى بربع دجاجة لكل رجل .. يدور الشيخ اسماعيل بوجهه الصبوح يداعب الجميع بدعاباته المرحة التى لا تخلو من الرصانة .. يوزع الشيخ اسماعيل أفراد الجماعة بعد العصر كل اثنين أو ثلاثة , دائما ما يحظى عم شكرى المكوجى بزيارات الإخوة .. ما إن يرى عم شكرى وهو منهمك بزراعه اليسرى فى كى قميص منشى اثنين من ذوى اللحية الطويلة والعمامة المتدلية أطرافها خلف الرأس والجلابيب القصيرة , حتى يدرك أنهم جائوا لزيارته , يهلل قائلا
- يا أهلا وسهلا بالناس الطيبين .. اتفضلوا اتفضلوا
يسرع عم شكرى الذى يناهز عمره السبعين ويصنع الشاى بركن من أركان الدكان العتيق كصاحبه , ويجلس ليستمع الى كلام الدين من الاخوة كما سمع آيه قال ( صدق الله العظيم ) , وكلما سمع منهم حديث قال ( صلى الله عليه وسلم ) .. يصغى باهتمام لأنه يشعر منذ شهر بقرب الختام .. لذا واظب على الصلاة فى الآونة الأخيرة , وكعادته إذا سنحت له الفرصة للكلام .. يقول نفس الكلام
- أنا خلاص حاسس انى هاموت .. اتجوزت زمان وما حصلش نصيب عشان ما باخلفش .. لفيت على دكاترة ياما وأدينى أهو ماليش غير أخت بتطل عليا كل فين وفين .. حتى اصحابى ماتوا وسابونى فى الدنيا لوحدى .. باروح التأمين الصحى بيدونى حقن الروماتويد اللى أكل ايديا ومش عارف أشتغل .. الناس مابقتش تجيب هدومها أكويها زى الأول عشان بتروح لهم تانى يوم .. ما بقتش قادر ع الشغل وكل ما جيب صبى واعلمه يسيبنى ويمشى .. الناس دلوقتى ما بقتش تحب بعضها زى زمان .. والنبى ادعوا لى .. انتو ناس بركة .. ادعوا ربنا يغفر لى ويرحمنى .. انا عشت طول عمرى غلبان وفى حالى
انطلقت دعوات الإخوة لعم شكرى وغادر بصحبتهم لصلاة المغرب .. وفى هذه الليلة شعر عم شكرى بالتعب وجلس يستريح وسرى فى جسده البرد .. أغلق باب الدكان حتى نصفه , وعاد يجلس ..
فى الصباح حضر سعيد الفران وقبل أن يفتح الفرن الملاصق لدكان شيكو كلين , رأى الباب نصف المفتوح , ولاحظ الإضائة التى يبدو أنها مضائة منذ ليلة الأمس .. رفع الباب ليجد عم شكرى جالسا على الكرسى ورأسه متدليه على صدره وقد فارق الحياة .. ردد سعيد الفران
- إنا لله وإنا اليه راجعون
تعاون أهل الخير على التكفل بنفقات دفن عم شكرى , الذى سار فى جنازته أقل من عشرة رجال , وكان فى صدارة المشيعين الشيخ اسماعيل حسين والذى حمل جثة عم شكرى الضئيلة على يديه ونزل به القبر .. أرقده على جنبه ووجهه تجاه القبله , وكشف الكفن عن وجهه ويديه وساقيه .. دعا له كثيرا , وأهالوا التراب عليه ولم يكن عم شكرى لديه من يقيم له سرادق عزاء ..
* * *
بالطبع بعد العصر حظى الأسطى حسن بزيارة من اثنين من التبليغ والدعوة ومعهم الشيخ اسماعيل حسين .. ظلوا يواسونه ويشدون من أزره وهو يقول
- تلات أيام وأنا رايح جاى بين أمن الدولة والقسم .. مش عارف هشام جراله إيه ؟
قالها بصوت مهموم حزين , ليسمع بعده الشيخ اسماعيل يقول
- المؤمن مصاب .. إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه .. اصبر يا اسطى حسن على البلاء , وطالما دى أول مرة لهشام .. كلها يوم كمان أو الليلادى ممكن تلاقيه داخل عليك
انصرفوا وخلا الأسطى حسن بنفسه .. وللحق لم يكن الأسطى حسن وحيدا خلال تلك الأيام الثلاثة العصيبة , فزيارت المهندس وائل وأتباعه من المنتمين للتيار الإسلامى لا تنقطع عنه , على الرغم من تجهمه فى وجوههم إلا أنهم ظلوا يواسونه .. كان ذلك أشبه بمبدأ ثابت للتيار الإسلامى , إذا تم القبض على أحدهم هرعوا يواسون أهله ويصبرونهم .. تسمع منهم حينها قصص عن زملاء خاضوا نفس التجربة وبعد يومين أو ثلاثة تم الإفراج عنهم .. لكن الأسطى حسن يشعر تجاههم بإتهام ضمنى فهم السبب فى ما وصل اليه هشام الآن .
ليس ذلك فحسب , ولكن أيضا يتهم نفسه بالتقصير فى تربية هشام .. لم يفتح الورشة على مدار ثلاثة أيام وعكف على التذلل الى عساكر القسم وعساكر أمن الدولة عله يهتدى الى ابنه هشام , فلا يجد سوى نهرهم له ودفعه بعيدا .. حتى حينما دفع لهم المال لم يصل لشئ .
فى الليل يجلس الأسطى حسن فى غرفته وحيدا يبكى كالأطفال .. يتسائل لماذا لم يستخدم سلطة الأب لمنع هشام من الإختلاط بهذه الجماعة من البداية .. يرى أنه أب فاشل ترك ابنه الكبير تتقاذفه أمواج التيار الاسلامى حتى صار له ما صار .. ثم يردد بينه وبين نفسه ( بس هو يرجع بالسلامة ) .. ويقسم على نفسه بأغلظ الأيمان ليمنعن هشام من السير فى هذا الطريق .. رأى زوجته تدخل عليه بصينية الطعام .. أسرع يمسح دموعه بظهر يديه حتى لا ترى ضعفه وقلة حيلته أمام العثور على ابنه الغائب .. وسمعها
- أنت على لحم بطنك من لقمة امبارح .. لازم تاكل ياحسن .. أنا قلبى حاسس إن هشام هيدخل علينا الليلادى
ينظر الأسطى حسن فى ساعته وينهض قائلا
- ماليش نفس .. أنا رايح أدور على هشام
* * * *
لماذا هو بالذات ؟ .. هل لأن الغموض الذى يكسى الحكاية برمتها هو ما جعلها تفكر فيه ؟ .. أم أنها كانت سببا لهدايته كما يقول .. هكذا كانت فاطمة جالسة أمام الكمبيوتر تفكر وتتسائل بعدما قرأت رسالة خالد لها ثلاثة مرات .. وجدت الفضول يعتريها تجاهه , وهل هى ساذجة الى الحد الذى يجعلها تنخدع فيه وتصدق أنه ياسمين .. أم أنها ليست بهذه السذاجة , هى التى انساقت وراء الجدال معه راغبة وكأنها تكمل ما يعترى صدرها بشأن النقاب قى الاسلام .. وجدت كلمة النقاب يتردد صداها بداخلها , ذلك القدر بالنسبة لها .. لكنها هى نفسها لو كان لها الخيرة فى أمرها : هل تخلع النقاب وتكتفى بالحجاب أم تختار النقاب الذى لم تعرف سواه طوال خمسة وعشرون عاما هى عمرها ؟ .. وجدت نفسها لا تملك إجابة .. وفجأة قفز الى ذهنها خاطر جعلها تبتسم ؟ .. هل رسالته هذه ( اشتغالة جديدة ) .. تنهدت متعجبة لماذا تشغل بالها به ؟ هل لأنها لم تحادث شابا من قبل , حتى ولو كان اليكترونيا .. ربما فضولها تجاه هذا الغامض , وربما أيضا روتين حياتها كمعيدة فى كلية الحاسب الآلى .. باتت ساعات يومها على نفس المنوال .. تشرح الدروس للطلبة فى فصول العملى على الأجهزة ثم تعود الى بيتها وتظل فيه بين الكمبيوتر والقنوات الدينية , قليلا ما تخرج .. تستيقظ لقيام الليل وصلاة الفجر وأذكار الصباح وتذهب للجامعة .. دائرة مغلقة وجدت نفسها فيها , بعدما كانت تحلق فى سماء السعادة حين وافق أبوها الشيخ اسماعيل حسين على عملها فى الجامعة .. تبددت تلك السعادة وحل محلها الملل والضجر من روتين الحياة اليومى .. ثم أنها فى أية لحظة ممكن أن تنتقل من حياتها هذه الى حياة أخرى : إذا جائها صاحب دين يطلبها للزواج : فهذا هو شرط أبيها , عليها إذن أن تتحول الى زوجة لشيخ من التبليغ والدعوة كالذى تقدم لها من قبل .. ستصير مجرد وعاء لإفراغ شهوته من جهة , وخادمة له تقوم على شؤونه من جهة أخرى , وأما لأطفال يسيرون على نفس الدرب التى سارت هى فيه .. يالها من حياة .. شعرت ببعض الحزن من كل هذه التساؤلات .. والسبب أنها دائما لا تجد اجابة .
دخل أبوها الشيخ اسماعيل عليها ليقطع حبل تساؤلاتها قائلا
- عاملة ايه يا فاطمة فى شغلك ؟
- الحمد لله يا بابا
جلس الأب على حافة السرير بجلبابه الأبيض ولحيته البيضاء الكثيفة , وتبعته فاطمة تجلس الى جواره وسمعته يقول
- ايه أخبار زملائك من المعيدين ؟
لم تفهم فاطمة مغزى السؤال , وأجابت
- من ناحية إيه ؟
ضحك الأب ضحكة مرحة رصينة وقال وهو ينظر لوجه ابنته بحنان
- انتى منقبة ملتزمة فى وسط فيه اختلاط بين الرجال والنساء , ومش عايز ده يزعزع ايمانك وثباتك على الحق
لم يكن سبب السؤال هو ما قاله الشيخ اسماعيل .. بل كان يخفى فى صدره سببا آخر .. جعله احساسه بشخصية فاطمة المختلفة وتعليمها وعملها الجامعى المرموق أن يدرك أنها لا تصلح لمن يحادثونه بشأن التقدم اليها من حين لآخر من أتباعه فى الجماعة .. ورأى حلما لها ذات يوم وشاب زميلا لها فى الجامعة يتقدم لها .. صحيح أنه لا يخرج فى سبيل الله لكنه يصلى ويحافظ على العبادات .. ليس شيخا يترك لحيته ويرتدى الجلباب الأبيض لكنه مسلم , ووجد نفسه يدعوا لها بذلك.. لا يستطيع أن يصارحها بما يتمنى لها , فتابع كلماته وقال
- فى شباب كتير من الجماعة كلمونى عليكى
صمت يرقب وجه ابنته الذى امتعض وأنفاسها التى تعالت .. كان الشيخ اسماعيل يتمتع بذكاء فطرى وله فهم عميق بالحياة , لذا أطلق ضحكة عالية وقال
- انتى دلوقتى مهندسة كمبيوتر ومعيدة فى الجامعة , ولازم اللى يتقدم لك يكون أهل ليكى
قالها وهو يربت على كتفها مبتسما وكأنه يطمأنها أنه لن يلقى بها فيما لا يليق بها .. أشرق وجهها بعلامات ونظرات امتنان وقالت
- ربنا يخليك ليا يا بابا
قالتها وهى تقبل يده .. ضحك عاليا وقبلها على جبينها وقال
- ما بادعيش لحد قد ما بادعيلك يا فاطمة
قالها وهو يربت على كتفها ثم نهض يتابع
- بكرة بإذن المولى أنا خارج تلات ايام مع الجماعة جنبنا هنا فى المعادى .. محتاجة حاجة قبل ما أخرج
- تروح وترجع بالسلامة .. وجعله الله فى ميزان حساناتك
هكذا ردت فاطمة قبل أن تتدارك مسرعة وأبوها يغادر من الحجرة
- هو أنتو هتخرجوا فين فى المعادى ؟ .. مش هتردوا زيارة الجماعة اللى كانت هنا من حلوان
- لأ فى اخوان دعونا للخروج فى مسجد الريان اللى فى شارع 77
قالها الأب وغادر , لتجد فاطمة التى كانت قررت قطع مراسلتها لخالد حيث لم تجد ما ترد به عليه .. ووجدت نفسها تعيد قراءة رسالته للمرة الرابعة ثم كتبت الرد
( سبب فتور عزيمتك هو أنك بعيد عن جماعة تؤازرك وتثبتك على الايمان .. والدى الشيخ اسماعيل حسين خارج غدا مع الجماعة فى مسجد الريان شارع 77 .. إذهب هناك ستجد العون .. (فاطمة ) ) .. وأرسلتها الى ايميل خالد .
**************
حينما توهم نفسك بواقع غير موجود , وتمعن فى تصديقه .. تشعر بالوهم وقد صار حقيقة .. إلا أنك تفيق من وهمك بين الحين والآخر وتدرك الحقيقة كومضة خاطفة إذا وجدت ما يذكرك بها .. كان هذا حال شهد سامح التى أوهمت نفسها بأنها زوجة ملازم أول وليد نور الدين , وأمعنت فى تصديق ذلك .. لكنها حين تقوم بأداء أدوار تمثيلية صغيرة فى بعض الأفلام بين الحين والآخر أو بعدما تنتهى من فقرتها الغنائية الراقصة فى الملهى الليلى وتصد محاولات الزبائن لإغرائها بالمال الى الفراش .. ترى الحقيقة كومضة خاطفة .. هى لا ترفض اغرائات الزبائن لأنها زوجة مصونة , وإنما التزاما باتفاق بينها وبين وليد , أن تكون عشيقة حصرية له .. لا تضاجع غيره , وقبضت ثمن الاتفاق : شقة تمليك باسمها فى شارع 9 بالمعادى بالاضافة الى ما يعطيه لها من مال .. وهذه الورقة التى تجمع بينهما بزواج عرفى سرى , ليس لها أية قيمة .. سرعان ما تتناسى الحقيقة وتعود للوهم : إنها زوجة ضابط وفنانة محترمة .. لكنها تدرك أنها عاهرة , ألم يعرفها وليد وهى تمارس الجنس كمحترفة مع الزبائن مقابل المال .. ولما أغدقت عليه بفنون عاهرة فى الجنس , وجد نفسه لا يقدر على فراقها .. كثيرا ما تسائلت هل يحبها ؟ أم يحب متعته ولذته معها ؟ ..
ذات ليلة داهمها الأرق ووجدت نفسها تتخيل أنها عارية وسط مجموعة من الذكور يتكالبون للنيل من جسدها , لم يكن لها سوى أن تستغيث لكن ممن تتطلب الغوث ؟ .. لا يوجد غيره .. ظلت تصيح وتصيح تنادى
- وليد .. الحقنى يا وليد
وفجأة انقطع المشهد التخيلى .. يا الله .. صراع رهيب لدرجة أنها لا تريد أن تعرف النتيجة , هل يهرع وليد وينقذها من براثن الذكور أم يتجاوزها ماضيا فى طريقه ؟ .. ليتها يوما ترى منه ما يجعلها تعرف النهاية دون خشية النتيجة .. حينما تنسى أنها محظيته الخاصة , ويخفق قلبها وهى بين زراعيه , وملمس جسديهما العاريان يعطيها النشوة , لا تجد شيئا يهمه سوى الجنس .. تشعر هى بمشاعر واحاسيس عاطفية , بينما تجده منتصبا يبحث عن فتحتها .. تجد نفسها على الفور تطرح المشاعر والأحاسيس جانبا وتتقمص دورها .. تلتهم شفتيه تمتصهما وتعضعضهما , وتداعب بلسانها لسانه , وتناغيه قائله بدلال
- عاوزاك النهاردة تقطعنى
هكذا تنتقل شهد من عالم الى عالم فى لمح البصر .. وتندمج فى امتاع وليد بكل فنونها .. لا تترك موضعا فى جسده إلا وتكون قد لحسته , ثم تعتصر قضيبه تدليكا وامتصاصا , وحتى تلك الحركة التى تؤجج وليد وتهوى به فى بحور اللذة , حين تلقى به على بطنه وتباعد بين اليتيه وتلحس ما بينها مداعبة بلسانها .. لا تتركه الا بعدما ترى الرضا فى عيونه .. تسمع منه كلمات الحب ولكن مع الأسف كلها فى وقت اللقاء تحت وطأة الغريزة الشهوانية .. ليته قال لها ( بحبك ) بعيدا عن لقاء الجسدين ولو لمرة واحدة .. كان يمكن لها لحظتها أن تكمل المشهد التخيلى لترى وليد الذى يحبها يهرع لإنقاذها .. لكنها لم تجد منه ما يجعلها تكمل المشهد .. إذن علاقتها بوليد هو اتفاق سارى المفعول بين طرفين .. تأخذ هى ما يعطيها من مال الى جانب الشقة , وفى المقابل تغوص هى به الى بحور اللذة .
لا تنسى شهد سامح ذلك المشهد طوال حياتها .. حين كانت طفلة لم يتجاوز عمرها الثامنة , فى بيتها الفقير المدقع بصفط اللبن , وابوها الفلاح الأجير يجلس على عتبة البيت يدخن المعسل وأمها تعد القوالح المشتعلة , وتضعها على الجوزة كل يوم .. بينما هى منهمكة مع اخوتها فى تحميل روث البهائم ( السباخ ) من على أرضية البيت الترابية الى عربة حديدية صغيرة يجرها حمار الى الغيط .. وأثناء ذلك دخل الطبيب البيطرى الذى اعتادت أن تراه يختلى بامها فى الغرفة ويغلقون الباب , وأبيها يجلس يدخن الجوزة على الأرض أمام الغرفة .. لم تكن تدرى ما معنى ذلك ؟ .. لكنها عرفت بعدما أختفى أبوها اسبوعا ( ولا حس ولا خبر ) .. وجاء رجال أقوياء أشداء وأخذوا أمها يضربوها .. عرفت بعدها أن أمها وعشيقها الطبيب البيطرى قتلوا أبيها .. هى وأخوتها الثلاثة صاروا عارا فى البلد كلها , حتى عند عمهم الذى يربيهم .. بمجرد أن بلغت السادسة عشر وظهرت مفاتن جسدها واضحة جلية للأعين .. حتى تلقفها على أبو سنة متعهد الأفراح , صنع منها راقصة فى الأفراح الشعبية وعرفت طريق المال وهجرت أهلها وأخوتها , لكن جسدها الفائر الممشوق المتناسق بريشة فنان .. ألقى بها سريعا من الأفراح الشعبية الى ملهى ليلى دخلت فيه الى عالم جديد .. تدرك أن لها صوتا جميلا يجعلها جديرة بأن تكون مطربة .. وإذا لم يكن الصوت هو الأساس لكى تصبح مطربة , فما بال هذا الصدر المكتنز الذى تحمله , وهذا الخصر النحيل والأرداف العريضة بتناسق مثير .. وفوق كل ذلك وجهها فاتنا مثيرا حتى دون أن تضع ماكياج .. وبعد المكياج يتحول وجهها الى مصدر فتنة حقيقى لأعتى الحافظين على فروجهم .. غمزة من عينيها أو رمشة دلال أو ايمائة مثيرة كفيلة لدفعك الى الإنتصاب .. وللحق فهى فوق كل ذلك فنانة .. فقط أمعن متابعة المشاهد القليلة التى ظهرت فيها فى بعض الأفلام ستجدها ممثلة موهوبة تنتظر الفرصة .. لماذا دار كل ذلك فى خلد شهد سامح وهى ممددة الآن على السرير , وقد أوشك النهار على البزوغ والنوم يجافيها .. السبب أن الفرصة جائتها .
فى هذه الليلة وبعد أداء فقرتها الغنائية الراقصة على مسرح الملهى الليلى .. ما كادت تدخل غرفتها حتى جائها الخبر
- شريف بك عايزك يا شهد
فرحت شهد فالمنتج السينمائى شريف عبد القادر , طالما حضر الى الملهى وطلبها .. إذن هى مرشحة لدور فى فيلم سينمائى .. لكن فرحتها تبخرت , لأنها أدركت أنه حتما دور صغير مشهدين أو ثلاثة .. ولكن كان العكس هو الصحيح , فشريف عبد القادر منتج ( صاحب مزاج ) .. هو من أولائك المنتجين الغير معروفين للجمهور .. لأن أفلامه منخفضة التكاليف الانتاجية من تلك النوعية الموجهة للشباب .. بطولة جماعية للممثلين اللذين فى بداية طريقهم فى عالم السينما الى جانب وجوه جديدة .. لا يكلفه أجورهم الصغيرة الكثير , ويستأجر عددا قليلا من الكاميرات والاستديوات بعدما يتلقف مؤلف مغمور يكتب له سيناريو , ومخرج حديث التخرج .. وبعد الفيلم يظل يثرثر فى وسائل الإعلام الفنية عن ضرورة اعطاء الفرصة للشباب الصاعد والوجوه الجديدة , رغم ان هدفه لم يكن كذلك بالطبع .. هو اشبه بأخطبوط يعمل بعدة أزرع , فهو من جهة لا يدفع الكثير فى انتاج الفيلم , ويحظى بربح جيد ( بارك الله فيما رزق ) .. ولكن الأرباح الأكبر تأتى من الشهوات العارمة التى يغوص فيها مع من يختارهن لأداء الأدوار فى أفلامه .. فكل واحدة عليها أن تدفع ثمن النجومية التى سيعطيها لها حتى لو كانت نجومية محدودة .. والثمن هو طبعا الجنس .. يعكف شريف عبد القادر صاحب الخمس والأربعين عاما فى الآونة الأخيرة على الإعداد لإنتاج فيلم جديد .. ولما سمع أن شهد امتنعت عن ممارسة الجنس , ويتردد أنها تزوجت عرفيا من ضابط شرطة , أخذ على نفسه تحديا .. فهو لم يسبق له أن نسى امراة جمعه معها فراش واحد , لدرجة أنه يتذكر تفاصيل العلاقة بينه وبينها .. يتذكر جيدا من تتميز فى المص واللحس .. ومن تتميز فى الوضع الخلفى .. ومن تملك أفضل جسد ممشوق .. ومن تمللك أكبر صدر ومن صاحبة المؤخرة الأروع .. وكان يدرك أن شهد هى أجمل واحدة ضاجعها من قبل , مشكلتها الوحيدة هى أنها مطربة وراقصة فى ملهى ليلى لا يعرفها أحد .. لا يستطيع المجازفة بها فى دور رئيسى .. على عكس الأخريات ممن يكون لديهن بعض أدوار فى أفلام أخرى يجعلهن معروفات نوعا ما فى الوسط الفنى ولدى القليل من الجمهور .. لكنه الآن قرر أن يضع شهد فى دور رئيسى وسط البطولة الجماعية لفيلمه الجديد .. والثمن هو أن يستمتع بها كيفما يشاء ووقتما يريد طوال الإعداد وتصوير الفيلم , وبعد ذلك ترحل متى شائت .
* * *
- وشك ولا القمر يا شريف بك ؟
هكذا قالت شهد وهى تحيي شريف وتجلس أمامه على المنضدة فى أحد أركان صالة الملهى الليلى , ضحك شريف عاليا ليهتز كرشه الكبير الذى لا يتناسب مع قامته القصيرة وقال
- أهلا بنجمتنا الجميلة .. انتى اللى غايبة عننا يا فنانة
- نجمة ايه بس ؟ ده أنا يدوبك كام مشهد
- ما انتى هتبقى نجمة فيلمى الجديد
قالها وهو يشبك يديه على المنضدة أمامه , ينظر فى عينيها بخبث ودهاء , ورأت هى شعره المصبوغ بطريقة فجه , واشتمت رائحة الخمر من فمه وقالت بدهشة
- نجمة فيلمك الجديد !!
رد على الفور وهو ينفث دخان سيجارته بوجهه الممتلئ
- طبعا .. انتى فنانة موهوبة ولازم تاخدى فرصتك وتثبتى نفسك
صمت يتابع عينيها المحملقة وقال باسما
- أنا واثق انك هتكونى نجمة كبيرة مشهورة .. انتى عارفة ان افلامى كلها بطولة جماعية , وانتى هتكونى بطلة فى الفيلم
رغم سعادة شهد بما تسمعه , إلا أن وجهها تجهم فجأة , فهى تعلم أن عليها أن تدفع المقابل الذى تدفعه له كل مرة على أدوارها الصغيرة , ولكن الوضع مختلف فهى الآن زوجة لوليد نور الدين .. وقبل أن يترنح عقلها بين كونها زوجة أو عشيقة باتفاق .. أفاقت على صوت شريف وهو يمد يده لها يقول
- ده الاسكريبت بتاع الفيلم .. انتى هتلعبى دور ايمان .. اقرأى وردى عليا بكره .. تليفونى لسه معاكى ؟
أومأت شهد برأسها ايجابا ثم قالت
- هاقرا الاسكريبت واشوف رأى جوزى
قالتها بطريقة ساذجة ليفهم منها أنها الآن متزوجة ولا تقدر على دفع الثمن الذى يريده من جسدها , ووجدته يضحك بخفوت ويقول
- ما تخليش حاجة تعطلك عن الشهرة والمجد والفلوس .. انا سمعت انك متجوزة ضابط عرفى ( قال جملته الأخيرة وهو ينظر لها بنظرة وقحة ) .. وايه المشكلة ؟ انتى موهوبة ولازم تسعى لانك تاخدى المكانة اللى تستحقيها
تنهدت شهد من هذه المكاشفة الواضحة لينهض هو بجسده السمين القصير وبدلته السوداء , يعدل من وضع البنطلون بيديه مواصلا كلامه
- إذا عاجبك الدور بدل ما تتصلى بيا تعالى نتفق ع التفاصيل .. أنا هاكون موجود فى الشقة بكرة .. ما انتى عارفة العنوان ولا نسيتى انك جيتى هناك قبل كده
قالها بطريقة وقحة جعلت شهد تشعر بالإشمئزاز منه قبل أن يتركها وينصرف .
هذا ما جعل شهد لا تنام فى تلك الليلة وهى الآن ممدة على السرير تقرأ الدور لتتخذ القرار .
****************
إقرأ الباقى


, سيارة فارهة , صديقات تثرثر معهن فى النادى .. حوارتها الهاتفية مع زملائها فى الكلية حيادية تماما .. دائما ما تعيش اللحظة ولا تفكر فى أى شئ يتعلق بالمستقبل .. حتى بعد التحاقها بكلية الطب التى كان أبوها رافضا لها ويريد الحاقها بالجامعة الأمريكية فهى من الصفوة , ولا يجب أن تخالط غير الصفوة ممن يلتحقون بالتعليم الجامعى الحكومى .. لكن طبيعتها الغجرية جعلت أبيها يوافق على ما أرادته هى .. وإمتدت تلك الطبيعة بداخلها ليصير شكلها عجيبا ومثيرا على كافة الاصعدة .. عيون واسعة جريئة لا تطرف خجلا ولا حياءا , ورموش هدباء طويلة كأشواك تنغز قلبك حين ترنوا اليها , ووجه فاتن مثيربجسد متناسق يبعث على الشهوة , وأكثر ما يلفت النظر هو ذلك الشعر التى أختارت له يارا تصفيفة لا تغيرها فيبدو شعرها طويلا وحشيا مبعثرا
.. ولم يكن ذلك فحسب هو ما يجعلك تستشعر طبيعتها الغجرية , وإنما تلك الحلقة المعدنية الدقيقة التى تثبتها بين الحين والآخر فى فتحة أنفها , وكذلك بعض الترتر الملصق حول إحدى عينيها , والحسنة الحمراء التى ترسمها الى جوار فمها .. وكانت أكثر علاقة جمعتها بشاب هى فى تلك الليلة التى أكثرت فيها من شرب الويسكى وانطلقت ترقص بجنون بداخل الديسكو وتتلوى بالبادى الضيق المثير والبنطلون الجينز المنحشر فيها , مما دفع أحد الشباب معروفا فى الديسكو بقدرته الفائقة على تأدية الرقصات الصعبة ليتبارى مع يارا فى الرقص .. أمسك الشاب بيدها وجذبها برشاقة وأدارها فى الهواء بخفة لتستقر على الأرض .. سرعان ما التف حولهم الشباب من الجنسين يصفقون مشجعون .. أرادت يارا أن تتحدى الشاب بحركة استعراضية .. قفزت بخفة وأحاطت رقبته قابضة عليها بساقيها ثم قفذت بجسدها للخلف ودارت فى الهواء دورة كاملة قبل أن تستقر على قدميها وسط تصفيق الجميع مبهورين .. صفق لها الشاب المتحدى نفسه على هذه الحركة , ثم فجأة أمسك بوسطها وأدارها وهو يرفعها ليصير ظهرها أمام وجهه , وبحركة ماجنة جعل مؤخرتها تستقر على موضع قضيبه تماما , وظل يحكها فى حركات راقصة , ثم باعد بين ساقيه وحررها لينفرد جسدها زاحفا على الأرض مستقرا بين ساقيه والإيقاع الصاخب للموسيقى يدوى فى الآذان .. صفق الجميع وعلت أصوات الصفير تحت الأضواء الليزرية الملونة المجنونة , وتوقع البعض منها أنها ستعاقبه على هذه الحركة الماجنة , فكانت المفاجأة حين نهضت يارا التى أعجبتها الحركة السابقة وشعرت بالإثارة ودارت حول نفسها قبل أن تقفز لتجعل إحدى رجليها على كتفه , بينما إلتقط هو الرجل الأخرى بزراعه , وصار ما بين فخذيها ملاصقا لقضيبه الذى بدا منتصبا خلف البنطلون , يحتكان فى حركات راقصة ممحونة .. بعدها رأت يارا أحد المشرفين على الديسكو يقترب ويهمس فى أذن الشاب .. بذكائها استنتجت أنه يلفت نظره أنهما تجاوزا الحدود , فدفعها ذلك وسط سكر الخمر والنشوة المتملكين منها فى أن تخلع البادى ويصير نصفها العلوى عاريا ويظهر ثدييها عاريان أمام الجميع اللذين صفقوا بإعجاب شديد .. لم يكن الشاب يريد أن يظهر بأنه أقل جرأة منها فخلع فانلته على الفور والتحما سويا فى أكثر الحركات الراقصة مجونا , والتى جعلت يارا بشكلها الغجرى أن تلقم فم الشاب تقبله بتمحن ومجون جعل الإثارة تغمر المكان .. ومع وصول مدير الديسكو نفسه ليمنع حدوث المزيد انتهى العرض .



.. بينما غالبية السلف يرون أن جماعة التبليغ والدعوة ( ناس طيبين بس ما عندهمش علم ) .

.. نزل من سيارته ودخل المسجد ليجد سريرته تطمئن .. وتوضأ ووقف فى صف المصلين .. كان صوت الإمام عذبا ومؤثرا وهو يتلو القرآن .. ووسط حالة الخشوع وجد صور وأشكال غير واضحة تغزو عقله من بنات الكلية وأبويه وسماح ووليد .. كابد ليهرب من مشهد جنسى يجمعه بسماح وأصغى الى الآيات , وبعدما انتهى من الصلاة هم ليغادر فوجد الشيخ يجلس على كرسى بجوار المنبر ويبدأ الدرس .. جلس خالد مستندا بظهره الى عمود بوسط المسجد , وجاء الدرس الدينى وكأنه موجه له هو , فقد كان موضوع الدرس هو ( حلاوة الإيمان ) .. والذى بدأه الشيخ بقوله