رواية السما والأرض بقلم مودى الفصل 18والأخير



-18-

مرت الأيام سعيدة بين فاطمة وخالد .. وبدأت فاطمة الإعداد للدكتوراه وخالد منهمك فى عمله بالمحل الذى ازداد نشاطه ولم يعد قاصرا على السلع الدينية فقط .. ليس غريبا أن ترى فاطمة ترتدى عبائات زاهية الألوان مطرزة أنيقة وكذلك نقابها أخذ شكلا مختلفا تفننت فاطمة فى تصميمه ليخرج بشكل أنيق للغاية , فهو مجرد حجاب جاء على شكل طاقية كبيرة مستديرة تغطى الرأس وينسدل منها طرحة حريرية حتى الأكتاف دون أن ينسدل الى الصدر , وقطعة قماشية تغطى الوجه أشبه بلثام , حيث يمكنك أن ترى عينيها وحواجبها والنصف الأعلى من أنفها .. ورغم أن فاطمة لا تزال بالطبع معيدة منتقبة إلا أن الوان عبائاتها وتصميم نقابها الأنيق جعلها تبدو ملفتة للنظر وباتت حديث الكلية بهذا التغير الذى طرأ عليها .
ومع إقتراب إمتحانات آخر العام جاء قرار وزير التعليم العالى بحظر النقاب للطالبات أثناء الإمتحانات والذى تلا قرارا سابقا بحظر النقاب داخل المدينة الجامعية للطالبات .. وكانت المبررات هى ثبوت استخدام بعض الطالبات المنقبات للهواتف المحمولة فى الغش أثناء الإمتحان من تحت ملابسهن .. كذلك تخفى بعض الشباب خلف ملابس المنقبات والدخول الى المدينة الجامعية ومقابلة الفتيات .. وانطلقت الوقفات الإحتجاجية ضد القرار وتم تحريك الدعاوى القضائية التى تباينت الأحكام فيها , فتجد محكمة تحكم بإلغاء قرار الوزير بينما محكمة أخرى لدائرة مختلفة تؤيد القرار .

بالطبع نتسائل الآن .. أين فاطمة ؟ .. هل وقفت فى طليعة المسيرات الإحتجاجية ؟ .. هل تضامنت مع زميلاتها المنقبات من الكليات الأخرى والطالبات المنقبات ولو حتى من خلال الجروب الذى أسسنه على الفيس بوك للدفاع عن النقاب .. أدرك الجميع أن فاطمة لم تعد فاطمة منذ تغير شكل ملابسها ونقابها .. ولم يقتصر الأمر على عدم تضامن فاطمة مع المنقبات بل بلغ الأمر بها لأن تحيا ثلاثة أيام هى الأكثر اضطرابا فى حياتها .. شحب وجهها من كثرة التفكير .. تفكر وتعمل عقلها وتتسائل : إذا كان النقاب غرضه هو حماية المرأة حتى لا يطمع الذى فى قلبه مرض .. هل تحقق ذلك الغرض ؟ وما علاقة وجهها وإخفائه بذلك , فالذى فى قلبه مرض إنما مرضه هو الخيال الذى لن يمنعه النقاب من الإفتتان بما يريد .. حكت فاطمة لمدام سناء ما يختلج بصدرها فى هذا الشأن ولم تتلقى منها ما يشفى اضطراب سريرتها حيث قالت سناء لها
- دى حريتك الشخصية وموروثك ومعتقداتك .. اللى إنت مرتاحة له إعمليه

كان أكثر ما يؤرق فاطمة وهى على أعتاب إتخاذ قرارها هو أبوها الشيخ اسماعيل حسين أمير جماعة التبليغ والدعوة بمنطقة دار السلام .. لكن فاطمة أذعنت الى أنها الآن زوجة وزوجها فقط من يكون له السلطة عليها وليس أبأها .

* * *

كان يوما مهيبا بحق ذلك اليوم الذى وقفت فيه فاطمة أمام المرآة صباحا ترتدى ملابسها استعدادا للذهاب الى الكلية .. كل شئ كما المعتاد .. العباءة المحتشمة والحجاب الأبيض الأنيق .. لكن شئ واحد كان جديدا وهو أنها لم تغطى وجهها بتلك القطعة من القماش .. وقفت تتأمل وجهها فى المرآة وتتسائل : هل سيكون ذلك مصدر فتنة ؟ .

تثبتت العيون التى وقعت على فاطمة من الزملاء المعيدين والأساتذة والطلبة .. تعرفوا عليها من شكل جسدها وملابسها .. الجميع كان يرنوا الى وجهها الملائكى مندهشين .. ولم تعبأ فاطمة بالهمهمات التى تصل الى أذنيها لمجرد أن وجهها لم يعد مختفيا وراء قطعة من القماش وكانت فاطمة فى أفضل محاضراتها على الاطلاق وهى تسمع صوتها طليق السراح ونسمات الهواء تداعب بشرة وجهها وهى تشرح للطلبة فى الفصل .. ابتعد عنها المنقبات واتهموها بتزعزع إيمانها بعد الزواج , وفى أحد الأيام جاء خالد لإصطحابها من الكلية لتناول الغداء فى أحد المطاعم وقابلا عند باب الجامعة أثناء خروجهما فتاة شابة والى جوارها رجل يحمل كاميرا وقالت
- احنا برنامج الحقيقة وعايزين ناخد رأيكم فى قرار حظر النقاب

بمجرد أن علمت الفتاة بأن فاطمة كانت منقبة ولم تعد منقبة وزوجها كان منتميا الى أحد المناهج الدينية حتى سارعت بإجراء إتصالاتها بمعد البرنامج ليتم دعوة فاطمة وخالد لحضور حلقة تناقش قضية حظر النقاب فى الجامعات .

*******************

كانت شهد سعيدة بإقتراب انتهاء تصوير الفيلم وكذلك الهالة الإعلامية المتزايدة عليها , لذا غمرها إحساس الفرح لتنعم بالمتعة واللذة مع شريف , تدفع له ثمن دفعه لها لصعود سلم الشهرة والنجومية .. كانا فى هذه اللحظة ملتحمين عرايا على الفراش الوثير , وشهد فى نوبة شبقة متأججة كأنثى تملك من الفتنة والدلال ما يفتك بأعتى الرجال .. لم يحتمل شريف صعودها وهبوطها عليه وإعتصار مهبلها لقضيبه حيث تقلص جسده وانتفض وقذف , لتصيح فيه شهد بعصبية
- لسه أنا ما خلصتش
قالتها وتصنعت متدللة البكاء وسمعت شريف يقول
- ولا يهمك يا روحى لسه الليل وآخره

نهضت عنه شهد وهى تشعر بالحنق على إثر بتر متعتها وقام شريف وتناول قرص فياجرا ومضت ساعة وهما ممددان عاريان على السرير يتحدثان عن الفيلم وأفضل موعد لبدء عرضه فى دور العرض وكيف تمكن شريف من الإتفاق مع الرقابة ليتمكن بعد إنتهاء تصوير الفيلم من تمريره من الرقابة .. كانت شهد تسبح فى عالم من الخيال وتتخيل نفسها بطلة كل الأفلام ونجمة الجماهير ومعبودة العشاق .. شعرت بيد شريف تجذب رأسها لتصير فوقه , فامتثلت تداعب وتقبل أجزاء صدره وترضع حلمتيه تتهادى بلسانها حول سرته والتقمت قضيبه تمتصه وتدلكه .. اعتلاها شريف بين فخذيها ورجليها مرفوعة على كتفيه وظل يطعن مهبلها بقوة .. أسلمت شهد نفسها لرياح اللذة تحملها كبساط الريح وأثناء بدء ارتعاشة نشوتها , فزعت على صوت جرس الباب وطرقات متتالية .. زمجر شريف وقال
- ده وقت حد يجى فيه
قالها وهو عازم على تجاهل الطارق ومعاودة دفعاته لولا أن الطرقات تسارعت ورنات الجرس يعلو أزيزها ليسكن على إثرها الأثير المشحون بالمتعة ويحل محله الحنق والغضب .. نهض شريف يلعن الطارق المزعج وارتدى الروب على جسده مباشرة وخرج من الغرفة وهو يربط الحزام وما أن فتح الباب حتى إندفع وليد داخلا يصيح
- شهد .. شهد
قالها وهو يبحث فى أرجاء الشقة كالمجنون , فى حين جرى شريف بجسده القصير السمين خلفه يمسك بكتفه صائحا ولا تزال أنفاسه لاهثه
- إنت رايح فين يا أخينا انت .. انت لسه ما حرمتش من المرة اللى فاتت ؟
كان رد وليد الذى أملاه عليه عقله المخدر من فرط تدخينه للحشيش , هو أن أخرج مسدسه فى وجه شريف وسمع صوتا قادما من إحدى الغرف .. أسرع تجاهها ورأى شهد عارية تحاول إرتداء شئ يستر جسدها .. كان لمرأى وليد لجسد شهد العارى وهى تتعثر فى ارتداء الروب , الخاتمة التى أودت بعقله الى الظلمات وغياهب التوهان وقال ووجهه محتقن بحمرة الدم
- فاكرة إن أنا هاسيبك يا
بتر كلماته إثر إندفاع شريف يهوى عليه من خلفه , فاستدار وليد بحركة غريزية وضغط الزناد دون وعى , واخترقت الرصاصة صدر شريف الذى سقط جاحظ العينين يستحث الشهيق متشبثا بالحياة , وسط صرخات شهد التى غطت وجهها بكفيها وبدا جسدها عاريا من الأمام من خلف الروب المفتوح .. اتجه وليد تجاهها وجذبها من شعرها .. كان يشعر لحظتها أنه استعادها ويجذبها الآن لتغادر معه , لكنه رأى الجيران يندفعون إثر صرخاتها التى تشق الأجواء , فصاح فيهم وليد شاهرا مسدسه تجاههم
- كل واحد يبعد من هنا واللى مش هايبعد هاقتله
على الفور إختفى الجميع مذعورين من أمامه .. واستغلت شهد تلك اللحظة وبطاقة الحياة أمسكت بيها طرفى الروب تدارى جسدها وجذبت شعرها من يد وليد وانطلقت تعدو هاربة وعبرت باب الشقة تنزل السلم متقافزة , فما كان من وليد سوى العدو ورائها هابطا السلم ولما إقتربت من تجاوز ما تبقى من درجات لتصبح فى بهو العمارة .. أطلق وليد رصاصاته تباعا لتستقر فى جسدها وتهوى شهد متدحرجة على درجات السلم حتى استقر جسدها مضرجا فى دمائه عند نهاية السلم بمدخل العمارة .. ألقى وليد بالمسدس وأسرع يتفحص شهد التى فارقت الحياة وكأنه أطلق عليها حجارة وليس رصاصا.. ابتسم وجلس على درجة السلم ملاصق لها وأخرج سيجارة حشيش وأشعلها بهدوء .. ونفث دخانه وهو يرنو الى وجهها ويداعب بأصابعه خصلات شعرها .

**********************


بعناء شديد تمكن عماد من الحصول على مسدس من طراز قديم من أحد محلات الذخيرة والسلاح الكائن فى ميدان الجيزة وعانى كثيرا ودفع الكثير من المال ليتغاضى البائع عن إجراءات ترخيص السلاح والتى ستحتاج للكثير من الوقت والإجراءات .. حسب الخطة التى رسمها عماد خرج بسيارته قبل يومين من إفتتاح الرئيس لمحور المريوطية .. وبات فى فندق هناك ثم خرج ليلة الإفتتاح واتجه الى جراج الفندق حيث سيارته , وأستقلها منتصف الليل أسفل المحور واختفى بها وسط الظلام .. إرتدى ( العفريتة الزرقاء ) ووضع الكارنيه الذى أعده فى مكتب كمبيوتر ومكتوب عليه م/ عماد أحمد مراد مهندس إنشائى بشركة المقاولات المصرية لتنفيذ المشروعات , وقد ألصق صورته عليه .. إختار عماد أن يكون مهندسا بدلا من عامل بناء حتى لا يتشدد مع الأمن ويعتمد على وجوده فى المكان قبل عمليات التأمين .. لم ينم عماد بداخل السيارة لا يكف عن تدخين السيجارة تلو الأخرى ولم يشعر بالوقت يمر وهو يرى المانشتات والعنواين والبرامج لا حديث لها سوى عن عماد مراد الذى إغتال الرئيس .. ورأى السؤال فى إمتحان التاريخ للصف الثالث الثانوى : أكمل الجمل الناقصة مكان النقط ( ............... هو الذى إغتال الرئيس مبارك ) ويكتب الطالب على الفور مكان النقط اسم عماد مراد .. اتسعت ابتسامة عماد وهو يحرك رأسه يمينا ويسارا فى زهو وسعادة .. هكذا سيدخل التاريخ وستصبح لحياته قيمة , وأية قيمة .. هو الذى خلص شعبا بأكمله من الظلم والفساد والقهر والطغيان .. غالب عماد رغبة النوم يتثائب فلم يكن قد ذاق طعم النوم منذ يومين .. النهار بدأ يلوح بضيائه فى الأفق ويفرد عبائته المضيئة على وجه البسيطة .. ارتدى عماد الخوزة الصفراء ودس المسدس الصغير فى الجورب .. تأكد من استعداد المسدس لإطلاق النار بمجرد ضغط الزناد , وخرج من السيارة مترجلا لأعلى المحور .. اقترب عماد من المخيم الكبير المترامى الأطراف والذى بدأ نصبه منذ ثلاثة أيام لإستقبال الرئيس ولفيف الوزراء .. كان عماد تحت حالة من الإدراك المشوش بدأ يفيق منها على التفكير فى كيفية دخول المخيم , و شعر بالقلق والخوف وهو يرى رجال الأمن يتفحصون المخيم شبرا شبرا بأجهزة صغيرة حساسة للبحث عن أية أجسام غريبة وكذلك الكلاب البوليسية المدربة تتشمم الرمال .. لحظتها أدرك عماد أنه فى مهمة مستحيلة .. تمكن عماد من أن يخفى إضطرابه حين إقترب منه مهندسا وقال وهو يرنو الى الكارنيه المختلف عن الإستانبة الخاصة بالشركة
- حضرتك معانا هنا
- لأ .. أنا جاى أحضر افتتاح الرئيس
خفق قلب عماد وهو يجد الشاب ينظر له بريبة ثم قال
- شكلك مش غريب عليا
صمت لحظات ثم قال مسرعا
- افتكرت .. إنت المشرف على محور الجامعة – صفط اللبن .. صح ؟
- صح
هكذا رد عماد متصنعا ابتسامة ودودة وسمع المهندس الشاب يتابع
- بقالكم كتير شغالين فيه .. هاتخلصوا إمتى ؟
التقط عماد الخيط وبدأ حديثه مع المهندس الشاب عن أحوال الشركة والمرتبات التى لابد أن تزيد .. فجأة حدق الرجل فى وجه عماد وقطب حاجبيه وقال
- بس هاتحضر الإفتتاح إزاى .. دول ما رضيوش يدوا تصاريح غير للمهندسين العاملين فى المشروع بس
شعر عماد بإحباط عارم ينهى على آماله ولكنه سمع المهندس يقول
- بأقولك إيه .. أنا مخنوق من الشغلانة دى وما صدقت إن المشروع خلص .. خد التصريح بتاعى وأنا هازوغ .. ما حدش هياخد باله من الصورة عشان قديمة .. بس إبقى اقلع النضارة

لأول مرة يحس عماد أن القدر يسانده فى شئ فى حياته فعلى ما يبدو أن القدر يريد إنجاح المهمة .. هكذا لم يصدق عماد نفسه وهو يجلس بداخل المخيم فى منتصف الصفوف .

* * *

تقترب السيارة المرسيدس السوداء المصفحة ضد الرصاص ويحرسها من أمامها ومن خلفها سيارتان مصفحتان وفى مقدمة ومؤخرة الموكب أربعة موتسيكلات عليها أفراد من الحرس وتأز صافراتها إعلانا عن الموكب المهيب .. وما أن اقترب الموكب من المخيم حتى شد ضباط الحرس الجمهورى قاماتهم الفارعة الممشوقة واتخذوا مواقعهم فى دائرة كبيرة شاهرين أسلحتهم للأمام .. توقف الموكب وهرع رئيس التشريفات ينحنى بشدة ويفتح باب السيارة ليظهر سيادة الرئيس .. وقفز الحرس الشخصى من الرجال ضخام الأجسام وشكلوا حول السيارة دائرة .. نزل الرئيس ببطء وشموخ مرتديا بدلة سوداء غاية فى الأناقة ويظهر القميص الأبيض ومن فوقه كرافتة مخططة وحذاء أسود لامع .. وبدا على وجهه الشيخوخة الثمانينية رغم عمليات الشد التى أنهكت بشرته وكذلك شعره المصبوغ لم يخفى كبر سنه .. لكن ما يلفت انتباهك هو مشيته التى بدت مجهدة تحمل عبق عمره المديد ونظراته الزائغة التى تشى بأنه لا يدرك ما حوله جيدا .. حيا الرئيس مدراء وكبار مهندسى الشركة التى أنشأت المشروع وقد اصطفوا فى طابور لتحية الرئيس ومصافحته واستقبلته الصيحات وعلا التصفيق يرج المكان من الحاضرين يقودهم شباب الحزب الوطنى , وبالطبع رفع الرئيس يديه الكريمتين يلوح لهم بمعنى ( كفى ) .. جلس وبدا للجميع أنه حاضر غائب .. الوزراء وعلى رأسهم رئيس الوزراء فى الصف الأمامى .. الوزراء المعنيون بالإنشائات : وزير النقل ووزير الإسكان والباقى يجلس وعلى الوجوه ابتسامات مرسومة مصطنعة ساذجة .. نهض وزير النقل وظل يشرح ويتسفيض مستعينا بصور ( البروجيكتور ) موجها كلامه لسيادة الرئيس فى حين لم يكن أحد من الحاضرين ينظر الى وزير النقل وهو يتحدث , فقد كانت العيون جميعها شاخصة على سيادة الرئيس الذى بدا بعينيه نصف المغمضة كأنه لا يسمع ما يقال ..
* *

غائب عماد عن الدنيا يتحين الفرصة , هو لا يهمه حياته بالقطع لكن ما يهمه هو ألا تضيع هباء .. يمعن الآن فى الإختيار بين ما يطرحه عليه عقله : هل يقوم مرة واحدة ويطلق الرصاص على الرئيس ؟ .. لا .. المسافة ليست قريبة قد تطيش الرصاصة الأولى ولن يتمكن من إطلاق الثانية فسيكون لحظتها جثة على أيدى الحرس .. هل يتقدم بضع خطوات ليتضح مجال الرؤية ويصوب سريعا .. لا ربما امسكوا به بمجرد محاولة اقترابه من الصفوف الأمامية .. لا يدرى ماذا يفعل وسمع الصيحات تدوى والهتافات بحياة الرئيس تشق الهواء , فانتبه ليرى الرئيس يتجه ليلقى كلمته .. يا الله .. الآن مجال الرؤية واضح وزاوية التصويب جيدة .. أراد أن يستوثق من الأمر بعدما يجلس من وقفوا من الهتيفة .. وبالفعل صار كل شئ على ما يرام .. القدر الآن يسانده لأول مرة فى حياته .. حانت لحظة دخول التاريخ .. الدماء تغلى فى عروقه وتفور يشعر من فرط فورانها أنها ستندفع منفجرة من أوردته وشرايينه .. ابتسم واتسعت عيناه ثابته لا تتحرك .. امسك المسدس ووقف مرة واحدة وفى أقل من ثانية كانت يده ممدودة بالمسدس تجاه الرئيس وهوت سبابته تضغط الزناد بضغطات متتالية محمومة .. وأغمض عينيه مستسلما للمصير المحتوم يلهث .

*******************

بماذا تشير على سماح أن تفعل فى موقف كهذا ؟ .. بعدما وجدت نفسها حامل فى أكثر من شهرين بعد مضى اسبوع على زواجها من إبراهيم .. داهمتها حالة من الفوبيا مجددا وحاولت قدر إستطاعتها أن تخفى إضطرابها على من حولها .. تبادر الى ذهنها اسم الشيخ أحمد عبد القادر فهو من ساعدها من قبل , ولكن مساعدته لها فى عملية الترقيع بائت بالفشل لكنها لا تجد أمامها غيره فذهبت إليه .. استقبلها الشيخ أحمد وقد أدرك من علامات وجهها أنها فى أمر جلل وعلم منها بحملها فقال
- طب وانا إيه علاقتى بالموضوع ده ؟!
جاء الرد من سماح بالبكاء المصحوب بإرتجاف جسدها وقالت متلعثمة
- مش عارفة أعمل إيه ؟
- أنا مافيش فى إيدى حاجة أعملهالك .. شوفى دكتور وروحى له
قالها الشيخ أحمد وهو عازم على إنهاء المقابلة ولكنه سمعها تقول
- العملية اللى عملهالى الدكتور اللى وديتنى ليه ما نفعتش
حدق الشيخ أحمد فى وجهها وقال
- طب وإبراهيم عمل معاكى إيه ؟
هزت سماح رأسها يمينا ويسارا , وفهم الشيخ أحمد أن إبراهيم تستر عليها وأدرك أنه تورط مع سماح تلك الفتاة الغير متزنة ومن الممكن إذا افتضح أمر حملها أن تخبر إبراهيم أو أحد من أهلها بأن الشيخ أحمد اصطحبها الى دكتور عماد لترقيعها , ولن يسلم وقتها من المشاكل إذا انتشر الخبر فى منطقة دار السلام .. ووجد أن عليه أن يساعدها من أجل حماية نفسه .. قام الشيخ أحمد بإصطحاب سماح إلى أم زوقرد أشهر داية فى منطقة البساتين المجاورة لدار السلام .. الرائحة العطنة تفوح من دارها القذر وهما يدخلان الى الصالة واستقبلتهما أم زوقرد العجوز بوجهها الدميم النحيف وشعرها الأبيض الاشعث المنكوش وترتدى جلباب أسود كالح لا يخلو من الثقوب وقالت بنبرة جادة
- خير يا شيخ أحمد .. عندك حد بيولد ؟
- لأ .. الأخت حامل وعايزين نسقطها

كان بمقدور الشيخ أحمد اللجوء الى دكتور عماد أو أى أحد من معارفه لعمل إجهاض لسماح , إلا أنه توفيرا للنفقات حيث لا يعلم إن كان سيتمكن من إستعادة ما سيدفعه أم لا ؟ من جهة .. وكذلك إنهاء الأمر بسرعة بدلا من عملية إجهاض تحتاج الى تخدير من جهة أخرى , فآثر التوجه بسماح الى أم زوقرد الداية والتى تحترف ( تسقيط ) الحوامل ولها شهرة واسعة فى منطقة البساتين .. لم تهتم أم زوقرد بالسؤال عن أية تفاصيل .. فقط تفحصت سماح بنظرات متفحصة ثم نهضت الى مطبخ الشقة العطنة الرثة متسخة الجدران وتحت الضوء الكئيب الباهت قامت بتقطيع بعض أعواد الملوخية الخضراء وأضافت عليها كمية من الحلبة المغات وقامت بهرس الخليط بيدها حتى صار عجينة لزجة .. نادت على سماح وساقتها لإحدى الغرف وجعلتها تعرى نصفها الأسفل وترقد على ظهرها مباعدة بين فخذيها .. وبما أن أم زوقرد متمرسة فى هذا الأمر , لذا لا نتعجب ونحن نراها تستخدم قمعا من القماش فى نهاية طرفه المدبب حلقة معدنية دائرية صغيرة ( القمع الذى يستخدم فى وضع الكريمة على التورتة ) .. وعبأت القمع بالخليط اللزج فى حين استسلمت سماح التى لا تفهم معنى ذلك وتأوهت متألمة حين أحست بحلقة القمع المعدنية تعبر مهبلها .. وسمعت أم زوقرد تقول
- استحملى يا اختى
ظلت أم زوقرد تدفع بالمزيج اللزج بداخل مهبل ورحم سماح , ولما رأت الخليط يعود بعضه خارجا , صاحت فى سماح
- ما تحزقى لجوة يا اختى شوية
نفذت سماح المطلوب وتم حشو مهبلها بخليط سيقان الملوخية المهروسة بالحلبة المغات , وبعدما انتهت أم زوقرد قالت لها
- تفضلى ماسكة نفسك على كده وبالليل أول ما تحسى بتقل جواكى وزى حاجة هتوقع منك .. تطلعى العجينة اللى جواكى وتجيبى إيد مقشة وتقعدى تدخلى فيها على قد ما تقدرى .. هتلاقى الدم نزل وهاتسقطى

قام الشيخ أحمد بإخراج ثلاثين جنيها ومد يده بهم الى أم زوقرد التى قالت بنبرة آمرة
- خمسين جنية يا شيخ أحمد
تنهد الشيخ أحمد وأعطاها الخمسين جنيها وغادر بصحبة سماح .

تكمن فائدة العجينة التى صنعتها أم زوقرد من أعواد الملوخية والحلبة المغات فى قدرتها الإمتصاصية الكبيرة بسبب ( mucillage ) الموجود فى سيقان الملوخية والحلبة المغات , وتلك المادة لها قدرة كبيرة على إمتصاص أضعاف حجمها من الماء , وإستخدامها فى الإجهاض يعتمد على إمتصاص السوائل الموجودة حول عنق الرحم وإمتزاز الماء من داخل الكيس الأسود المحيط بالجنين , فيؤدى ذلك إلى ثقب فى كيس الماء ويحدث الإجهاض .. بالطبع يصلح ذلك خاصة مع حالات الحمل الغير ثابت فى شهوره الأولى .. وعلى ما يبدو أن حمل سماح من النوع الثابت لأنها عانت وهى تفعل ذلك وبالكاد سقطت بضع قطرات من الدم .. إزداد إضطرابها وبدا ذلك للجميع مما جعل أم إبراهيم تعتقد أن الجن قد عاود تلبسها وإتجهت بها للشيخ أحمد عبد القادر الذى إختلى بسماح وعلم أن حملها لم يذهب وأدرك أن سماح قدره وعليه التصرف .. اتصل بالدكتور عماد الذى أشار عليه بعملية إجهاض وعقب الشيخ أحمد
- مافيش حاجة غير العملية عشان ظروفها مش هاتسمح بعملية تحت تخدير
- ممكن تاخد لبوس فاجى بروست واحدة فى المهبل كل يوم بالليل .. وتاخد أقراص ميزوتاك قرصين فى الفم وقرصين فى المهبل الصبح وبالليل لمدة ثلاثة أيام .. بس ممكن يحصل لها نزيف
فكر الشيخ أحمد فى الأمر وقرر أن ينفض يده من الموضوع برمته .. كتب أسماء الأدوية فى ورقة لسماح وقال
- أكتر من كده مش هاقدر أعملك حاجة

غادرت سماح بصحبة أم إبراهيم ومن هنا إتخذ عقلها منحى آخر .. كانت تتمتم بكلمات خافتة وكأنها تحادث نفسها .. وتسللت الى صيدلية الرضا والنور ومدت يدها بالورقة الى الدكتور شريف بسيونى الذى تفحصها بنظرته الثاقبة المستريبة وأعطاها الأدوية وزاد عليها بحقنها بأمبولتين ميثرجين ..
كان من المنطقى بعد يوم أن تسقط سماح فاقدة الوعى والدماء المتكتلة تنسال من بين فخذيها بغزارة .. استنجد إبراهيم بأبيه وحضر الطبيب وبائت المصيبة وتحولت الى فضيحة , واستدعى المعلم هريدى والد سماح لأخذها .

* * *

بين الصحو والمنام كانت سماح راقدة على السرير تنزف وقد شحب وجهها بصفرة الموت .. وأمها تولول وتصرخ
- يا فضيحتى من الناس .. ياريت كنتى موتى يوم ما غرستى السكينة فى قلبك
وانهال سعيد والد سماح عليها ضربا بلا رحمة , يصيح
- مين يا بت اللى عمل فيكى كده ؟

خرجت بضعة كلمات كهذيان من فم سماح فهموا منها أن الشيخ أحمد عبد القادر له علاقة بالموضوع وقبل أن تهذى سماح باسم خالد فقدت الوعى ونقلوها الى المستشفى .. تم إنقاذ حياتها وتنظيف رحمها لكنها بعدما أفاقت تم تحويلها الى مستشفى الأمراض العقلية .
* * *

لم يعد الشيخ أحمد عبد القادر قادرا على رفع رأسه بين زوييه ومعارفه بعد فضيحة تورطه مع سماح .. وفى منتصف أحد الليالى كان الشيخ أحمد عبد القادر يركب سيارة نقل محملة بأثاث شقته وينتقل من دار السلام للإقامة فى المعصرة حيث لا يعرفه أحد هناك .
*********************

يسحقه قطار الذكريات كان فايز عودة يعبر الحدود بداخل السيارة البيجو البيضاء الطويلة الأجرة , مشبكا يده فى يد نتاليا حاييم , بعدما قرر زيارة أسرته لبضعة أيام استجابة لندائات أمه التى اشتد بها المرض وباتت على فراش الموت تتمنى رؤية ابنها الغائب قبل أن تترك الدنيا .. يرى فايز نفسه حين كان طفلا يتسلق أشجار الزيتون والكروم ويلهو بالضحكات فى براءة الوجود .. لكن ذلك انتهى سريعا وكأنه لم يبدأ بعد , وهو يرى نعش أبيه محمولا على الأعناق وهو ابن العاشرة .. كان يبكى منتحبا على فراق الأب الذى أردته رصاصة من الغاصب المحتل الصهيونى .. وأسرع الأخ الأكبر يحضر البندقية ذات الأوكرة اللامعة والتى تسلمها أبوه من مكتب المقاومة الشعبية ولم يستخدمها قط وأنطلقت الرصاصات فى سماء الكون الرحيب لتضفى على الجنازة مهابة لوداع رجل شهيد .. توقف قطار الذكريات مع توقف فايز بصحبة زوجته نتاليا التى غطت رأسها بطرحة سوداء عند أول نقاط التفتيش على الحدود .. وبعدما عبرت السيارة , عاد قطار الذكريات يتحرك متجها الى المحطة التالية حين كان فايز صبيا يعايره أقرانه بالجبن والخوف لأنه لا يخرج معهم لقذف الجنود الإسرائيليين بالحجارة .. يتسائل فايز هل هو جبان ؟ , ولماذا خلقه الله يحب الحياة ويركن الى الدعة والسلام .. لماذا خلقه الله هكذا طالما وضعه فى مكان كان الموت فيه أقرب من الحياة .. شعر برأس زوجته على كتفه تستنيم .. ابتسم وربت عليها بحنان وغمره شلال الذكريات مع نتاليا يوم أرسلها القدر إليه .. هل هو خائن وطنه وشعبه كما يقولون لأنه أحب وتزوج من نتاليا التى أنارت ظلمة حياته الحالكة السواد .. ما الجريرة التى ارتكبتها هى إذا ولدت يهوديه .. أليست انسانة مثله وجدت فيه ما بدد الحزن من حياتها ؟ ..

يخفق قلب فايز مرفرفا كلما اقترب بخطواته من الدار يسبقه الشوق والحنين وانتبه لعواء كلب أسود أمام الدار .. قبض بيده على يد نتاليا يجذبها مسرعا ورأى النساء متشحات بالسواد .. بكاء ونحيب وعويل يملأ الدار .. يا لهذا القدر العابث به .. أيستكثر عليه ساعتين من الزمان , هى الفاصل الزمنى بين لحظة موت أمه ولحظة وصوله .. بكى بحرقة وهو يرى فى خياله مشهد أمه تجلسه فى حجرها طفلا تهدهده أو تمسك الكوز وتملأه من الفنطاس الذى يتصاعد منه البخار على الوابور وتسكب على جسده العارى تحممه .. وازداد بكاؤه لأنها فارقت الدنيا منذ ساعتين لم يمهلها القدر تلكما الساعتين لتراه ولو لبرهة .. جرى تجاه النعش يريد أن يفتحه ليرى وجهها لحظة .. منعوه ناهرين وسمعهم يصفونه بالخائن الجبان .. آزرته نتاليا التى تجنبها الجميع فهى يهودية نجسة لا يجب الإقتراب منها , وئدت بذنب قومها ولم يكن لها هى ذنب .. حاول فايز أن يشارك فى حمل نعش أمه ولو لخطوات ولكنهم منعوه .. حتى على قبرها بعدما ثواها التراب وغطاها الثرى .. لم يدعه أخوته يقف ليتلقى العزاء معهم .. حل الليل وأظلمت الدنيا ووجد نفسه يقف أمام باب الدار الذى أوصد فى وجهه يبكى ونتاليا الى جواره تبكى .. يتلفتان حولهما يبحثان عما يأويهما من البرد .. ترجلا على غير هدى ولم يدريا زمانا ولا مكانا .. كانا يظنان أن ذلك الغياب التام عن المكان والزمان لا يحدث لهما إلا وهما فى نوبة الحب السماوى , لكنهما أدركا الآن أنه يمكن أن يحدث بدون نوبات حب .. وكأنهما اتفقا بلا كلمات .. توقفا وجلسا على قارعة الطريق متلاصقان .. تشبثت نتاليا بزراعيها تحيط جزع فايز ووضعت رأسها على كتفه بعيدا عن الزمان والمكان .

وفجأة دخلا الى عالم الزمان والمكان حين سمعا
- ها الخاين واليهودية
نظرا أمامهما ليريا رجلا يرتدى فانلة سوداء وبنطلون أسود وقد إختفت رأسه تحت قناع أسود من القماش .. وحول رأسه شريط أخضر مكتوب عليه ( لا إله إلا الله .. محمد رسول الله ) .. ومن خلفه كان هناك ثلاثة آخرين على نفس الشكل والحال .. يشهرون رشاشات آليه تجاههما .. لم يكن الأمر يحتاج الى تفسير , إنهم تابعين لمليشيات حماس .

لم يمضى الكثير من الوقت حتى كان فايز ونتاليا فى غرفة رثة عطنة وآياديهم مكبلة خلف ظهورهم .. وفتح الباب ليدخل ثلاثة مقنعون وينهالون عليهما ركلا .. يسحقون بأحذيتهم الغليظة جسديهما .. ثم دخل ثالث وقام بتثبيت كاميرا يصور فايز ونتاليا يبكيان من فرط الألم , ثم اصطف الثلاثة مقنعون يرتدون السواد مشبكون آياديهم خلف ظهورهم من وراء فايز ونتاليا .. وتحدث أوسطهم بصوت قوى أجش من خلف القناع يقول
- بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله .. ( يا أيها اللذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم ) .. هذا الخائن الذى خان دينه ووطنه وشعبه وألقى بنفسه فى حضن المحتل الغاصب الكافر وتحدى كفاح وجهاد شعبه وتزوج من اليهودية الكافرة .. ( إنما جزاء اللذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ) صدق الله العظيم

قالها وأخرج سكينا حادا وأمسك بشعر فايز يجذب رأسه لأعلى وهوى بالسكين على رقبة فايز يذبحه وفصل الرأس شاهرا إياها أمام الكاميرا وصيحات التكبير تتعالى
- الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر
وتمتزج الصيحات بصرخات نتاليا وبكاؤها الهيستيرى من مرآى ما حدث , فأمسك الرجل بشعرها وقال
- أما هذه اليهودية .. فنحن نطلب فديتها بعشرة من الأسرى المسلمين الفلسطينيين فى السجون الإسرائيلية

* * *

كان مشهدا مؤثرا ذلك الذى حدث لفايز ونتاليا وتم إذاعته عبر القنوات الفضائية المساندة لحركة حماس , وكذلك ملأ مواقع الإنترنت .. ورغم أن ذلك المشهد لم يكن مختلفا فهو مثل الكثير من مشاهد الذبح وقطع الرؤوس والتى تحمل عنوان ( hamas beheading videos ) ومنتشرة على مواقع الإنترنت ووسائل الإعلام العالمية ويستخدمونها للإساءة الى الإسلام والمسلمين .. إلا أن تأثير مشهد فايز ونتاليا على مستوى العالم أجمع كان فريدا ومهيبا بحق .. حيث لم يكن ذلك المشهد وحده وإنما كان فيلما سينمائيا واقعيا يبدأ بمشاهد فايز ونتاليا التى ملأت وسائل الإعلام عن الفلسطينى الذى أحب الإسرائيلية وكفاحهما من أجل الحصول على إقامة دائمة فى فلسطين أو إسرائيل وفشلت المساعى ويسافرا الى مصر .. قصة حب رومانسية جميلة غريبة وعجيبة ثم يأتى مشهد النهاية الذى جعل القصة واحدة من القصص التى تستحق أن يخلدها التاريخ .. وبالطبع تمكن الإعلام الصهيونى الأكثر نفيرا من إستغلال ذلك المشهد لإستدرار عطف العالم أجمع ضد الإسلام والمسلمين وخرجت المسيرات فى شوارع بلدان العالم الأروبية والأمريكية والأسيوية ينددون بما فعلته حماس بفايز ويطالبون بإطلاق سراح نتاليا , وأدركت حماس أنهم وقعوا تحت حماسهم واندفاعهم دون أن يستشرفوا المستقبل , وفشلوا فى التفاوض على أسير واحد مقابل نتاليا .. ولم يكن الأمر يحتاج حتى الى إطلاق سراح نتاليا التى فقدت عقلها بعدما حدث وحاولت التخلص من حياتها , فقد إتخذت الحكومة الإسرائلية ذلك ذريعة ومدعومة من تعاطف العالم لتنطلق الحرب ضد الإرهاب .. هكذا أسمتها إسرائيل وغطت على مشاهد قتل الأبرياء الفلسطينيين من النساء والأطفال والعجائز تحت قذائف الطائرات بإذاعة فيلم فايز ونتاليا الى جانب مشاهد قطع الرؤوس التى قامت بها حماس .

وانطلقت المظاهرات والمسيرات فى شوارع البلدان العربية والإسلامية وعلى رأسها مصر .. وكان ذلك أشبه بمن يحادث نفسه لا أحد فى الخارج يسمع أو يرى .

****************

لم ينم هشام فى تلك الليلة .. هو فى مرحلة بينية بين الصحو والمنام .. يرى نفسه وسط الأعراف بين الجنة والنار لا هو الى ذاك اليمين ولا هو الى هذا اليسار .. إذا أطرق برأسه يمينا يرى طريقا فى نهايته الجنة لكنه محفوف بالأشواك , فهذا والده يبكى ومن حوله رجال أمن الدولة وسمع السباب والإهانات وأحس على جسده بالصفعات والركلات .. وإذا أطرق يسارا رأى طريقا محفوفا بالورود والزهور والأشجار لكنه يؤدى فى نهايته الى النار .. ضباب كثيف يحجب الرؤية عن عينيه لكنه سرعان ما انقشع بفعل صورة وجه يارا الفاتن الجميل بعينيها الجريئة المتسلطة ترنو إليه وعلى وجهها ابتسامة ساخرة .. دمعت عيناه وأفاق على صوت آذان الفجر , فها هو صباح الجمعة الميمون سيزحف حبوا ليبدأ النهار .. نهض من فراشه وتوضأ وذهب للمسجد يصلى الفجر .. جلس بعدها مع المهندس وائل أبو سمرة وباقى الإخوان يتمتمون بإذكار الصباح .. ثم تحدثوا عما سيفعلون فى مظاهرة اليوم الكبرى للتنديد بالهجوم الإسرائيلى على غزة .. عاد هشام الى بيته وارتدى أفضل ثيابه القميص الأبيض والبنطلون الأسود والحذاء اللامع .. لكنه هذه المرة لم يجعل القميص بداخل البنطلون فقد تركه منسدلا خارجا ..

أمام مسجد النور بالعباسية احتشدت الآلاف وصلوا الجمعة متجمهرون أمام المسجد ومحاصرون بعربات الأمن الزرقاء المصفحة والعساكر بأرديتهم السوداء يمسكون بالعصوات والدروع يتأهبون لتلقى إشارة الهجوم .. ما إن انتهت الصلاة حتى أسرع شباب الإخوان المسلمين يلتفون فى دائرة كبيرة وكذلك ساندهم المتعاطفون والمؤيدون , وأمسك أحدهم بمايكرفون كبير وبدأ يلهب حماس الجميع , وارتفعت الآيادى بصور جثث القتلى الفلسطينيين الأبرياء من نساء وأطفال وشيوخ , وانطلقت المظاهرة وصدرت الأوامر لعساكر الأمن بالهجوم وبدأت المعمعة .. تناسى هشام وسط ذلك الحشد المهيب الدنيا بأكملها ولم يتوقف عن الصياح والتكبير
- الله أكبر .. الله أكبر

ولم يدرى من فرط حماسه سبب الألم الذى أحس به خلف رأسه والذى كان مصدره ضربة عصا من أحد العساكر ليسقط مغشيا عليه .. داست عليه الأقدام وساعده بعض الإخوة ليفيق وينهض ثم وجد نفسه مدفوعا بقوة الى داخل العربة الزرقاء وقد أظلمت الدنيا وخسفت الشمس بعدما ألبسوه القناع الأسود العطن وقيدوا يديه خلف ظهره .. سحب هشام نفسا عميقا وكأنه ينهل من الرائحة العطنة التى باتت له فى هذه اللحظة مألوفة وكأنها صارت جزءا من حياته .
********************

بداخل الحمام وفى البانيو يقف خالد محتضنا فاطمة التى أحاطت جزعه بزراعيها يتراقصان ملتحمان أسفل الماء المنهمر من الدش .. ضحكت فاطمة بميوعة وهى تشعر بشئ صلب يضغط على عانتها وقالت متدللة
- إحنا مش لسه عاملين ودخلنا نستحما .. أنا مش هاستحما معاك تانى بعد كده
ضحك خالد عاليا ورجع بصدره قليلا للوراء وأمسك بثديي فاطمة براحتيه وضغط على حلمتيها المنتصبة النافرة
- ما انتى كمان أهو .. أمال دول واقفين ليه
علت ضحكات فاطمة وقالت
- ما لكش دعوى بدول
قالتها وهى تمسك بيد زوجها وتضعها بين فخذيها ليستشعر إنتصاب بظرها .. ضغط عليه خالد ودعكه بقوة جعلت جسدها يقشعر وصاحت متمنعة راغبة
- لأ لأ .. مش قادرة
قالتها وهى تمسك قضيب خالد وتعتصره بكفها بقوة آلمته , فشهق متأوها وأراد الإنتقام , فاعتصر بكفه ما بين فخذيها بقوة وعنف .. وغرقا فى التأوهات والضحكات .. جلس خالد فى البانيو ومدد رجليه مستندا بظهره على حافة البانيو .. وعليه جلست فارسته ليستقر السهم فى غمده وذابا فى نوبة جنونية يدغدغهما الماء المنهمر على جسديهما .. واتتهما رعشة مجنونة وكأنها الرعد أنهك جسديهما وتملكت منهما النشوة على عرش الحب ليظلا متعانقات على هذا الوضع فى استرخاء لذيذ .. أفاقا منه على صوت طرقات خفيفة على الباب وصوت مدام سناء يقول بنبرة مفعمة بالمرح وكأنها تكابد الضحك
- ياللا البرنامج هايبدأ

* * *

جلس خالد وفاطمة متلاصقان على الأريكة ومن أمامهما مجدى وسناء يتابعون حلقة برنامج الحقيقة التى سجلها خالد وفاطمة منذ بضعة أيام

يجلس الصحفى وائل الإبراشى بشعره الناعم الأبيض المصفف للخلف ووجهه النحيف على رأس المنضدة المستديرة وعن يمينه تجلس فاطمة مرتدية عباءة خضراء مطرزة غاية فى الأناقة وحجاب أبيض زاد من جمال وجهها الملائكى الهادئ , والى جوارها خالد يرتدى قميص سماوى بأكمام طويلة ووجهه حليق لامع وإلى جواره رجلا أربعينيا أبيض حليق الوجه .. وفى الجهة المقابلة من المنضدة المستديرة يجلس رجلا بوجه سمين خمرى ولحية طويلة بيضاء وبدلة سوداء أنيقة , وإلى جواره منقبتان مختفيتات وراء السواد .. موضوع الحلقة هو الجدل القائم بشأن حظر النقاب فى الجامعات فى المدن الجامعية للطالبات وبداخل لجان الإمتحانات , وكذلك مناقشة فرضية النقاب فى الإسلام .. وبدأ الأستاذ وائل الإبراشى فى تقديم الموجودين قائلا
- معانا المعيدة الجامعية بكلية الحاسب الآلى الأستاذة فاطمة اسماعيل حسين وكانت منقبة ولكنها الآن محجبة .. ومعانا زوجها الأستاذ خالد مجدى وكان له تجربة حيث كان منتميا لأحد مناهج الجامعات الإسلامية وهى جماعة التبليغ والدعوة , ومعانا الدكتور محمد عبد الهادى استاذ الشريعة الإسلامية وهو من المؤيدين لعدم فرضية النقاب فى الإسلام
صمت الإبراشى يلتقط أنفاسه وبدأ تعريف الجبهة الأخرى المؤيدة للنقاب و بدأ النقاش الذى تحول الى جدال ثم شجار بالكلمات , وجعل ذلك خالد وفاطمة يتذكران جدالهما حول النقاب فى بداية تعارفهما على الإنترنت .. تسمع آيات وأحاديث يتم تفسيرها للتدليل على فرضية النقاب ثم تسمع من الجهة الأخرى آيات وأحاديث يتم تفسيرها للتدليل على عدم فرضية النقاب .. ويمر الوقت لنجد فى النهاية أنه لاجديد , فلا انتصرت الفرقة المؤيدة ولا فازت الفرقة المعارضة .. يشبك الأستاذ وائل يديه أمامه ويقول
- فى نهاية الحلقة هانسمع من كل واحد دقيقة يقول فيها رأيه

وهكذا بدأ كل واحد يوجز ما قاله خلال الحلقة فى هذه الدقيقة ولما جاء الدور على فاطمة قالت
- كل اللى أقدر أقوله إن عقل الإنسان اللى ربنا ميزه بيه عن باقى المخلوقات قادر على إختيار أفكاره ومعتقداته .. أنا اخترت بكامل إرادتى اللى عقلى وافق عليه وفطرتى ارتضته .. وباحترم أى حد يختار حاجة تانية

وتلقف خالد الكلمة متنهدا وقال
- خلاصة تجربتى هى إنى آمنت ان الدين أكبر من أى منهج وأعمق من نصوص الآيات والأحاديث .. عشان كده لازم نفهم مغزى الآيات والأحاديث ومعناها وفقا لمتطلبات عصرنا

قاطعه وائل الإبراشى يقول
- أفهم من كده إنك بتدعو للعلمانية
رد خالد يهز رأسه يمينا ويسارا قائلا
- أنا ماعرفش أى مسميات أو مصطلحات .. بصرف النظر ان كان دا اسمه علمانية ولا لأ .. دا اللى عقلى ارتاح له .. ودا اللى خلانى احس إنى مسلم ومش مستسلم

انتهى البرنامج وتنهد الشيخ إسماعيل حسين الذى كان يتابع الحوار , واتصل بابنته فاطمة يطمئن عليها دون أن يتطرق لأى شئ قالته فى البرنامج وكأنه لم يرى وختم المكالمة قائلا
- أنا خارج بكره الأربعين يوم بتوع السنة دى .. عايزة حاجة ؟
- تقبل الله منك وترجع بالسلامة

********************

مفزوعا يرتعد لاهثا استيقظ عماد ليجد نفسه بداخل سيارته فى ركن خالى بعيد أسفل المحور .. حدق كالمجنون يبحث عن الرئيس فلم يجد شيئا حوله ونظر فى ساعته ووجدها الثانية عصرا .. تسلطن عليه النوم لأن النوم سلطان وراح فى حلمه عميقا من فرط إجهاده الذهنى .. انتابته ضحكات هيستيريه بعدما قام بتشغيل الراديو لينبعث الصوت فى السيارة
- قام الرئيس مبارك فى صباح اليوم بإفتتاح محور المريوطية الذى يعد واحدا من مشروعات التنمية الكبرى وقد قال الرئيس فى كلمته اليوم ...

قطع عماد ضحكاته فجأة وبكى شاعرا بأن العالم قد انتهى بينما كان نائما .. وجد نفسه يكف عن البكاء ويستعيد مشهد التصويب وإطلاق النار على الرئيس , ولم يدرى أن إندماجه فى استعادة اللحظة جعلته يمسك المسدس ويصوب ويضغط الزناد ولكن على رأسه .

مجرد خبر صغير فى صفحات الحوادث بالجرائد : طبيب مختل عقليا يطلق النار على رأسه بداخل سيارته أسفل محور المريوطية .

النهاية
محمود مودى

ضع عنوان إيميلك ليصلك الجديد :


8 التعليقات:

غير معرف يقول...

نهاية جميلة واحترافية مع انها بتدي انطباع سيئ عن الفلسطينين وانهم قساة ما عندهمش رحمة
بدون ما تبين الوجه الإنساني للقضية
بس النهايات التانية كانت موفقة وجميلة وغير متوقعة
مبروك على انهاء الرواية

الدكتور الفلسطيني

غير معرف يقول...

جمبيلة جدا مهما قلت انت مبدع بس انا توقعت ان الرواية حتمون اطول ولسه فيها احداث بس مش مشكلة ده ميمنعش انك استاذ
طارق

فلسطيني يقول...

روايه جميله مع انني كنت كغيري اتوقع ان تطول اكثر واكثر
ولا شك انك كاتب ممتاز وننتظر جديدك

غير معرف يقول...

أنا باعتبرك واحد من أفضل كتاب الرواية الكلاسيكية البانورامية فى الوطن العربى

غير معرف يقول...

عادى اقل من العادى

حسن يقول...

بالنسبة لى مش عادى
انا حاسس وانا باقرأ السما والأرض انى بأقرأ لإحسان عبد القدوس وعلاء الأسوانى مع اختلاف مجال الحرية المطلقة فى استخدام الألفاظ والإسهاب فى الوصف بلا قيود
شكرا دكتور
فى انتظار المزيد من ابداعاتك

مروة يقول...

عل المانع يكون خيرا
مش عاويدك تطول الغياب كده

فى انتظار كتاباتك
مع تقديرى

غير معرف يقول...

رواية حلوة بس النهايات كانت باردة مع بعض الشخصيات

إرسال تعليق