رواية جدال بقلم محمود مودى الفصل 15

-15-

كان أسبوعا ممتعا للغاية , ذلك الذى قضته مها نعمان بصحبة أسامة عز الدين فى باريس .. لأول مرة فى حياتها تسافر خارج مصر وترى عالما جديدا وأناسا مختلفة .. كانت كشعلة نشاط متوهجة تفور بالحيوية وهى تتنقل بين جلسات ندوة نادى الأدب الأيروسى الفرنسى مساءا , والتنزه برفقة أسامة نهارا .. صعد بها برج إيفل , وتجول بها بردهات متحف اللوفر ومتحف أورسى .. وذهب بها إلى كاتدرائية القلب المقدس , وتنسم معها رائحة الحشائش والأزهار بحديقة جاردان دو تيليريه .. أدركت مها لماذا تعد باريس عاصمة النور والعطور والأناقة , فكل ما حولها أنيقا جميلا يبث أريجا عطرا يصعد بها إلى سماء السحر والجمال .

فى حديقة فيلا باهرة بدأت أولى جلسات نادى الأدب الأيروسى الفرنسى , حين ألقى المخرج الإيطالى تنتو براس كلمته لإفتتاح الندوة .. وقف بجسده البدين وشعر رأسه الأبيض المصفف للخلف , ووجهه السمين والسيجار الكبير لا يفارق فمه .. بدأ كلمته بجملة
- الجنس هو البائع الأول
أعترف أنه إنتهج تأليف وإخراج أفلامه من أجل المال أولا , متعته ثانيا .. وأجاب على أحد السائلين
- لماذا لا تقم بعمل أفلام بورنو
- لا تستهوينى .. فأنا أعشق التصور الذى ينسجه الخيال ... لا الفعل الذى يجبرك على الإثارة الغريزية البحتة .. القصة عندى أهم من المشاهد الجنسية
وسأله أحد الحاضرين
- لماذا عمدت فى أفلامك الأخيرة إلى قصص إيروتيكية قصيرة .. ولم تعد تناقش المشاكل السياسية والإجتماعية كأفلامك الأولى
ضحك تنتو وهو ينثف دخان سيجاره
- الجمهور عزيزى .. من يريد الجنس لا يريد أن تقحمه فى أحداث سياسية أو إجتماعية ... ومن يتقبل ذلك يرى الجنس لا داعى له فى أحداث الفيلم

هتف أحد الحاضرين بالإيطالية
- إل كولو سوربرانديتى
فضج الحاضرين بالضحك , وضحكت مها بعدهم حين ترجم لها أسامة الجملة التى تعنى ( الطيز الرائعة ) , لكنها لم تفهم ما ترمى إليه .. فشرح لها أسامة أن تنتو براس ينتقى بطلات أفلامه دوما بمؤخرات رائعة حتى ولو كانت البطلة جسدها نحيفا مثل بطلة فيلم ( لولا الطائشة ) التى كانت تشبه فاتن حمامة إلى حد كبير فى شكل وجهها وجسدها , إلا أنها كانت تحمل مؤخرة رائعة .. عندها أشار تنتو براس يرسم بأصابعه مؤخرة وهمية فى الهواء يقول
- إنها حياتى
قالها وهو يشير إلى شريكته فى التأليف وبطلة فيلم مونامور ( كارلا كيبريانى ) .. إتجهت كارلا إليه وهى تضحك تتحسس مؤخرتها الكبيرة بيديها من فوق فستانها الأسود ذو الفتحة الخلفية الطويلة الممتدة من أسفل مؤختها وحتى نهاية الفستان , وبدا للحضور أنها لا ترتدى شيئا تحته .. وقفت كارلا بشعرها الأشقر وعينيها الخضروان تتحدث عن بدايتها فى الكتابة الإيروتيكية , ولم تكن تتخيل أن تنتو سيحول إحدى قصصها إلى فيلم .. ورفضت فى البداية طلبه بأن تقوم هى بدور البطولة .. لكنه منحها الثقة لتفعل ذلك وكم هى سعيدة .

تعرفت مها نعمان خلال جلسات الندوة على عالم جديد .. جعلها أسامة تلتقى أشهر صناع الإيروتيكا حول العالم أدباء وسينمائيين .. وكانت إستفادتها الأكبر خلال الجلسة الأخيرة للندوة , حيث حاضرت الكاتبة الأمريكية ( سوزى برايت ) عن كتابها الذى صدر مؤخرا بعنوان ( كيف تكتب قصة وسخة ؟ ) .. بتقديم نصائح لكل من (هو/هي) يريد تحسين مهاراته في كتابة الايروتيكا , فالسوق مزدحمة ولا تأبه بالأقلام والأصوات المعتدلة .. لا بد من الصدمة الحارة ، البوح الصادق ، التصوير التفصيلي ، تسمية الأعضاء بأسمائها وأفعالها ، رائحتها ، حجمها ، خطها البياني وما تتركه من إنفعالات على النفس والجسد .. وعلى قدر سعادة مها , كان حزنها لأن الأيام الجميلة الممتعة ولت مسرعة , ولم يتبقى لها فى باريس سوى الغد .. أراد اسامة أن يمنحها شيئا جديدا ومختلفا ومميزا فيما تبقى لها من وقت بباريس , حيث ساقها عقب إنتهاء الندوة عند منتصف الليل إلى نادى ليلى .. تفاجأت مها بلافتة كبيرة نيونية تتلألأ بعنوان ( سكس بارتى ) .. ولما صارت بالداخل يجذبها أسامة وسط الزحام الشديد من رواد النادى وغالبيتهم من الفتيات والسيدات , صمَّـت الموسيقى الإيقاعية الصاخبة أذنيها لدرجة أنها كانت تشعر بقرعات الإيقاع ترج صدرها وتدفع قلبها إلى الخفقان .. عبثا حاولت أن يصل صوتها لأسامة تستفسر عن ماهية ذلك .. لم تكن تتوقع أن ترى فتاتين على الملأ بأحد الأركان , وقد أنزلت أحدهما بنطلونها الجينز مستندة بظهرها على الجدار , تمسك بيدها كوبا من البيرة المثلجة , بينما الأخرى على ركبتيها تلحس كسها .. إبتسم أسامة وهو يراها تشيح بوجهها , لكنها فجأة وجدت أمامها رجلا عاريا عدا ياقة قميص بيضاء حولها كرافتة سوداء على شكل فيونكة , وله جسد ممشوق العضلات متناسق على أبع ما يكون , وقضيبه مرتخى .. يهتز الرجل متراقصا على الإيقاع الموسيقى الصاخب وهو يحمل بيده صينيه عليها أكواب من البيرة المثلجة .. المنظر رغم مفاجأته جعل مها تضحك بشدة وأسامة يتناول كوبين من البيرة ويعطيها واحدا .. نظرت مها حولها لترى نادلا آخر بنفس الهيئة يحمل صينية وعليها أكواب البيرة يتراقص بمهارة مهتزا على الإيقاع الصاخب , وفتاة ترتدى بادى أبيض ضيق وبنطلون جينز تمتص قضيبه وهى راكعة وسط الزحام على ركبتيها .

شربت مها كوب البيرة على دفعتين , فى الوقت الذى كانت نادلة عارية بجسد فاتن وشعرها أحمر طويل تقترب منها تأخذ الكوب الفارغ وتناولا كأسا من الشمبانيا , سكبته مها فى فمها على جرعة واحدة ووضعته على الصينية التى تحملها الفتاة تنظر إلى ثدييها المتقافزة مع إهتزازتها ضاحكة .
- إيه رأيك .... مبسوطة ؟؟
هذا ما وصلها بالكاد من كلمات أسامة وهو يميل على أذنها متراقصا .. حركت مها رأسها ذات اليمين وذات اليسار تعبر عن مدى دهشتها .. مها التى جاوزت الخمسين إندمجت مع الأجواء الصاخبة وبدأت تهز جسدها وتتراقص على الإيقاع الصاخب كما لو كانت عادت إلى العشرين من عمرها .. كانت مختلفة وخارجة عن السياق بفستانها الأحمر القصير الذى يصل إلى منتصف فخذيها , وفتحة الصدر الواسعة تبرز المجرى بين نهديها .. فى حين من حولها كأنهم متفقين على زيا موحدا من البنطلون الجينز والبادى الضيق .. علت التصفيقات والصيحات فجأة إثر دخول رجل أسود طويل مفتول العضلات وقد أحاط نصفه السفلى بعلم فرنسا بألوانه الأحمر والأبيض والأزرق .. يؤدى حركات راقصة متناغمة مع الإيقاع الصاخب على المسرح الخشبى البنى الممتد بطول القاعة وعلى أحد نهايتيها كرسى , ويحتشد من حول المسرح عدد كبير من الفتيات .. إقتربت مها تتابع وهى لا تكف عن إحتساء الخمر كلما مر بجوارها نادلا أو نادلة .. فك الرجل الزنجى العلم الفرنسى وظل يحركه حول جزعه فى حركات سريعة متعاقبة , لييظهر قضيبه الضخم المنتصب فى لقطات سريعة تعالت على إثرها الصيحات .. تضحك مها وهى تتراقص مثل الفتيات , وترى الرجل الأسود يقترب من إحداهن التى أسرعت تمسك قضيبه الضخم بكلتا يديها وتمتصه بسرعة .. إبتعد عنها الرجل متجها إلى الجهة المقابلة متجها بقضيبه نحو فتاة أخرى تمنعت عنه مبتعدة , فأحاط الرجل رأسها بالعلم لتختفى هى وقضيبه تحته , وتظهر حركة راسها للأمام والخلف .. الفتاة كانت تستحى أن تفعل أمام الأعين مما دفع مها للضحك عاليا وهى تترنح راقصة وقد باتت شبه مغيبة بالمتعة والخمر والصخب الشديد .. منظرها الضاحك جعل الرجل الأسود يقترب منها شاهرا زبه تجاه فمها .. فتراجعت مها مسرعة وأسامة يشير للرجل بالتوقف .. لكنه جذبها من يدها لتصعد المسرح وأجلسها على الكرسى وهى لا تتوقف عن الضحك .. ظل يدور حولها والعلم معقود على وسطه يتراقص .. حتى توقف وفك العلم مجدد وأخفى به رأسها مضموما إلى عانته تماما عن الأنظار , باتت مها فى حالة يرثى لها , تتملكها حالة من الهياج الشديد , وهى تشعر بالقضيب الضخم يحتك بأجزاء وجهها .. فتحت فمها بالكاد تمكنت من إدخال الرأس تمتصها برفق .. ثم نزلت من على المسرح تضحك وسط الصيحات المتعالية .. تلقفها أسامة مبتسما يبتعدان عن المسرح تجاه أحد الأركان , وهناك وقعت عينا مها على فتاة من الحاضرين أنزلت بنطلونها الجينز حتى ركبتيها , ومالت بجزعها للأمام بينما أحد النادلين ينيكها دافعا زبه ومن حوله الواقى الذكرى فى كسها من الخلف بسرعة وإحترافية , وتأوهات الفتاة تنمحى تحت أصوات الإيقاع الصاخب للموسيقى .. ومن حولهما عدد يتابع ويصفق مشجعا .. إقتربت مها تتابع المشهد فى قمة هياجها الذى يجعلها تشعر أن قطرات بللها يكاد يتقاطر من بين فخذيها على الأرض .. مع مضى الوقت كثرت المناكحات هنا وهناك بين الجميع .. ولم تعد مها تقدر على الإحتمال , فجرعت كأسين من الويسكى قبل أن تجذب أسامة إلى أحد الأركان , واحتضنته تقبل فمه وفى عينيها نظرات تستجديه أن ينيكها الآن .. لبى أسامة رغبتها ... خلع بنطلونه وألقت هى بثوبها أرضا .. تمددت على ظهرها على الأرض وباعدت بين فخذيها ليدفع أسامة بزبه فى كسها .. سرعان ما تجمع حولهما عدد من الحاضرين يتابعون .. كلما نظرت مها لمن يتابعونها كلما تأججت لدرجة أنها تبولت على نفسها من شدة المتعة والإنقباضات المهبلية .. ليصفق المتابعون يشجعون .. إقترب نادل يركع على ركبتيه موجها زبه إلى فم مها .. أشار أسامه له بالإبتعاد لكن مها أسرعت بإمساك قضيبه وإمتصاصه بمتعة وشبق لم تشهدهما طوال حياتها .. قذف أسامة منيه على بطن مها التى كانت غارقة فى نار لن يطفئها شئ فى تلك الليلة , فأسرع النادل يكمل ما بدأه أسامة ويطعن بقوة بقضيبه المحاط بالواقى الذكرى .. أشارت مها لأسامة بنظرات ممحونة ليقترب منها , والتقمت قضيبه تمتصه .. كانت مها تشعر أن مهبلها متسع للغاية وقضيب النادل لا يملؤه بما يكفى .. من فرط الدفعات وسرعتها , إنطلقت بعض البول ليتزايد أعداد المتابعين ويتزايد جنون مها ومتعتها .. إنتصب قضيب أسامة سريعا , غيرت مها وضعها تسجد على أربع لينيكها أسامة فى كسها من الخلف وتمتص هى زب النادل الذى شعر بمدى تأججها وشبقها , فتمدد على ظهره أرضا وجعلها ترقد عليه ليغوص زبه فى كسها .. وبان شرجها متعرجا متسعا بعض الشئ من فرط هياجها العارم .. وعلت صيحات بالفرنسية من حولهم لا تفهمها مها .. كان الجمع يطالب اسامة بأن يأتيها فى شرجها .. بلل أسامة قضيبه وأمسك بيديه مؤخرة مها يدفع بزبه فى شرجها .. مهما كان لم تكن أبدا مها نعمان يمكن أن تتخيل أنها ستحضى بهذا الكم من العهر والشبق فى تلك الليلة المشهودة .. كان إحساسها بالعهر يعطيها متعة فائقة وفتحتيها تمتلآن بقضيبين .... بمساعدة أسامة تمكنت من العودة إلى غرفتها فى الفندق شبه غائبة عن الوعى .. وبصعوبة أيقظها أسامة فى الصباح الباكر , فهذا هو آخر يوم لها فى باريس حيث ستعود مساءا إلى مصر .. ولم يشأ أسامة أن يضيع اليوم فأراد أن يمنح مها شيئا مختلفا ومميزا آخر
- جهزى شنطتك للسفر .. عشان هاخدك دلوقتى لمكان وبعدين هانطلع منه ع المطار
بصوت واهن جدا وصداع يثقل رأسها قالت مها
- أنا حاسة إنى عاوزه أنام يومين
- عندى ليكى حاجة هاتطير النوم من عينك

ساعد أسامة مها فى تجهيز حقيبتها , ونزلا من الفندق وإنهيا إجراءات تكلفة الإقامة التى تحملها نادى الأدب الأيروسى .. قاد أسامة سيارته ومها تسأل
- هانروح على فين ؟
- مفاجأة
بعد قليل وصلا إلى شاطئ باريس الإصطناعى على نهر السين .. ظنت مها أنها ستحظى بيوم على الشاطئ قبل السفر .. لكنها وجدت زحاما شديدا كما لو أنه جمهور يحضر مباراة كرة فى الإستاد .. قرابة ثلاثة ألاف رجل وامرأة من مختلف الأعمار والأشكال والألوان وربما حتى الجنسيات .. وقف أسامة ومها وسط عدد قليل على بعد يتابعون ما يحدث .. حيث يصغى الجميع إلى رجل يتحدث عبر مكبر للصوت , وقال أسامة لمها
- دى واحدة من جماعات ال nudism حول العالم .. هو بيتكلم عن فلسفة التعرى وشعور الإنسان بتوحده مع الطبيعة
ظلت مها تتابع بعينيها , حتى رأت الحشد الكبير ينقسم لقسمين : الرجال فى جهة والنساء فى جهة أخرى .. هناك توجيهات تصدر من القائد عبر مكبر الصوت فينفذ الجميع .. رأت مها الرجال ينزعون ملابسهم فيصبحون عرايا تماما .. لايوجد أى شئ على أجسادهم مطلقا , إندهشت من بعض الرجال شبكوا آياديهم يخفون بها قضبانهم بدافع الخجل .. فسألت أسامة ما الذى يدفعهم لفعل ذلك طالما يشعرون بالخجل .. أجابها أنهم يرون الأمر برمته مغامرة ممتعة فيشتركون , ولكن يساورهم الخجل ... إصطف الجميع فى صفوف طولية منتظمة تماما على خطوط مرسومة على الأرض .. لم تفهم هى ما معنى أن يتمددوا عرايا على الشاطئ تارة على ظهورهم وتارة على جنوبهم يغمضون أعينهم تحت أشعة الشمس .. قال أسامة أن الإحساس بالتعرى وسط الآخرين على الملأ كنوع من التوحد مع الطبيعة , يمنح النفس إحساسا دافئا ممتعا ويصفو قلبه ... ضحكت مها مندهشة ... صحيح أنها ككاتبة قرأت من قبل عن تلك الجماعات لكنها لم تعنى بفلسفة الأمر على هذا النحو ... نهض الرجال يرتدون ملابسهم .. وحان الدور على النساء اللاتى أصبحن عرايا كيوم ولدتهن أمهاتهن .. سيدات وفتيات كبيرات وصغيرات .. تضحك مها واضعة كفيها على وجها وهى ترى عجوزا شمطاء فى أرذل العمر , تسير عارية بخطا متباطئة وسط مجموعة من أقرابائها ... لمعت الفكرة فى رأس مها .. نظرت إلى أسامة وركضت نحو الحشد .. نزعت فستانها وتعرت تماما ولم تكن فى حاجة لأن تنشغل بملابس داخلية لأنها لا ترتدى شئ تحته كعادتها دائما .. عارية مها وسط النساء إصطفت فى الطابور .. تنظر إلى ما قد يأخذ نظرها من تلك البدينات اللاتى ترهلت أجسادهن فى مناظر ملفتة .. ترقب عانات النساء بين مشعر وحليق .. والأثداء المتباينة بحلماتها من بين غائرة ونافرة .. شعرت بزهو بعدما قارنت بين جسدها وبين من هن أصغر منها فوجدت نفسها أجمل رغم أنها تجاوزت الخمسين .. فعلت مثلما فعلو حيث تمددت أرضا على بطنها تغمض عينيها .. إحساس جميل بالمغامرة وشعور ممتع بالتحرر , هى إعتادت على ذلك الإحساس منذ اليوم الذى قررت فيه عدم إرتداء أية ملابس داخلية تحت ملابسها .. لكن إحساسها الآن بالتحرر كان ممتعا ولذيذا لأبعد الحدود ... واتتها فرصة رأتها مها مناسبة لترقب قضبان الرجال المرتخية جميعها , حين إمتزج الرجال بالنساء عرايا فى صفوف متقاطعة .. كانت مندهشة من أن عينيها لم تقع على قضيب منتصب .. تستغرب الحدث ألا يشكل نحو ألفى إمرأة عارية تماما بكل هذه الأجساد المتنوعة أى إثارة لرجل من أولئك فينتصب قضيبه .. تابعت الشباب صغار السن علها تجد أحدهم منتصبا لكنها لم تجد .. غريب هذا الأمر بالنسبة لمها هى نفسها تشعر الآن ببعض الإثارة جراء متابعتها لأجساد الرجال العارية .. أدركت حينها أن الغريزة منشأها دوما الفكر الذى بدونه تصبح الأجساد العارية شيئا عاديا .. هى تشعر بالإثارة لأنها فكرت فى الأمر وراقبت الأجساد .. بينما الأخرون لم ينشغل بال أحدهم بالجنس فلم ينتصب قضيبه لمجرد مرآه لأجساد عارية ... رقدت مها وتمددت ووقفت وسجدت .. فعلت مها كما فعل الجميع سعيدة بمغامرة لم تكن أبدا تتخيل أن تحظى بها .


فى المطار كانت مها نعمان لا تجد من الكلمات ما يمكن أن تعبر به لأسامة على إمتنانها , فاكتفت بقبلة رقيقة على فمه ونظرات إمتنان شديد .. وافترقا على أمل اللقاء ... تسترخى مها فى كرسيها بداخل الطائرة تتمنى العودة إلى أسامة مجددا .. لكن كلما إقترب الوقت من الوصول إلى مصر , كلما تذكرت أنها ستعود إلى سابق حياتها .. فكرت فى أمجد وأمانى وسامى .. إرتسمت أمام مخيلتها صورة لوجه زوجها سامى تتغير ملامحه بدءا من يوم عرفته وحتى الآن .. إسترجعت ذاكرتها رسائل بعض قارئتها المتزوجات وأرسلن لها يشكين عذاب الضمير لأنهن إنسقن وراء علاقات آثمة خارج الزواج .. أسندت رأسها على للخلف على الكرسى وأغمضت عينيها تتأمل ما بداخلها من أحاسيس ومشاعر الآن .. لم تجد أن بداخلها إحساس بالذنب أو التأنيب , بل وجدت نفسها سعيدة مغتبطة بذلك الأسبوع المبهر من حياتها .. ولما لا ؟ .. طالما عاشت مها وشبت تستمتع بالحياة وتفعل ما تشاء دون أن تعبأ بالآخرين .. لكن كلمة الآخرين التى جالت بخاطرها جعلتها تتذكر أن متعتها لا يجب أن تنتهك حقوق الآخرين .. وتسائلت : أليس ما فعلته يعد إنتهاكا لحق سامى زوجها .. تعلمت من سامى وفلسفته أنه مهما بدا سلوك ما وضيعا صادما , إلا أن تأمل بهدوء وروية يجعل رأينا فى هذا السلوك يختلف .. هكذا أمعنت مها فى التفكير .. إن جسدها ومشاعرها وأحاسيسها ورغباتها ملكا لها وحدها .. هذا ما زرعه فيها سامى .. ولا يمكن أن يكون زواجها منه حكرا على رغباتها أبدا .. الزواج نوع من التعاقد على علاقة بين طرفين .. أخل سامى بالتعاقد أولا .. هو من تغير وبات شخص آخر غير الذى أحبته وعشقت حياتها فى كنفه .. لكن إذا كان الأمر كذلك , فكان عليها أن تنفصل عن سامى أولا وتلغى العقد بينهما ومن ثم تفعل ما تريد .. لكنها فكرت أنها لم تفعل ما فعلت بدافع تخطيط مسبق أو رغبة ملحة مكبوته .. فقط إنصاعت لظروف سارت بها تجاه رغبات ممتعة فلبت النداء .. أفاقت من شرودها على إرتطام عجلات الطائرة بأرض مطار القاهرة .

بعد الترحاب والإطمئنان على أحوال ابنها أمجد وأختها أمانى , ولم تجد جديد طرأ على حياتهما , فكثيرا ما كانت تشعر وهى فى باريس بأنها معهما من خلال محادثاتها التليفونية .. طلبت مها زوجها سامى قبل حتى أن تستبدل فستانها أو تحظى بحمام بارد , وجلسا فى غرفة النوم .. مها لم يكن أبدا أن يصبح فى حياتها معنى لكلمة سر , فلم تملك يوما فى حياتها سرا خاصا بها لم يطلع عليه سامى ويشاركها فيه .. حكت له ما مرت به خلال أسبوعها فى باريس .. وما حدث فى الملهى الليلى وعلى رصيف شاطئ باريس .. لم تكن تسهب فى وصف الفعل إنما كانت تحكى عن شعورها ورغباتها التى كانت تتقافز مع الأحداث فتنساق هى وراءها بلا أية تفكير , وختمت كلامها
- إنت إيه رأيك ؟
هكذا سألت سامى الذى كان يستمع إليها بوجه محتقن رغم تعبيرات وجهه الجامدة التى لا تتغير أبدا , ونظرات عينيه التى ترنوا ساهمة إلى الفراغ إلى جانب الشعر الأشيب على جانبى رأسه , كان يبدو كفيلسوف من عالم فريد .. الدكتور سامى رضا أستاذ الفلسفة لم يكن مجرد دارسا ومدرسا لها فحسب .. إنما كان للحق فيلسوفا حقيقيا ينظر إلى الأمور من عل .. فلم يكن بالطبع يشعر بما يمكن أن يشعر به أية رجل شرقى بموروثه المجتمعى الثقافى , بعدما تحكى له زوجته ما حكته مها .. فينهض ليقتلها أو يضربها أو على أفضل الإحتمالات يطلقها ويلقى بها فى الشارع .. كل ما فعله أن رنا إليها بنظرات ذكرتها بأيامها الجميلة معه , وسألها بهدوء
- لسه بتحبينى ؟
صمتت مها تفكر فى السؤال ثم أجابت
- أنا حبيت ووهبت حياتى لسامى اللى جه البيت عندنا يذاكر لي .. إنما سامى اللى قدامى دلوقتى ده واحد تانى
تنهد سامى وقال وهو ينظر فى عينيها بحب
- أنا بحبك يا مها ..... أكتر من زمان
قالها وهو ينهض متجها لغرفة المكتب .. بينما ذهبت مها إلى الحمام ومن ثم للنوم .


موقف غريب يفرض على البعض النظر إلى مها بإعتباره إمراة وقحة شاذة فعلت ما فعلت وجلست تخبر زوجها بمنتهى الهدوء .. بدلا من التوارى خجلا فى السر تندم على ما فعلت .. ويفرض ذلك أيضا إلى النظر إلى سامى بإعتباره رجل ديوث بلا كرامة نظرا لرد فعله العجيب تجاه زوجته .. لكن المتأمل فى كلا الشخصيتين , سيدرك أن ما حدث أمرا عاديا .. فمها نعمان بتربيتها ونشأتها تحت جناح سامى إفتقدت إلى الرادع الدينى والمجتمعى الذى يمكن أن يعوقها عن الإستجابة لما تحس وتشعر به من رغبات تبث فيها المتعة .. بل هى تدعو دائما إلى ذلك من خلال كتاباتها , وتردد : على الإنسان ألا يضع سلوكياته وتصرفاته فى حالة فصام مع ما يشعر به من رغبات وأحاسيس .. أن يفعل ما يرغب شرط ألا يعتدى على حقوق الآخرين .. هاهى فعلت ما تعتنقه وتدعو إليه .. أخبرت زوجها بما فعلته , لا لأن تعترف كزوجة خائنة وتترك لسامى الحرية فى أن يتخذ رد الفعل الذى يراه ملائما .. بل لتعرف رأيه الفلسفى فى ثمة موقف كهذا أولا .. وإرضاءا لشعور دفين بداخلها ثانيا , بأن تلقى عليه مسؤولية ما حدث وتشعره بتقصيره نحوها وتبدل شخصيته وإنعزاله عما حوله منغمسا فى فلسفته , قد أدى إلى خروجها من تحت جناحه .. لذا لم تشغل بالها إطلاقا فى إعادة صياغة الأمر برمته فرد فعل سامى جعلها تدرك أنه لا جديد .

أما سامى فقد أورثته تأملاته الفلسفية فى الأديان بالطبع إلى الإعتقاد بأنها جائت من أجل تكريس الهيمنة الذكورية على الأنثى , فدوما ما كان يكتب :-
( "" الأديان الإبراهيمية كرست الهيمنة الذكورية , فلو قلبنا كل التراث الإبراهيمى سنجد فوبيا المرأة هى الحاضرة .. منذ حواء التى خلقت من ضلع أعوج من آدم , فهى حتى لم تستحق حفنة من التراب تُخلق منها كما خُلق آدم .. أو على الأقل ضلع سليم وليس أعوج .. هى التى أغوت آدم للأكل من الشجرة وكانت سبب معاناة البشر على الأرض بعيدا عن الجنة الغناء المثمرة .. لقد حفلت النصوص الدينية بكم هائل من إزدراء المرأة وتحقيرها وإعتبارها مجرد إناءا جنسيا .. فالرجل فى الجنة من حقه أن ينكح ما يشاء من الحور العين ثيبات وأبكارا , أما المرأة زوجته فهى تتحول إلى سيدة الحور العين لتشرف عليهم من أجل زوجها .... نتيجة كبتنا الجنسى تحولت علاقة الرجل بالمرأة إلى مجموعة من المناورات الدائمة والمستمرة لإعتلاء الأنثى وتجلت عبقرية الرجل في أنه حجب وغطى جسد المرأة ليخلق فى نفسه حالة من الشبق المستمر من أجل البحث الدؤوب عن الجنس .. من هنا كان الزنا ماهو إلا تشريع رأى الرجال أن يحافظوا على أوانيهم الجنسية .. وألبسوا تشريعهم رداءا مقدسا .. فإذا كان الرجل من حقه أن ينكح ما طاب له من النساء مثني وثلاث ورباع إلى جانب الجوارى وملكات اليمين وميراث هائل من الحور العين في الجنة .. ألا يعنى ذلك أن تشريع الزنا جاء لفرض الهيمنة الذكورية على المرأة , ليس إلا ؟؟ "")

لذا إعتقد سامى رضا بالطبع أراءا متفردة فى العلاقات الجنسية بين البشر .. فهو لا يرى فيها ما يعب طالما لم تصطدم مع حقوق الآخرين من المجتمع والناس , وهذا ما يفعله الغرب المسيحى رغم أن جملة ( لا تزنى ) تكررت مرارا فى الكتاب المقدس .. لكنهم آمنوا بضرورة وحتمية تلك الغريزة التى تعد أقوى الغرائز البشرية .. فسعوا إلى تنظيم ممارساتها ولم تعد تقتصر على الزواج فحسب .. بل من إتخذوا من التدابير ما يحمى الحقوق المترتبة عليها إذا لم يكن هناك زواج .. إعتبر سامى أن الزواج هو إتفاق بين شخصين على ممارسة الحياة معا وفقا لشروط يحددونها ويرتضون بها .. فذلك الإتفاق هو الزواج حتى إذا لم يكن هناك أوراق ثبوتية لذلك .. المتزوج لا يحق له ممارسة الجنس خارج إطار الزواج , لأن فى ذلك إنتهاكا لشريكه ونقضا للإتفاق بينهما .. لكن فى حال علم أحد الطرفين وموافقته يحق للأخر أن يفعل .. حيث لن يكون هناك إنتهاكا لحق أحد .. هكذا كانت آراء سامى التى وضعته فى تلك اللحظة جالسا أمام مكتبه يفكر فيما حكته مها .. يدرك أنه المسؤول عن ذلك وعليه أحد أمرين .. إما الإنفصال وإما الموافقة ضمنيا , ولاح لها أمر ثالث هو أن يعود إلى سابق عهده يوم إقترن بمها .. لكنه آمن أنه يسير فى طريق منعزل بعيد عما حوله .. صامت على الدوام يفكر ويتأمل ... يقرأ ويكتب .. هذا هو عالمه الآن الذى دخله منذ سنوات .. لا سبيل للعودة فعلى ما يبدو أن هذا الطريق ذو إتجاه واحد فقط .. نفض الأفكار عن رأسه وأذعن إلى المضى فى حياته كما تسير .

بدأ كتابة مقالة جديدة بعنوان ( الله جعلناه لصا )

("" حسبما جاء فى النص التوراتى " وأعطى نعمة لهذا الشعب في عيون المصريين . فيكون حينما تمضون أنكم لا تمضون فارغين . بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن نزيلة بيتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثياباً وتضعونها على بنيكم وبناتكم فتسلبون المصريين " سفـر الخـروج
" وفعل بنو إسرائيل بحسب قول موسى . طلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثياباً . وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم . فسلبوا المصريين " سفـر الخـروج
إندهشت من هذا السرد .. فالله هنا يشجع اليهود على سرقة المصريين وبخسة وندالة عند خروجهم من مصر !! .. حسب القصة فالمصريون تم خداعهم والخدعة لم تأتى من اليهود بل من المخطط والمدبر الأكبر .!!

والإسلام جاء هو أيضا كمشروع سياسى توسعى ومارس الغزوات ونهب القبائل المجاورة قبل أن ينطلق خارج الحدود ليمارس دوره التوسعى تحت يافطة الجهاد فى سبيل الله ونشرالإيمان .. وكأن الإيمان لا ينتشر إلا بالسيف .. ولتندهش أيضا من علاقة الغنائم والسلب بالدخول فى الإسلام .
الإسلام يسمى سرقة ونهب الشعوب الأخرى بالغنائم " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم "
ولا تصل الأمور إلى حد تحليل الغنائم والنهب بل يتم إرسال تشريع من السماء لينظمه بعد حدوث حالات فوضى عند تقسيم الغنائم عقب غزوة بدر فنجد أن المقاتلين إنقسموا على أنفسهم لتوزيع الغنائم , ليتحرك الله سريعا أمام هذه المشكلة فى توزيع النهب .. فينزل آياته البينات التى تعالج هذا الخلاف العويص : " يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين "
ثم أوضح القرآن أسلوب تنفيذ هذا التشريع : " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير"
هل لنا أن نتصور إلها لصا بهذه الصورة وهذا المنظر الفج , أم الأمور لها معنى آخر .. بالفعل الأمور لا تكون بهذه السذاجة والسخافة فلا توجد آلهة لتشرع بتحريم السرقة وتحليلها , بل إزدواجية الإنسان الذى يحلل ويشرع ويرسم آلهته ويضع فيها مصالحه وأطماعه ويعرف كيف يسوقها .. تظهر بشرية الفكرة والرؤية وتتأكد من خلال تحليل سرقة ونهب الآخر فتسقط القيمة والمعنى فى لحظة واحدة .
لقد روجوا بتعسف شديد بأن الأديان هى التى قدمت الأخلاق للإنسانية .. بينما الأخلاق هى حاجة الإنسان إلى نظام ينظم علاقته مع الآخرين ليسودها السلام ويحكمها تطور المجتمع الموضوعى .. الأديان قدمت لنا بالفعل أخلاقيات ولكنها أخلاق و سلوكيات مزدوجة ومهترئة .. فهى لم تقدم السلوك كمنهج عام للحياة لكل البشر بل هى طرحت الأخلاق والسلوك لأفراد المجموعة المؤمنة فقط .. وتحررت من هذه السلوكيات فى تعاملها مع الآخر لتمارس نقيضها وبداوتها .. ولما لا ؟ طالما جائت النصوص المقدسة ..
{ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم }
{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء .. بعضهم أولياء بعض }
{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء }
{ ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون }

ما كل هذا الكم من البغض والكره تجاه الآخر , حتى لو كانو آبائنا أو إخواننا أو أبنائنا ؟ .. الآخر كافر مصيره إلى النار , فلتسحله أرضا وتطأه بقدميك وتقتله .. بعدها إلى جنة الخلد أما هو إلى النار وبئس المصير .. لماذا لا تسع النصوص الدينية لقبول الآخر وفكره .. لإنها نصوص بشرية جائت تكرس مصالح وأطماع توسعية , فلا مجال هنا للآخر نهائيا .. وسط عنصرية كلاسها كل فصيل لنفسه , فاليهود يرون أنفسهم شعب الله المختار .. والمسيحيون يرون أنفسهم أبناء الله البررة المفدين بدمه .. والمسلمون يرون أنفسهم خير أمة أخرجت للناس .. ماذا يكون ذلك سوى عنصرية فجة ضد الآخر .

الميثولوجيا الدينية بقصصها وأساطيرها وخرافاتها حافلة بآلاف الصور لم نستدعى منها إلا القليل , ويمكنكم أن تستدعوا الكثير والتى تبين سذاجة كاتبها ومسطرها.. هى صور تنال من فكرة الإله أكثر مما تدعمها .. فهذا الإله يخلق كونا بمساحة ألف مليون و211 مليون و 40 ألف ترليون ميل , ثم ينتقى مجرة واحدة من مجراته , ومن ثم مجموعة شمسية من مجموعاته , ومن ثم كوكبا واحدا من كواكبه ليخلق عليها الحياة ويسخر كل شئ عليها للإنسان فصارت الكواكب والنجوم زينة السماء الدنيا .. كيف لنا أن نفسر هذا العبث الفكرى والتى تصيب فكرة الله نفسها بالسطحية والتفاهة عندما تجعله يهتم بتوافه الأمور وسط كون هائل وشديد الإتساع والتعقيد ولا تكون الأرض بكل ما عليها أكثر من حبة رمل فى الصحراء الكبرى .
كيف نفسر قبولنا ورسمنا لهذه الصورة العبثية والشديدة السذاجة .. وما الذى جعلنا نعتقد بأن قصصنا الساذجة والعبيطة تحظى بإهتمام إله وأنه راصد ومهتم ومعتنى ومحب ومنتقم من كل واحد منا .. عندما خلق الإنسان آلهته أسقط غروره فيها , فجعلها تهتم به وتعتنى به وتقوم على خدمته وإحتياجاته .. بل جعلها تخلق الوجود من أجله فصور له غروره مع عقله الجاهل أن النجوم الهائلة ما هى إلا مصابيح ولمبات للزينة والإنارة .
هو تصور أنه محور الكون فنسج قصصه وأساطيره ووظف فكرة الإله فى كل ثناياها لخدمة الأنا .. فلم يرهقه خياله ولا غروره فى أن يجعل الإله خالق الشمس والنجوم والأنهار والزرع والحيوان من أجله .. وبالطبع أوكل له ترتيب حياته ورزقه وأمنه وسلامه وحتى تعثره فى حجر .
لقد إستغل وإستثمر فكرة الإله أفضل إستغلال ليرضى حاجاته النفسية ..ويمكن القول أننا خلقنا الآلهة وأسقطنا عليها رغباتنا بالإهتمام وأننا ذو قيمة فى عالم قاسى يصفعنا على وجهوهنا ليقول لنا أننا بلا قيمة ولا معنى ولا غاية .. نحن خلقنا الإله الذى يدس أنفه فى كل صغيرة وكبيرة ليعطينا الشعور بأننا ذو أهمية وأننا محور الوجود وفى قلب الحدث .

لم تمنع فكرة الإله بهذا المغزى أن يستثمرها الأذكياء والطامحين فى تمرير مصالحهم ومطامعهم ونزواتهم من تحت عباءتها فيصورا ان الله إصطفاهم وكلمهم ويطلب منهم أشياء ويهبهم أشياء وليعطوا إيحاء للبسطاء بأنهم المصطفون والمتحدثون الرسميون بإسمه كأنبياء ومرسلين .. فلا مانع أن يزعموا بأن الله أراد لهم هذه الأرض ويبارك زواجهم ويلعن أعدائهم من فرعون وأبو لهب فالأمور غير مكلفة .

الإنسان تعامل مع الفكرة ليكون ذو أهمية فى هذا الوجود العابث ووسط طبيعة غير مهتمة به ولا مكترثة بوجوده فخلق الإله الذى يمنحه الثقة ويؤكد غروره ولتصبح الحياة ذات معنى وجدوى فهناك من يهتم ويهب ويمنح بل وينتقم من أعدائى ..فلأجعله فى ميدان القتال ليحقق أطماعى فى النهب والسيادة ولامانع أن أجعله يرسل ملائكة من ريش من مملكته البعيدة ليعضد من موقفى ويشحذ نفوس المقاتلين ..ولا مانع أيضا أن أجعله الراعى الرسمى لعواطفى ونزواتى ."")

هنا توقف سامى عن الكتابة , وأشعل سيجارة وأسند مرفقه الأيمن على كرسى المكتب وأحنى عليها رأسه .. هذا الذى كتبه يحتاج إلى نظرة أخرى ممعنة .. هكذا حالته فى الآونة الأخيرة , يفكر ويكتب ثم يعاود تأمل ما إعتنقه .. الإنسان كائن إمتلك الوعى ..الوعى الذى جعله خارج الطبيعة راصدا لها بالرغم أنه جزء منها .. هذه ليست علاقة كمية بل إرتباط كيفى .. ليس الأمر تافها إلى النحو الذى يجعلنا نندهش من الإله العظيم المنشغل بتوافه الأمور .. الإنسان حمل بداخله نفخة روحانية من الله .. أعطته هذه الروح , القيمة التى تستحق إهتمام الخالق به .. نهض سامى من أمام مكتبه متجها إلى نافذ الغرفة وفتحها يستنشق بعض الهواء النقى وينظر إلى السماء الصافية بنجومها المتلألئة يفكر ... الروح ... ما هى الروح ؟ .. هل يوجد شئ اسمه الروح .. جال بخاطره مقولة الفيلسوف الإنجليزي فرانسس بيكون منذ أكثر من ثلاثة قرون .. إن قليل من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد .. أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين .. طالما إلتمس سامى حقيقة تلك المقولة فعلا خلال تأملاته الفلسفية .. لكنه أضاف عليها : أن قليل من العلم يقود إلى الإلحاد .. أما التعمق فى العلم فيقود إلى الإيمان .. ولما لا ؟ إذا كان إينشتاين عندما سألوه عن وضع الله فى نظريته بشأن ماهية الكون والوجود , أجاب أن ذلك الإله لا وجود له فى نظريته النسبية .. هو كان يتحدث عن ذلك الإله الذى رسمته النصوص الدينية .. لكنه تحدث فى نظريته عن إله ... إله من نوع آخر .. أوزع إينشتاين فى نظريته أن الأجرام السماوية تخضع لقوى مهيمنة تراقب حركاتها حول بعضها , إذ أنه لو تحرك جرم من مداره قيد أنمله لأختلت قوى الجذب والطرد , وأنهار الكون والوجود برمته وتلاشى .. إن هذه القوة تصلح لأن تكون إلها فقط .. ولا تصلح لأن تكون مادة , فهى لا تخضع لأية من قوانين المادة .. هكذا كان سامى يفكر وهو يتأمل النجوم فى السماء , أن التعمق فى فهم العلم يقودك إلى عاقل دبر وفكر وصنع هندسة فريدة للكون والوجود .. لا يزال سامى يرى أن إلصاق ماهية الوجود بالطبيعة العبثية العشوائية أمر يستعصى على الفهم القويم .. إذ ماذا يكون ذلك سوى تأليها للطبيعة , دار بخلده تجربة أحد أكبر علماء علم الإحتمالات حيث تناول حمضا أمينيا من تلك الأحماض التى تشكل بروتين المادة الحية , ويتكون الحمض من خمسة عناصر هى الكربون والهيدروجين والأكسيجين والنيتروجين والكبريت , من بين مائة واثنين عنصر موجودة فى الطبيعة .. وبقانون الإحتمالات .. أصبح إحتمال أن يتكون ذلك الحمض الأمينى يبلغ واحد إلى رقم عشرة مضروبا فى نفسه 160 مرة .. هل يعقل أن تقود المصادفة والعشوائية إلى نجاح إحتمالية بهذه الضآلة المتناهية مع حمض أمينى وليس مركب كيميائى عضوى ؟ .... أجاب سامى فى نفسه ... هراء .. لا يمكن للصدفة والعبثية أن تنسج كونا محكم بهذه الدقة .

قانون السببية لا يزال يتواصل حتى نصل إلى ذرتي الكربون والهيدروجين والتى نشأ من التواليف المعقدة بينهما كل هذا الكون والحياة .. من وراء ذلك ؟ .. من ؟

عاد سامى يجلس قبالة مكتبه وفتح أجندته الخاصة يكتب
( "" أينما اتجهت بعقلى في دنيا العلوم ، رأيت الأدلة على التصميم والإبداع ، على القانون والنظام ، على وجود عاقل يتحكم فى المادة .. سر في طريق مشمس وتأمل بدائع تركيب الأزهار، وإستمع إلى تغريد الطيور، وانظر إلى عجائب الأعشاش ، فهل كان محض مصادفة أن تنتج الازهار ذلك الرحيق الحلو الذي يجتذب الحشرات فتلقح الازهار وتؤدي إلى زيادة المحصول .. ليس من المنطق أن نعتقد بأن الطبيعة هي التي رتبت ونظمت هذه الأشياء .. من علم طائر بالتيمور ذلك الفن الرفيع؟ .. أن يبنى عشه بهندسة وفن غاية الجمال , ولماذا تتشابه جميع الأعشاش التي تبنيها الطيور من هذا النوع ؟ وفى هذا التوقيت.. إذا قلنا الغريزة البيولوجية وأن التجربة العلمية أثبتت أن هرمون الإستروجين هو المسؤول حيث ينشط بأشعة الشمس الدافئة فى الربيع .. بدليل أن الطيور التى تم حقنها بالإستروجين قامت ببناء العش قبل أوانه .. هكذا يقود قليل من العلم إلى رفض الإله .. لكن لنتأمل ونتعمق فى العلم .. ألا يدل ذلك عن أن الطائر لا يدرك ما يفعله ولا يعرف السبب .. إنه كآلة مكونة من خلايا حية يسير على نظام موضوع له .. فمن الذى وضع ذلك النظام ؟؟ .. إنه هناك .. يتوارى خلف الأحجبة .. هو أراد ذلك .. ليمنحنا حرية الإختيار .. القدرة على إستكشاف وجوده والوصول إليه .. لو وضع الله من الأدلة الباتة ما يدل على وجوده , لما إمتلك الإنسان حرية الإختيار سيكون مدفوعا إلى الإيمان بفعل أدلة راسخة لا تقبل الشك .. لكن حرية الإنسان فى إختيارة بنيت على أن يتوارى الله خلف الأحجبة .. إنه الروح التى تتوارى خلف المادة .. إنه المؤلف الذى يصوغ قصصه لتتأملها الألباب .. كتلك القصة التى تبدأ حين تكون نبات اليوكا أحد النباتات الزنبقية , وتكونت زهرته تتدلى للأسفل على شكل كأس فى وضع يستحيل معه أن تسقط فيها حبوب اللقاح المنتقلة بالرياح أو الحشرات , مما يعنى أن هذا النبات مآله إلى الفناء والإنقراض .. هكذا إذن هى الطبيعة العشوائية العبثية أخطأت فى خلق وتكوين نبات اليوكا فأودت به إلى الهلاك المنتظر المحتوم .. بكى نبات اليوكا متحسرا على حاله البائس الفانى لامحالة .. ينظر إلى النباتات من حوله فيرى شماتة عباد الشمس , وشفقة البنفسج وتعاطف الفل والياسمين .. ينتظر النهاية بدموع الوداع .. ولكن فجأة بعد مغيب الشمس بقليل تظهر فراشة رقيقة بألون زاهية تطير بجناحيها , وكأنها خلقت لأداء مهمة محددة , حيث تملك فما تكون بطريقة خاصة لتتمكن الفراشة من جمع حبوب اللقاح وتخزينها فيه .. وبعدها تقف على زهرة اليوكا المتدلية وتقوم بوضع حبوب اللقاح على ميسم الزهرة بلصقه لصقا على شكل كرة , بمادة لاصقة تمنع حبوب اللقاح من السقوط بفعل الجاذبية نظرا لوضع الزهرة المقلوب .. عندئذ يتلقح نبات اليوكا وينتج بذوره ويستمر فى الحياة .. ياالله .. هى دهشة تفرض نفسها .. فإذا كانت الطبيعة هى التى تسببت فى تشوه نبات اليوكا وعجزه عن المضى فى الحياة وحده .. إذا فمن الذى ساق له هذه الفراشة وصمم تكوينها من أجله وجعل لها فما مهيئا لجمع حبوب لقاحه .. من الذى أودع فيها المادة اللاصقة حتى تلصق حبوب اللقاح بالميسم فلا تسقط أرضا ؟ .. لا يمكن أن يكون سوى عاقل خطط ودبر .. ثم أن القصة لم تنتهى على هذا النحو .. ثمه تساؤل : ما ذنب الفراشة لكى تهب حياتها من أجل نبات اليوكا , وكيف تواصل هى حياتها .. إنظر إلى ما حدث .. إن نبات اليوكا حمل فى طياته إمتنانا عميقا لفراشة اليوكا التى أنقذت حياته , فقد أبى على نفسه إلا أن يرد الجميل فمنح الفراشة مبيضه .. حيث تقوم الفراشة بثقب المبيض بواسطة أداة خاصة فى مؤخرتها تنتهى بطرف مدبب يشبه الأبرة , وينساب منه بيض الفراشة إلى داخل مبيض الزهرة , حتى إذا فقس البيض وخرجت اليرقات , منحها نبات اليوكا بذوره لتتغذى عليها فتكبر وتواصل الحياة .. يا الله .. ما أروع هذه القصة .. إنها لم تكن من نسج خيال مؤلف حالم , ولا من عالم الفانتازيا .. بل هى حقيقة من ضمن حقائق مبهرة فى عالم النبات .. فنبات اليوكا لا يمكن أن يحيا بدون فراشة اليوكا التى إرتبط مصيرها هى الأخرى به فلا يمكن أن تعيش بدون نبات اليوكا .. خلقت هى وتكونت من أجله هو فقط .. ورد لها هو الجميل بمنحها مبيضه .. هذا العلاقة التكافلية لا يمكن أن تكون نشأت عبثا وعشوائيا .. إنها نظام .. وبما أن المادة لا تهدف لشى , في حين أن النظام يهدف لشئ .. يستوجب ذلك حتما وجود عاقل وراء هذا النظام .. أليس مدهشا أن يتصف نبات اليوكا بصفة الإمتنان فيرد الجميل لفراشة اليوكا , على عكس ما يحدث فى الزهرة المسماة ( جاك فى المقصورة ) والتى تقوم الزهور الذكرية منها بإطلاق رائحة عطرة تجذب الحشرات , وتظل تترقب حتى إذا دخلتها الحشرة , أفرزت مادة لزجة على جدرانها الداخلية تجعل الحشرة المسكينة تنزلق كلما حاولت الخروج من الزهرة .. عندها يجن جنون الحشرة متشبثة بأمل واهى فى النجاة , فتدور حول نفسها بسرعة جنونية داخل الزهرة مما يؤدى إلى إلتصاق حبوب اللقاح بها لدرجة أن جسم الحشرة كلها يتغطى بحبو اللقاح .. وحانت اللحظة الأخيرة حيث تسلم الحشرة البائسة أمرها وقد يأست تماما من أية أمل فى النجاة .. فجأة تتوقف الزهرة عن إفراز مادتها اللاصقة وتجف جدرانها , فتتمكن الحشرة من الخروج والنجاة والعودة للحياة .. لكنها تنجذب إلى رحيق زهرة مؤنثة فتدخلها وتسقط حبوب اللقاح من على الحشرة إلى داخل الزهرة فتتلقح وتنتج البذور .. لكن زهرة جاك فى المقصورة , زهرة أنانية شريرة سادية إذ أنها تغلق نفسها على الحشرة الضعيفة وتسحقها سحقا وتقتلها بداخلها .. القصة هنا ليست رومانسية حالمة كما فى نبات اليوكا وفراشته .. فهنا جانى ومجنى عليه .. ما ذنب الحشرة المسكينة لأن تدفع حياتها ثمنا لزهرة جاك .. وما الذى كان يضير الزهرة إذا لم تقتل الحشرة وتتركها تواصل حياتها .. أين العدل هنا ؟ .. نتأمل ونفكر فإذا بنا نجد أن تلك الحشرة تغذت من قبل على حشرة أخرى .. إذا هى حشرة قاتلة .. قتلت أولا فاستحقت الموت قصاصا عقابا لها .. على عكس فراشة اليوكا التى لم تقتل أحد فاستحقت الحياة .. هنا العدل والنظام .. لو أن تلك الحشرة لم تمت بداخل زهرة ( جاك فى المقصورة ) لكثرت أعدادها وتضاعفت , وبما أنها حشرة قاتلة تتغذى على الحشرات الأضعف منها , لإنقرضت الحشرات الأخرى وبقيت هى .. وإذا إنقرضت الحشرات الأخرى لماتت النباتات التى تعتمد عليها ... يا الله .. لا يمكن أن يكون ذلك سوى أن هناك عاقل قدير صاغ بقلمه هذه القصص المبهرة .. إنه هناك ... موجود يتوارى خلف الأحجبة . "")

كان سامى بعدما كتب تأملاته الأخيرة , يشعر بدفء يغزو صدره , وسكينة تكتنف عقله .. كان يتمنى لو يجد مؤمنا يجيب على تساؤلاته دون أن يقدس النص , ولا يفر هاربا يردد ( وأعرض عن الجاهلين ) .. هكذا استشعر سامى أن الإلحاد أقوى من الإيمان .. ولما لا ؟ .. إذا كان الإلحاد يتحدث بنظريات علمية وعن مادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم وعن علوم يتم قياسها وتحديدها .. أما الإيمان فهو يتحدث عن أمور غيبية عن عالم آخر بعد الموت لا دليل على وجوده .. يترسخ لديه أن الأمر برمته لا يعدو كونه دائرة مغلقة .. تبدأ بتأمل النص الدينى فتجد أوهام وخرافات وقصص ساذجة لترفضها على الفور , وبالتبعية ترفض الإله .. لكن ستصدم بعدها بماهية الخلق والوجود , وأن الطبيعة لا يمكن أن تكون هى من نسجت هذا النظام الذى تدفعك تأملاتك فيه إلى الإيمان بوجود عاقل يتحكم فيه .. دائرة مغلقة لا تنتهى .. يضل سامى فيها يدور ويدور .. خلق جدلية مع نفسه يبث فيها ما يعتمل بعقله .. أذعن ذات مرة بالإيمان بالله بعد تأملاته فى الوجود , فوجب عليه التعرف على الله ولم يكن هناك بالطبع سوى الأديان , فقفزت تساؤلاته مجددا .. يتسائل : لماذا سيحاسبني الله إذا كان يعلم بمصيرى قبل أن أوجد فى الحياة , وكتب إن كنت شقيا أم سعيدا وأنا فى بطن أمى ؟ .. هل يحاسبنى إذا من باب اللهو والتسلية بأمور معادة .. أم أن الأقرب للعقل والمنطق أننا خلقنا الله ومنحناه صفة المعرفة المطلقة , فوقعنا فى العبث والعبثية .
لماذا خلقنى الله ؟ .. لكى أعبده .. إذن هو فى حاجة لعبادتى فلماذا ؟ .. لا هو عزيز مقتدر لا يحتاج إلى طاعتى وعبادتى له .. إذن بماذا تفيده أعمالى الصالحة , وبماذا تضره أعمالى السيئة .. هل لأنه يستنصر بها فى معركته مع الشيطان أم أن الأقرب للعقل والمنطق .. أننا خلقنا الله ونحن كبشر لا نفهم أن يكون هناك أى فعل فى الحياة بلا غاية .. والإيمان واللإيمان هو فعل فلابد أن يكون له غاية وهدف .. ولكن الإشكالية أننا لابد أن نعتبر الله ليس له غاية وبلا مصلحة لأن بإعتباره صاحب مصلحة وغاية سنطعن بذلك فى ألوهيته و كماله .. لماذا أعذب عذابا لا نهائيا على أفعال محدودة زمنيا ؟ .. أليس الأوقع أننا أنانيون ومغرورون .. فتحنا باب الخلود ولم نستطع إغلاقه .. فجعلنا منه عالم من اللذة اللانهائية لنا .. وصنعنا الجحيم لغير المؤمن والكافر والآخر والمنحرف فنتلذذ وهم يعذبون أمامنا إلى مالانهاية .. لماذا هناك شعب الله المختار وأبناء الله المبررون بدمه وخير أمة أخرجت للناس .. هل لأن الله يحب ويكره وكل زمن وله محبين ؟ .. أم أن الأمر لا يعدو كونه أن كل دين وظف الله كما يريد فأرادوا أن يكونوا هم المميزون والجالسون على الحجر الإلهى وباقى البشر فى المزبلة .. لماذا هناك عدد معين من الركعات والسجدات والتمتمات فى الصلوات والطقوس ولا يجوز زيادتها أو نقصانها ؟!.. هل لأن هذا العدد يتفائل به الله .. أم أن ألف باء ترويض الإنسان على الإيمان ..أن يمارس فعل مادى دون أن يفكر أو يتسائل أو يعرف .. فينسحق وينبطح ليكون من السهولة أن تمرر كل حمولات الخرافة .

هكذا تحول الدفء إلى برد .. والسكينة إلى قلق وخوف , ليتبدل حال سامى جراء تساؤلاته .. صداع رهيب يفتك برأسه .. قذف أجندته وكافة الأوراق أمامه على المكتب وأطاح بها فى أركان الغرفة بغضب عارم .. أين الحقيقة ؟ .. لماذا يستمر الجدال ؟ .. لماذا أراد هو ذلك ؟ .. إن كان ليمنحنا حرية الإختيار , فها هو عاجز عن الإختيار .. دمعت عيناه وألقى بجسده على كرسى المكتب مجددا .. أسند رأسه على مرفقيه .. يحاول أن يلملم شتات نفسه .. المعضلة كلها تكمن فى النصوص الدينية مما يجعل الإيمان ينبنى على أحد أمرين .. إما أن تسلم عقلك وتؤمن دون أن تفكر , وتسير على درب الطاعة العمياء أملا فى الخلود فى جنة النعيم ونيل سعادة الدنيا والآخرة .. وإما أن تؤمن بالله ولكن تعيد صياغة النصوص الدينية فتقبل ما يراه عقلك سليما وترفض ما تراه خرافة .. هدأ سامى قليلا مع بزوغ نور النهار يتسلل إلى الغرفة .. نظر فى ساعته فوجد موعد ذهابه للجامعة قد حان .. تهيأ ونزل يستقل سيارته إلى الجامعة .. حالة سامى من سهر الليالى , جعلته أثناء إنحرافه بالسيارة خارجا إلى الكورنيش , لا ينتبه إلى السيارة اللادا الرمادية التى كانت تتجه لدخول المنطقة من على طريق الكورنيش .. وعلى الرغم من الصدام كان بسيطا لم تسفر عنه أضرار بالغة بكلا السيارتين , إلا أن عربى نزل من سيارته وصوته يهدر
- إنت حمار يا جدع إنت .. مش شايف يا أعمى ؟
لم يكن أبدا سامى من النوعية التى يمكن أن ترد على ما سمعه .. فنزل بهدوء من سيارته عازما على إنهاء الأمر بتحمله أية أضرار لحقت بالسيارة الأخرى .. إقترب منه عربى متحفزا إستعدادا للمعركة , لكن هدوء ملامح سامى وعدم إنفعاله جعله يقف صامتا منتظرا رد فعله .. وسرعان ما تشكلت الصورة لكلاهما .. فسنوات المدرسة الإبتدائية التى جمعتهما فى فصل واحد كانت كافية لأن تختزن الذاكرة وجهيهما رغم الشيب الذى غزا رأسيهما عبر السنون
- إزيك يا سامى
قالها عربى وكأنه إلتقى صديقا مقربا , ويتفحص بنظراته سامى ببدلته الأنيقة وهيئته المهيبة
- إنت عربى ؟
تصافحا وبادر سامى
- أنا آسف .. ماكنتش واخد بالى .. ومستعد أتحمل أى تكاليف
- عيب يا راجل .. ده احنا كنا زمايل فصل واحد .. جت بسيطة
ود عربى سؤال سامى عن أحواله , لكن هيئته التى يراها عربى تنم عن أنه ذو شأن , وكذلك سامى كان يعرف عربى البلطجى , فسمعته بالمنطقة فاقت الآفاق .. لذا إتجه كل منهما إلى سيارته بعد تحية سريعة .. ولكن سامى توقف فجأة إثر نداءا من عربى الذى إقترب منه , ومد يده إليه بورقة فئة جنيه وقال
- دا كنت خدته منك سلف من أكتر من ثلاثين سنة
ابتسم سامى وهو يتناول الجنيه , فهو يتذكر تلك الليلة .. ومضى فى طريقه شاردا فى عربى .. لقد كانا زميلين فى فصل واحد منذ أكثر من أربعين عاما .. وصار هو أستاذا جامعيا بينما أصبح عربى بلطجى .. يرى سامى أن ما يتردد عن عربى عطا فى المنطقة أصبح موروثا شديد البلاغة يتناقله الناس .. ذلك لا ينفى سطوة عربى بالطبع , لكنه ليس على النحو الذى يروجه الناس .. من هنا خطر لسامى أن عربى دين .. شخص يسرق ويمارس العنف ضد الآخر .. ولأن ذلك أمر يخيف الناس ويرهبهم أولا .. ولأن الخيال البشرى يعشق نسج القصص ثانيا .. تم تحميل الحدث فوق طاقته ليتحول إلى أسطورة شديدة المبالغة .. فعربى لا يخشى أحد أبدا مهما كان .. يسرق ويقتل ويحرق ومدعما من الأمن .. الإقتراب منه يعنى خطر محدق .. يذعنون له خائفين مرتعدين .. نفس المنطق هو الذى قدس النص الدينى وقام بتحميله أكثر مما يحتمل .. ونفس المنطق هو الذى حول القصص الدينية إلى أساطير عظمى .. ولكن ثمة مصالح على الجانب الآخر , فمصلحة الأمن جائت فى تعظيم الأسطورة وتمريرها للناس من أجل خدمة مصالحها .. تماما كما فعل الأنبياء والكهنة حين استغلوا جهل الناس بتعظيم الأسطورة الدينية وتمريرها إلى عقول الناس لخدمة مصالحهم .. ثم أين دور الإيمان فى ذلك .. هل عربى مؤمن بالله أم ملحد ؟ .. إذن الإيمان ليس له علاقة بالقيم الأخلاقية .. هذا ما كان سامى يكرس له بعض مقالاته الأخيرة .. أن تؤمن بأن هناك إلها خالقا لهذا الكون وأنه مدبر لكل شئ , ليس بالضرورة أن يشكل ذلك رادعا لمن يسرق ويقتل ويؤذى الآخرين .. لكن ما هو التفسير الذى يشرح التباين بين سامى وعربى .. العلوم المختلفة تقول أن سلوك الإنسان نابعا من جيناته المتوارثة التى تحدد سلوكه الذى يتبان ويختلف وفقا لبيئته التى شكلت وعيه وثقافته .. إذن معنى ذلك أن عربى صار على ذلك النحو لأنه سجين بيئته , فعلام يعذبه الله إذا كان ما فعله عربى نتاج ظروف قدر الإله أن يضعه فيها .. كان يمكن للإله أن يضع سامى مكان عربى والعكس .. أن ينال عربى التعليم الذى يجعله يقفز بوعيه على بيئته ومحيطه فيصبح إنسان آخر .. أين التقصير وعلام تقع المسؤولية .. وإذا سلمنا جدلا أن عربى حر تماما ويملك مطلق الإختيار , وهو الذى إختار حياته على هذا النحو .. فكيف تشكلت أدلته الثبوتيه على أن حياته هكذا هى الأفضل والأنسب .. إنه لم يكن له الخيرة فى أمره .. دفعته ظروف نشأته وغياب العلم والمعرفة عن عقله لأن يصبح على هذه الشاكلة .. أين هنا حرية الإختيار .. هى مجموعة من الظروف والصدف العبثية ساقت عربى إلى هكذا حياة .. بحسب النصوص الدينية يكون عربى فى الآخرة من أهل النار , رغم أنه يؤمن بالله خالق هذا الكون .. لأنه يرتكب من المعاصى ما يستحق عليه الشوى فى جهنم .. وحتى إذا أذعنا للإعتقاد الذى يقول أنه سيعذب فى نار بقدر معاصيه وبعدها يدخل الجنة .. أى أن عربى سيٌأخذ من حسناته ويُوضع على حسنات من سرقهم ونهبهم , ويعذب فى النار وبعدها يدخل الجنة لأنه مؤمن بالله , رغم أن إيمانه موروثا لا أكثر .. لم يؤمن بتأمل وفكر وقناعة .. قارن سامى ذلك بتطبيق المنطق الفلسفى على نفسه .. بحسب النصوص الدينية فهو سيخلد فى نار جهنم إلى مالا نهاية لأنه لم يؤمن بالله .. لكنه لم يرتكب من الآثام والمعاصى ما أقترفه عربى .. فكيف يكون العدل هنا .. هل الإعتقاد المجرد يشكل هذا الفرق المهول ؟ .. فحتى لو كان عربى سيخلد فى النار ولن يشم ريح الجنة أبدا رغم إيمانه نظرا لبشاعة أعماله .. عندما يلتقى سامى وعربى فى النار .. أيستوى ذلك بذاك .. ليس ذلك عدلا .. صاغ سامى ذلك فى مقالة كتبها فى مكتبه بالكلية بعدما إنتهى من محاضراته .. ووجد دعوة من أحد أصدقائه من الصحفيين .. دعوة لحضور إحتفال صحيفة آريف تلك الصحيفة الأرمينية بعيد صدورها .

ضع عنوان إيميلك ليصلك الجديد :


5 التعليقات:

غير معرف يقول...

العصرالايروسي هو عصر التحرر والانطلاق نحو افاق الابداع دون عقد او كوابت التي سببت للانسانية احقر الصفات: الكراهية والحسد والاغتصاب القسري والقتل..الخ

غير معرف يقول...

كس خواتكم

غير معرف يقول...

you faking sick

غير معرف يقول...

انا بصراحه انا معجب بقصتك من الناحيه الايروسيه الجنسيه فهى مثيره جدا لكن انت شاغل بالك بمواضيع فلسفيه ملحده هتتسبب فى جنانك وهتخليك تبطل كتابه واحنا منتظرين منك المزيد من الادب الايروسى فقط وعلى فكره المشهد بتاع مها وسامى بعد ما سافرت ورجعت من السفر مستنبط من فيلم امور

غير معرف يقول...

Shay2 nod7ek

إرسال تعليق