رواية جدال بقلم محمود مودى الفصل 18

-18-

إستيقظ المصريون صبيحة أحد الأيام على فضيحة مدوية , بطلها القس عادل برسوم وإمرأة أرمينية تدعى سارا .. وقد ملأت الصور المشينة صفحات تلك الجريدة التى أشتهرت بنشر فضائح المشاهير , وأطلق المعنيون عليها أنها تجسد الصحافة الصفراء .. أثار ذلك غضب المسيحيين بالطبع , ومعه إستياء المسلمين المثقفين .. ولم تفلح مصادرة عدد الجريدة فى منع تدارك الحدث الذى إنتشر كالنار في الهشيم .. أما على مستوى العامة فقد تداول المسلمون الجريدة وتم إضافة الرتوش اللازمة على القصة ويتردد
- بص القسيس ابن الوسخة بيعمل إيه .. بيقولك إن المية اللى بيستحمي فيها القسيس بيشربوها عشان ياخدوا البركة .. واللى عايزة تحبل بتروح للقسيس ينيكها


خرج الأقباط الغاضبون يتجمهرون متظاهرين حول الكنائس يطالبون بالقصاص .. والتف الحبل حول رقبة رئيس تحرير الجريدة , وتمت محاكمته وسجنه , ليهدأ الأقباط .. وقد أوضحت الكنيسة أن عادل ترك الكنيسة ولم يعد قسيسا , وأن ما فعله يعبر عن نفسه هو لا رجال الدين المسيحي .

بعدما هدأت الزوبعة , ورغم إعترافات عادل وسارا بعلاقتهما الجنسية .. إلا أن الأهداف المرجوة من تفجير الفضيحة قد تمت , ولم يعد مجرد علاقة جنسية بين عادل وسارا تكفي لمحاكمتهما , فتم نسج القصة على أنهما كانا ينويان الزواج , ليتم حفظ التحقيق ويكفيهما ما نالاه من فضيحة .

حياة عادل برسوم الجديدة تحطمت تماما , فإذا كان بإمكانه الإنتقال إلى مكان آخر هربا من الفضيحة ومردودها الذى يراه على وجوه معارفه وجيرانه , فمن أين يهرب من نظرات زوجته وأبناءه .. أغلق على نفسه باب غرفته .. وأخرج الناي الخشبي القديم .. يدخن بشراهة ويعزف على الناي ألحانا شجية حزينة وكأنه إنفصل عن العالم وذهب إلى عالم آخر .


حينما تصاب بجرح أثناء الإنهماك فى العمل , فإنك لا تشعر بألمه من جراء سخونة دمك وإنهماكك .. فقط تعكف على مداواته , ولكن بعد مضي بعض الوقت ستشعر حينها بالألم .. هذا ما حدث لسارا حيث بدأت تشعر بمدى وطأة الفضيحة التى دفعتها إلى البقاء وحيدة فى شقتها تتجنب رؤية أصدقائها وأقاربها .. كثيرا ما كانت تبكي وهى تفكر : هل هذا هو العقاب الإلهي على ما فعلته ؟ .. ولماذا جاءها العقاب فى الوقت الذى توقفت وأحست بحاجتها للإيمان ؟ .. أدركت أنها تتطهر , فما العقاب إلا تطهيرا لها , وإتجاهها للإيمان هو ما منع العقاب أن يكون على قدر بشاعة أفعالها .. هكذا ساقها عقلها لتهدأ .. أدركت أنها الآن فى حاجة لبدء حياة جديدة .. ربما ما حدث هو بداية بدء تلك الحياة .. فكرت كثيرا ماذا عليها فعله ؟ .. عاودت الإتصال بزوجها السابق الذى هاجر إلى أرمينيا .. لدهشتها أن تجده بعد كل هذه السنوات لازال يحبها وينتظر عودتها إلى أحضانه .. إتخذت قرارها بالهجرة إلى أرمينيا .. وما أن رأته فى استقبالها بالمطار حتى إرتمت فى حضنه .. الآن تشعر بدفء الإيمان .

*******************

إعتاد سامي منذ تلك الليلة التى كان بصحبة سارا فى دار الأوبرا , أن يستمع إلى السيمفونيات الحديثة أثناء الكتابة .. كم كانت تلهمه الموسيقى حين تشعره بروحه .. بات فى الآونة الأخير أقل شراسة فى نقض الأديان , وأصبحت مقالاته تحمل أبعادا فلسفية تحتمل الكثير من المعاني .. كان دائما يترك الباب مواربا .. كعادته يجلس وحيدا فى غرفة المكتب التى ظلت على العهد منذ عمرا كاملا , حيث أرفف المكتبة الضخمة المنصوبة على ثلاثة حوائط , ولون خشبها البنى اللامع يبدو وكأنه مطليا بالأمس .. كل ما تركته السنوات على المكتبة أنها صارت مكتظة عن آخرها بالكتب , لاتظهر فرجة تتسع لكتاب جديد .. وعلى نفس المكتب الخاص بالأستاذ صالح نعمان , كان سامي يواصل تأملاته ويكتب وصوت الموسيقى يملأ الغرفة :-

("" فى داخل كل منا صندوقه الأسود الذى يحتوى على مجموعة كبيرة من الأحاسيس والصور ..الكثيرون منا لا يعرفون محتواه .. لو أدركنا مافى داخل صناديقنا السوداء سنعرف لماذا نعتتقد ونتعصب .. سنعرف لماذا نحب ونكره .. سندرك لماذا نتشبث بالإيمان .
لا توجد فكرة فى الوجود إلا وتكون تجميع لمجموعة هائلة من الصور المادية .. كينونة الفكرة هى قدرتنا على ترتيب الصور ولصقها مع بعضها حسب قدرتنا وحالتنا النفسية والمزاجية وما أدركناه من منطق وخيال , فعروس البحر هى فكرة جاءت من تجميع صورة جذع وذيل سمكة مع رأس وصدر فتاة .. وبالرغم أننا أبدعناها إلا أن البعض منا قد أعتقد بوجودها !!.. هكذا الإنسان تميز عن باقى المخلوقات بإمتلاك الخيال الذى يجعله يصيغ من أية معطيات واقعية , قصصا وأساطير يعتقد بها .. لكن لنتريث قليلا ونحن نحاول فهم ماهية الخيال .. تلك القدرة المدهشة التى إمتلكها الإنسان .. هل هى نبع تفاعلات كيميائية فى الجهاز العصبي , أم أن الموضوع أبعد من ذلك بكثير .. إذا جلس شخص ما وسط غرفة مظلمة وأغمض عينيه وأمعن فى الخيال ليرى نفسه فى حديقة غناء يتنسم رحيق الورود والأزهار , ويتقافز بين الحشائش والأشجار .. لماذا يشعر هذا الشخص وقتها بالسعادة , ولماذا يشعر بالحزن والضيق والخوف إذا أمعن خياله فى إجترار ذكريات قديمة محزنة .. هنا تعجز قوانين المادة عن تفسير ماهية ذلك , فيبقى ما تسمى بالروح ذلك الكيان الغير مادي تطل برأسها .. يساعد على ذلك قصور علم النفس عن تفسير ماهية النفس البشرية بسلوكياتها وتناقضاتها وغرائزها ورغباتها .. فمهما تطورت علوم النفس إلا أنها تقف عاجزة عن تفسير نماذج من البشر مثل النمساوي حوزيف فريدل .. ذلك الرجل الذى دفع الحكومة النمساوية للإعتذار للعالم بأجمعه , من جراء بشاعة قصته .. يعمل مهندسا للكهرباء ويحيا حياة عادية أسرية هادئة مع زوجته وأبناءه , وإذا به يحتجز ابنته التى تبلغ من العمر ثمانية عشر عاما بداخل قبو أعده خصيصا لذلك على مدار سنوات .. ويضاجعها ويضربها إذا حاولت الهرب لتسلم الفتاة أمرها وتظل بداخل القبو لربع قرن من الزمان .. خمسة وعشرون عام لم تري النهار , وأنجبت من أبيها سبعة أطفال .. ورغم بشاعة ما فعله جوزيف إلا أنه حمل بعض الشفقة على الأطفال , فكان يضعهن أمام بيت منزله مع رسالة بخط ابنته تطلب رعاية الطفل .. ويظهر النقيض حين يقوم بحرق أحد الأطفال توفى بعد ولادته بثلاثة أيام فى مقلب للقمامة .. عاشر ابنته جنسيا ما يقرب من 3000 مرة على مدار ربع قرن , وأنجب منها سبعة أبناء .. قصة كهذه تحمل في طياتها إعترافا ضمنيا بعجز علوم النفس عن التفسير .. كيف تتناقض النفس البشرية إلى هذه الدرجة .. يعيش حياة فوق الأرض مع أسرته كرجل أسري عادى .. وحياة أخرى تحت الأرض مع ابنته السجينة وأبناءها منه بصفة لا تمت لعالم البشر .. ثمة فطرة وروح تتحكم فى أنفسنا , وتعجز عن معرفة ماهيتها علومنا .. وغذاء تلك الروح هو ما يقود سلوكياتنا .. ولكن ما هوغذاء الروح ؟ .. قد يكون الإيمان ............... "")

توقف سامي عن متابعة الكتابة , وانقطعت خواطره إثر رنين الموبايل , ليجد مها تتصل من فرنسا للإطمئنان على أحوالهم .


شخصية مها نعمان التى نسجتها ظروف نشأتها , لم يكن من الممكن أن تسمح لها بالشعور بالهزيمة .. فبعد مصادرة روايتها وإتهامها بالعهر والفجور والمجون , حتى أن الأمر طال تهديد حياتها .. كانت تتسائل : علام كل ذلك ؟ .. إنها عبرت عن حياتها وشخصيتها كما عاشت وشعرت وأحست .. لماذا كل ذلك الهجوم عليها لمجرد أن ما فى عقلها لا يروق للغير .. مقتها في البداية تحول فى فرنسا إلى تحدي .. ستتحدى الجهل والتخلف والرجعية , لن تستسلم مكتوفة الإرادة .. إنطلقت فى رأسها فكرة أوحى لها بها أسامة .. ستنشئ مجلة أيروتيكية تعنى بالجسد والجنس وآدابه لأول مرة باللغة العربية , وستدعو من ناصرها من زملائها من الكتاب والصحفيين للكتابة فيها .. ظلت الفكرة تتبلور حتى تحولت إلى واقع .. ترأست مها نعمان رئاسة تحرير مجلة إليكترونية مدفوعة الأجر على شبكة الإنترنت اسمها ( شبق ) ..صدر العدد الأول متاحا بالمجان , وكان يحوي مجموعة من القصص الإيروتيكية المترجمة لأشهر كتاب الإيروتيكا العالميين إلى جانب كتاب وصحفيين عرب , بعضهم بأسماء مستعارة والآخر بأسماءه الحقيقية .. قصص وتقارير ودراسات وأخبار كلها تعني بالجنس والجسد عربيا وعالميا .. وفى طليعة العدد أعدت مها تقريرا ضخما عن هدف المجلة , وأسهبت فى كتابة تاريخ الأدب الإيروتيكي عبر العصور , وأبدع أسامة فى تزيين المجلة بأروع صوره التى تتسق مع القصص والمضمون .. عدد القراء فاق ما توقعته مها , مما ضاعف من سعادتها وفرحتها , وكان من الطبيعي مع العدد الثاني أن يضمحل عدد القراء , حيث كان يتعين الدفع ببطاقات الإئتمان لتحميل المجلة .. فتوصلت مها إلى فكرة جيدة مع ظهور العدد الثالث حيث جعلت مقتطفات من المحتوى متاحا بالمجان .. لم تكن مها نعمان تهدف إلى الربح .. فقط هى تريد تغطية تكلفة المجلة لا أكثر .. ما كان يهمها هو أن يقرأ المجلة أكبر عدد ممكن .. كانت تشعر أنه سيأتى اليوم الذى تتحول فيه المجلة إلى نسخ ورقية مطبوعة ومتاحة للجميع .. سعادة مها بالمجلة الإليكترونية تزداد ونجاحها الباهر المتزايد أدى إلى أن يرسل إليها عدد من الكتاب والصحفيين أعمالا كتابية بين شعر ونثر بدون مقابل , فقط إعجابا منهم بالمجلة والرغبة فى الإسهام فى نجاحها .. لكن شاب ذلك شعور مها بالحنين لسامي وأمجد وأماني , فقد مضى أكثر من ثلاثة شهور وهى بعيدة عن مصر .. ها هى الأوضاع هدأت تماما , ولم يعد هناك داعي لبقائها فى فرنسا فقررت العودة .. ودعها أسامة بعدما تأكد لهما أن كل منهما بات ملاذا للآخر , فتواعدا على تبادل اللقاءات بقدوم أسامة لمصر أو سفر مها لباريس .. عادت مها إلى حياتها تواصل كتاباتها , وتستقبل رسائل قراءها وترد عليها .. ولدهشتها وجدت قراءها يتزايدون وقد بدا لها جيلا جديدا متفتح العقول .

حرصت مها على التقرب من ابنها أمجد , ووجدت أن الوقت قد حان ليتزوج أمجد ويستقل بحياته .. عرضت عليه الأمر , فوجدته غير مباليا .. إلا أن أمجد وجد أنه فى حاجة لبدء حياة جديدة .. فكرة إستقلاله عن أبويه وتأسيس أسرة جديدة , جعلته يشعر أن هذا ما يحتاجه بالضبط .. رشحت مها ابنة أحد معارفها , وحسب الموعد كان أمجد بصحبة أبويه وخالته فى زيارة أهل العروس .. إنجذب إليها من أول وهلة , ولما رأت أماني ذلك كابدت دموعها فى عينيها .. تمت الخطبة فى حفل عائلي صغير , وبدأ أمجد يتغير ويشعر أن حياته بات لها معنى وهدف .

*****************

أدرك سيد مصطفى أنه كشجرة لا يمكن لها أن تحيا بلا جذور .. قرر أن يبيع ما تبقى معه من ترامادول , ومن ثم إنشاء مشروع صغير بما ادخره من مال .. لن يفقد دفء الحياة التى يشعر بها بين أبويه .. سيظل دائما بالجوار .. لم يكن هناك أنسب من مباراة الأهلى والزمالك فى كأس مصر ليتخلص سيد مما تبقى معه من شرائط الترامادول وبعدها يبدأ حياته الجديدة .. إعتياد سيد الدائم هو ورفاقه على بيع الترامادول بداخل المدرجات , إلى جانب السعى الشديد لبيع كل الكمية المتبقية , جعلتهم لا يراعون السرية بالشكل الذى فضح أمرهم , بالأخص التشديد الأمني المتزايد بعد أحداث الشغب الأخيرة .. وكان سيد بين براثن عساكر الأمن فى مقدمتهم رائد ينهال عليه لطما , وتم إقتياده إلى القسم بما معه من ترامادول .

جائت نتيجة المباراة صادمة للجمهور الأبيض الذى كانت تحدوه الآمال بالفوز , بعد آخر لقاء جمع بين الفريقين .. وخاب ظنهم فى فريقهم مما أورثهم غضبا عارما ضد اللاعبين والمسؤولين .. ودفعهم الحصار الأمني إلى الإبتعاد بمجرد خروجهم من الإستاد .. كان أمجد مهموما حزينا بسبب خسارة الزمالك , يسير بخطا متثاقلة ويشعر بإحتكاك الشمروخ على جلده تحت ملابسه , والذى اشتراه قبل المباراة ليشعله إحتفاءا بالنصر الذى لم يتحقق .. خطر بباله أن يشعله أثناء خروجه من الإستاد وسط أقرانه من المشجعين .. فتلقفه منه أحدهم وألقى به على مجموعة من مشجعي الأهلى .. اللذين أسرعوا بالرد الفورى .. ولما لاحقهم الأمن إبتعدوا .. أراد عدد من مشجعي الأبيض الإنتقام من حرق أتوبيس لهم بعد المباراة السابقة , فانهالوا يقذفون أتوبيسا يقل مجموعة من مشجعي الأحمر .. وجد أمجد نفسه لا يعبأ سوى بأن يبتعد وهو يتلقى إتصالا من خطيبته لتواسيه بعد الخسارة .. إنشغل أمجد بالحديث معها فى الموبايل يطربه صوتها الأنثوى المثير .. فى الوقت الذى صعد سائق الأتوبيس ليفر من مشجعي الأبيض قبل أن يتحطم الأتوبيس .. أدار المحرك فى لمح البصر , وضغط دواسة الوقود ليرجع الأتوبيس إلى الخلف بقوة حتى يمكنه الإستدارة والمغادرة .. لم ينظر سائق الأتوبيس فى المرآة من فرط تعجله , فدهس أمجد لحظة عبوره خلف الأتوبيس منشغلا بالحديث فى الموبايل , ليلقى أمجد حتفه تحت عجلته .


***************


واصلت دميانة حياتها بداخل الدير .. إنغمست فى نسج المنسوجات والرسم على الزجاج بدأب ونشاط .. تحرص على صلواتها وتعبدها تتقرب إلى الله دون أن تعبأ بالآخرين .. دوما تجلس إلى الأنبا كيرلس تتعلم منه وتستلهم الطريق .. إرتضت بحياتها وقنعت أن تحمل الصليب وتتبع المسيح .. تتلو المزامير وتصلى من أجل خلاص الخاطئين .. لكن مارتيريا كانت دوما عائقا فى طريق دميانة .. لا تفتأ تتحرش بها وتردد عليها هرطقتها بشان الزواج , وأنها يمكنها أن تساعدها لتتزوج راهبا , فما يكون إلا أن تنظر إليها دميانة شذرا وتبتعد كأنها تعدو من أمام شيطان رجيم .. كانت مارتيريا تشعر بالنقص كلما رأت دميانة حيث يتولد بداخلها إحساسا بالمهانة .. عجبت من صمود دميانة وودت لو جرفتها إلى عالمها لتتساوى الرؤوس .. طهارة دميانة وعفتها كانت تجعل مارتيريا تشعر بالنجاسة والدنس , فسابرت مارتيريا لتصل إلى هدفها , وبدأت تشعر أنها ستصل لمأربها حين وجدت دميانة أصبحت تنصت لأحاديثها من جديد , فعمدت إلى إلهاب غريزتها بأن تحكى لها تفاصيل علاقتها السحاقية بإحدى الراهبات , حيث لم يعد زوجها بيشوى قادرا على تلبية إحتياجاتها .. رأت مارتيريا الشهوة تطل من عيني دميانة خلف نظارتها الصغيرة وهما يتمشيان فى حوش الدير الواسع بملابس الراهبات .. أدركت مارتيريا أنها تقترب من الهدف المنشود .. لم يكن ما جعل دميانة تستسيغ أحاديث مارتيريا سوى أن غريزتها الجنسية المكبوتة طوال هذه الفترة الطويلة , بدأت تنغزها وتلح عليها .

* * *

فى الليلة التى تسبق ليلة عيد الميلاد .. كانت دميانة تتمدد على ظهرها عارية فوق الفراش , ومارتيريا تتحسس جسدها برفق وحنان .. تشعر دميانة بالمتعة المشوبة بالإحساس بالذنب وإقتراف الإثم .. تتهادى يدا مارتيريا على جسدها فتمنحها دغدغة لذيذة ممتعة .. كانت دميانة ترى صورا هلامية غير واضحة المعالم , فتارة ترى مارتيريا عارية وتارة تراها بملابس الراهبات .. تحس بأزرع مارتيريا عديدة كما لو كانت أخطبوط , لا يخلو موضع من جسدها من يد مارتيريا تتلمسه وتمسح عليه .. رأت وجهها تتبدل ملامحه وهى تقترب برأسها من وجهها تقبل فمها , وتلحس بلسانها شفتيها .. أحست دميانة بجسدها ينبض بالإثم والمعصية .. حاولت المقاومة كغريق يتعلق بقطعة من الخشب , لكنها كانت تشعر وكأن قوى خفية تحكم القبض على جسدها وتمنعه من الحراك .. تركت نفسها وشهقت وهى تشعر بأصابع مارتيريا تخترق كسها .. وثدييها ينسحقان تحت ثديي مارتيريا .. سوائلها تنهمر من مهبلها فتشعر بإحتكاك شفراتها لزجا يمنحها نشوة .. يخفق قلبها وتتعالى أنفاسها وهى تشعر بحلمتيها فى فم مارتيريا الرطب الدافئ .. تراءى لها الصليب معلق على الحائط والمسيح مطأطئ الرأس مصلوبا عليه .. إمتزجت المتعة والنشوة بالحزن والحسرة والإحساس بالذنب .. تريد أن تبكى فلا تقدر .. تشعر أن الدموع نضبت .. يبدأ جسدها فى الإرتعاش وسرعان ما ينتفض ويداهمها تقلصات عنيفة أسفل بطنها , لتقبض فخذيها بعنف على كسها وتستيقظ من النوم تلهث بشدة .. أول ما فعلته دميانة بعدما أدركت أنها كانت تحلم , هو حمد الرب على أن ما حدث لم يكن حقيقة .. أسرعت تغتسل وهى تشعر بأن جسدها خفيفا متحررا .. أمعنت فى تنظيف جسدها وكأنها تمحو من عليه الدنس .. عادت إلى غرفتها تركع أمام الصليب تشبك كفيها أمام وجهها تصلى وتستغفر .. أمضت نهارها تتعبد حتى حان موعد حضور القداس فنزلت إلى الكنيسة بصحبة الأخوات .


******************


تنهار أسطورة عربي عطا وتتداعى كما جبل الجليد طلعت عليه الشمس وغزا الدفء ما حوله .. امتنع الكثيرون عن دفع الإتاوة ورأى عربي على وجوههم زوال خوفهم منه ومن سطوته على الرغم من حمله بندقية آلية جلبها بمساعدة أمين شرطة متقاعد .. يشهر بندقيته متباهيا بين دروب وحواري المنطقة .. لكن الناس لم تعد تخشاه .. وتجلى ذلك حين ذهب عربي لأحد أصحاب المحلات يطلب الشهرية فصاح الرجل
- وهو فى حد عاد بيقف يحرس المحلات .. هادفع فلوس على إيه يا عم عربي
النبرة المحتدة المتمردة التى خاطب بها الرجل عربي , كانت كفيلة ألا يطلع النهار على المحل إلا وقد تم كسر بابه وتهشيم زجاجه وبضاعته .. وكان هذا ما قضى على عربي تماما .. إذ أدرك مراد الدوغري أنه قد آن الآوان لتفريغ تلك البالونة .. تم القبض على عربي وبداخل القسم نال عربي من الضرب والإهانة فى هذه السن ما لم يناله صغيرا .. ذاق الويل على مدار ثلاثة أيام حتى كادت تزهق روحه , وساقوه إلى مكتب رئيس المباحث يترنح , ليقف أمام مراد بك والكدمات تغطى وجهه والزرقان يحيط بعينيه , وجسده محطم لا يقدر على الوقوف , لم يرى عربي من إنغلاق عينيه بفعل الكدمات وجه مراد .. فقط سمع صوته الأجش قادما يتردد فى أذنيه
- عملة زي دى توديك السجن .. أنا هاخلص الموضوع واخلي صاحب المحل يتنازل بعد ما تدفع ثمن اللى كسرته .. وحسك عينك تعمل عملة زي دي تاني
صمت يسحب نفسا عميقا قبل أن يتابع بعلو صوته
- وإلا .. إنت عارف هايحصلك إيه
قالها وأشار للرجال اللذين سحبوا عربي وألقوه بعيدا عن القسم .. علم الجميع بما حدث لعربي , وتأكدوا أنه لم يعد مسنودا من الأمن لتنتهى أسطورة عربي عطا الذى لم يعد قادرا على السير وسط الناس ورؤية الشماتة فى نظراتهم .. فقبع وحيدا منعزلا عدا صديقيه ماهر وبربري .. تفجرت كراهيته للجميع فى أن يضاعف ما يتناوله من مخدرات .. حين يجلس وحيدا وهو مسطول بفعل الحشيش والحبوب والبيرة , يتراءى له أنه يفعص هؤلاء المتمردين بقدميه ويسحقهم سحقا .. وإمتدت كراهيته لتطول نفسه هو .. عاش عمره منبوذا يحتقره الناس , لكنهم يقفون له تعظيما خشية سطوته , وإتقاءا لشره .. أما الآن فهم يحتقرونه علنا بل يبصقون خلف ظهره إذا مر أمامهم .. من السبب ؟ .. هكذا يسأل عقل عربي المغيب .. لو لم يقتل أولاد أبو هاني دعاء ؟ وتغطيه الفضيحة التى جرَّأت الناس عليه .. هو أبو هاني من دمر حياته فى صغره بالإبلاغ عنه وتسبب فى إيداعه الأحداث .. والآن أبناءه قضوا عليه .. سيعرف كيف يؤدبهم .. سيعرف الجميع من هو عربي عطا .. هكذا كان يصور له عقله المغيب .. ظل فى متاهة من السطل والتوهان يبعث به عقله لتلمع الفكرة فى رأسه .. لم يصرح بها لصديقيه اللذين استشعروا أنه يخطط لأمر ما حين يسمعانه يقول بصوت ثقيل ومتلعثم بكلمات متقطعة من فرط توهانه
- هانت كلها كام يوم ويشوفوا عربي هايعمل إيه
كان ماهر وبربري يوعزان كلمات عربي إلى هلوسة , بعدما إنكب ينهل من الحشيش والحبوب والمخدرات , وبات شبه مغيبا عن الدنيا .. حتى ظهر عربي بسيارته اللادا الرمادية ومعه بندقيته الآلية فى ليلة عيد الميلاد .. ووقف أمام المقهي ينادي ماهر وبربري وإنطلق بهم يجوب شوارع وطرقات المنطقة بلا هدى ولا وعي .. عقله المغيب كان يرسم له زهو الإنتقام الوهمي دون أن يعبأ باية عواقب أو يتوقف أمام أية رادع .

* * *

بداخل الكنيسة كان صوت الصاجات والطاسات يعلو أثناء تلاوة المزامير والتراتيل فى قداس الإحتفال بعيد الميلاد .. وتكسو الإبتسامة وجوه الجميع .. يحتشد الأساقفة والبطاركة فى ملابسهم الكهنوتية البيضاء التى يزينها صور المسيح والعذراء , وقد بدت الكنيسة فى أبهى صورها .. وقف أبو هانى مرتديا بدلة سوداء أنيقة بلا رابطة عنق على القميص الأبيض وسط المعارف يتبادولون التهاني ومن حوله ابنيه هاني وعاطف حيث صدر الحكم بالغرامة عليهما فى قضية القتل الخطأ .. وعلى الجهة الأخرى إلتفت الأخوات الراهبات يحتفلن بالعيد , ومن بينهما مارتيريا ودميانة التى كانت متأنقة بملابسها الراهبانية , ونظارتها الصغيرة تعطيها إلى جانب منابت شعرها الاسود الفاحم من تحت غطاء الرأس منظرا جذابا .. إنتهى القداس قرابة العاشرة مساءا وخرج الجميع فرحين متهللين بالعيد .


فى الوقت الذى كان عربي يقترب بسيارته ويتوقف يراقب الخارجين من الكنيسة , حتى رأى أبو هاني وأولاده , فنزل من سيارته يترجل مترنحا مشهرا بندقيته الآلية وأطلق النار عشوائيا على جميع الخارجين أمام باب الكنيسة .. ليسقط أبو هانى وابنيه ومارتيريا ودميانة إلى جانب أربعة عشر آخرين فى مذبحة جماعية جعلت عربي يضحك وهو ينظر إلى الأجساد المدماه الممددة على الأرض , ويحاول من بقيت فيهم الحياة الزحف بعيدا .. بينما يهرع الجميع يصرخ ويعدو مبتعدا .. تابع إطلاق بعض الأعيرة النارية فى الهواء .. وركب سيارته يجوب منطقة أبو سيفين وحوش الغجر.. يطلق أعيرته فى الهواء .. يغتاله الزهو بخلو الطرقات من الناس اللذين أسرعوا بإغلاق محلاتهم والإختباء فى منازلهم .. هاهم الآن منكمشين فى جحورهم يرتعدون .. كان عربي سعيدا بما يراه وهو يسمع صافرة عربات الشرطة تدنو منه .

إستفاقت دميانة من هول الصدمة لتدرك إصابتها بجرح صغير فى زراعها الأيسر , ورأت مارتيريا جاحظة العينين غارقة فى دمائها ولم يعد صدرها يعلو ويهبط .. وقفت تبتعد متجهة إلى الدير .. تبكى وتتمتم
- يا رب .. يا رب
تزدرد ريقها وتنطق بصوت هامس
- يا الله

******************


كان وقع الصدمة مهولا على ثلاثتهم .. مها تعيش ثانية ً صدمة فقدانها المأساوي لأبويها , وهذه المرة بقدان ابنها الوحيد أمجد .. وأماني إنتابتها فى الأيام التي تلت ذلك رغبة بالتخلص من حياتها .. أما سامي فعلى الرغم من أنه كان يبدو أكثرهم تحملا وجلدا , إلا أنه فى حقيقة الأمر كان أشدهم إنهيارا .. تتصارع أحاسيسه بفقدان ابنه الوحيد مع فلسفته فى ماهية الوجود .. الأمر رشق عقله وحياته فى مقتل .. أمعقول أن تكون هذه هي النهاية .. ألا يكون أمجد الآن فى حياة أخرى بعد الموت .. ما هذا العبث ؟ .. لماذا انتقته الصدفة التى شكلت الكون والوجود , لتحرمه هو بالذات من ابنه الوحيد ؟ .. فى هذه الليلة كان سامي يجلس فى البلكونة مطرق الرأس .. منذ عدة أيام يوم مات أمجد لم يكتب كلمة واحدة .. ماذا يكتب ؟ ولماذا يكتب ؟ .. إذا كانت الغاية من الحياة هى لاشئ .. وأنها حياة واحدة على الإنسان أن يستمتع بها ؟ .. فأين هذه المتعة , لم يجد سوى حيرة وشك وقلق ؟ .. تسائل : هل لو كان مؤمنا , لتحمَّل فقدان ابنه الوحيد بصبر وجلد , معزيا نفسه عن العوض فى العالم الآخر بعد الموت ؟ .. تنازعت مشاعره وظنونه وهواجسه وأحاسيسه .. إذا كان الله موجود , إذن هو من أخذ ابنه .. هل يعاقبه على رفضه لدينه ؟ .. إنتابه شعورا بالتحدي , لكنه سرعان ما أذعن وهو يرنو إلى السماء , والبرد يكتنف جسده رغم الروب الصوف الثقيل الذى يلتحف به .. يداهمه ذات الصداع اللعين , فنهض من على الكرسي يمسك بيده السور الحديدي الصغير .. أحكم القبض عليه وهو يشعر بدوار , وضباب وغيوم تتكاثف أمام عينيه .. تشبث بيديه أكثر فى السور وكأنه يتشبث بمعرفة الحقيقة .. رفع رأسه يسحب نفسا عميقا , وأجهش بالبكاء .. لأول مرة فى حياته يبكي سامي .. يبكي بحرقة .. الدوار يتزايد والنور ينمحى من عينيه .. لم يعد يرى شيئا .. ظلام دامس حالك السواد حط به فجأة .. صداع رهيب لا يُحتمل .. ظن أنه يحلم , لكنه يحس ببرودة السور الحديدي فى يديه .. أدرك أنه ذاهب .. خفق قلبه يضرب ضلوعه بعنف .. خنجر حاد يمزق صدره .. أتكون هذه هى سكرات الموت .. هكذا ظن سامي بعدما فقد بصره , ورفع يديه يمسك برأسه التى على وشك الإنفجار .. ترنح خطوتين للوراء قبل أن يسقط أرضا فاقدا للوعي .


****************


ترك عربي سيارته فى أحد الشوارع وترجل سائرا على قدميه .. وصل إلى المقابر بجوار القلعة .. تبقى شيئا أخيرا عليه إنجازه قبل النهاية .. ترك رنين الموبايل الذى لم يتوقف منذ الصباح الذى تلا ليلة المذبحة .. حتى رأى مراد الدوغري يتصل .. حتى فى هذه اللحظة يظل مراد الدوغري هو الوحيد الذى على عربي أن يجيب فورا .. إشترط حضور مراد بنفسه ليسلم نفسه للشرطة , وإلا سيطلق النار على كل من يقترب منه .. لم يكن هناك بدا سوى أن يتصدر مراد الدوغري طليعة قوة كبيرة من الشرطة للقبض على عربي .. واتجهوا حيث أخبرهم هو .. يدرك مراد جيدا أن ما حدث سيحيل كل جهات الأمن بالمنطقة من شرطة ومباحث إلى النقل والتقاعد .. لكنه كان متشبثا بأمل واهى , ألا وهو أنه ليس مسؤولا بصفته رئيسا للمباحث عن حماية الكنائس .. ما سيطوله هو إذا ما اعترف عربي على علاقته به .. الآن قوته تخور وسيطرته تتهاوى .. غالبية رجال المباحث على علاقات بمن هم على شاكلة عربي لإمدادهم بالمعلومات .. لن تتسبب أية أقوال لعربي فى النيل من منصبه .. عند الظهيرة كان مراد الدوغري يقف وجها لوجه أمام عربي يقول
- إنت كنت شارب ومش فى وعيك .. ودى حاجة هاتكون فى صالحك فى القضية .. تعالى معايا
نظر عربي مليا فى وجه مراد الدوغري .. وكست وجهه إبتسامة ساخرة قبل أن يصوب بندقيته الآلية ويفرغ ما بها من طلقات فى جسد مراد الدوغرى , ويلقى بها أرضا ويرفع يديه عاليا .


******************

بداخل الرعاية المركزة كان جسد سامي ممددا , ومن حوله الأجهزة تأز بأصوات خافتة .. حالة نزيف فى المخ نتيجة إرتفاع شديد فى ضغط الدم .. المشكلة كما ظهرت فى الأشعة المقطعية التى تم عملها فور وصوله المستشفى .. أظهرت أن مكان النزيف فى موضعا عميقا بداخل المخ , بشكل يستحيل معه التدخل الجراحى .. بل حتى أصبح من العسير تحريكه من مكانة بعد مضي ثلاثة أيام للتعرف على حالة النزيف من خلال أشعة الرنين المغناطيسي .. فطالما لايزال فى هذه الغيبوبة , فلابد من إبقاءه هكذا .. مجرد شهيق وزفير عبر جهاز التنفس الصناعي , ونبضات قلبية بطيئة ترسم مثلثات متباعدة عبر جهاز رسم القلب .. لقد كان سامي فى ( كوما ) من درجة متقدمة للغاية .. لا توجد أية إستجابة عصبية نهائيا .. هو ذاهب حتما خلال أيام , ويمكنهم مساعدته فى رحلته بنزع جهاز التنفس الصناعي .. سامي مات إكلينيكيا .. لكن الحقيقة أنه لم يمت , فبمجرد سقوطه فاقد الوعي .. استيقظ على أشعة الشمس الحارقة يتصبب عرقا , ليجد نفسه فى صحراء لا أول لها ولا آخر .. قام ينظر حوله وبدأ السير وقدميه الحافية تنغرز فى الرمال فيشعر بلسعات تحرقه .. جف ريقه تماما ولم تعد قدماه قادرة على حمله من كثرة السير .. أخيرا تراءى له شبح إنسان يقترب نحوه من بعيد .. حث خطاه نحوه .. ظن أنه سراب , لكنه بدأ يراه بوضوح كلما اقترب منه .. أخيرا وقف سامي أمامه وجها لوجه جاحظ العينين يلهث .. لا يصدق ما يراه .. يرى نفسه وكأنه ينظر فى المرآة .. لا , ليست مرآة .. هذا الواقف أمامه يبتسم إبتسامة ساخرة ولا تبدو على وجهه أية قطرة عرق فى هذا الحر القائظ .. يرتدى ثوبا عجيبا شفافا بلا لون .. لكن ما من شئ يظهر من خلفه
- من أنت ؟
هكذا سأل سامي , ليبتسم الرجل بسخرية أكثر ويجيب
- ألا تعرفنى ؟ .. أنا أنت .. تذكر قليلا .. ستتذكرني
أمعن سامي النظر إلى وجه الرجل الذى يعد نسخة منه , فلم يتذكر شيئا , فأشاح الرجل بيده يقول
- كنت أعرف أنك ستنساني .. فلماذا سُمى الإنسان إنسان ؟
قالها الرجل ورفع رأسه إلى السماء وتابع
- لأنه يجسد النسيان
قالها الرجل وشبك يديه خلف ظهره , سائرا فى طريقه .. لم يفهم سامي شيئا وسار يتبعه ليجد الرمال تحولت إلى أرض جافة صلبة , تتحرك قدماه فوقها بخفة وسرعة ليلحق بالرجل ويسير إلى جواره ويعاود السؤال
- من أنت ؟
- أنا روحك التى نسيتها بعدما حللت جسدك فى الدنيا .. ألا تذكر حين كنت تحوم حول عرش الرحمن .. أنسيت يوم وقفت وسط الأنفس تشهد على نفسك بأن ربك هو الله
قالها الرجل وأختفى تماما .. أسرع سامي يدور حوله يبحث عن الرجل , فإذا به يراه هناك يمشى على قمة جبل وقرص الشمس إختفى ثلثه وراء الجبل .. أسرع سامي لاهثا حتى وصل إلى الجبل وبدأ يتسلقه ووصل حيث الرجل مع مغيب الشمس .. سار إلى جواره وقال
- أمضيت حياتي أبحث عن الله
- وماذا وجدت ؟
داهم السؤال سامي , ففكر قليلا وأجاب
- كنت أراه كلما تأملت الكون والحياة ومخلوقاته وأجده متواريا هناك .. لكني حين ذهبت للتعرف عليه عبر الأديان لم أجده موجودا
ضحك الرجل عاليا فجأة , وقد بدأ يهبط من على الجبل رويدا متجها حيث واديا أخضر يلوح فى الأفق , وسامي إلى جواره منتظر كلماته .. توقف الرجل عن المسير فجأة ونظر لسامي يقول
- أنا الآن سأرسلك رسولا إلى مجموعة من البشر يعيشون قبل خمسة آلاف سنة , والرسالة التى ستحملها إليهم هى أن تخبرهم بكل شئ عن العالم الذى عشت فيه .. عليك أن تخبرهم أنهم يعيشون على كوكب لا يمثل بالنسبة للكون إلا حبة رمل فى صحراء شاسعة .. وتخبرهم عن المجرات والشموس والكواكب والأقمار .. وتشرح لهم كيف يكلم إنسان فى شرق الأرض إنسانا آخر فى مغرب الأرض ويراه دون أن يلتقيا .. إشرح لهم الموجات الميكرونية , ووسائل النقل والمواصلات والإتصالات التى شهدتها فى عصرك أنت
صمت الرجل يرنو ممتعضا للفراغ , قبل أن يتابع
- ستذهب أنت هكذا وحيدا .. فما الذى يمكنك فعله
تنهد سامي دون أن يجد إجابة .. القمر يرسل ثنايا ضوءه تنير المكان , وعاد الرجل يواصل سيره وإلى جواره سامي ينصت بكل حواسه
- سيتعين عليك أن تجد من واقع وزمان هؤلاء البشر ما يمكن أن تقرب الصورة إلى عقولهم .. ومن يؤمن لك حتما لم يرى ما قلته , لكنه صدقك .. وسيكفر بك من أراد ألا يؤمن قبل أن يرى بعينيه
وجد سامي نفسه وسط زروع وأشجار ونخيل وأعناب , وضوء القمر أقوى من الظلام .. الإضاءة الفضية الخافتة تنبعث وتنعكس متلألئة على الورود والأزهار .. توقف الرجل عن السير , وربت بيده على كف سامي يقول
- هكذا العالم الآخر .. إنه كيان لن تدري كنهه طالما لازلت فى لبستك الدنيوية .. وهكذا كانت الأديان .. إنها صور جائت مستقاه من زمن وواقع ومكان الرسل والأنبياء .. مجرد رموز لتقريب الصورة , لكنها ليست حقيقة الأمر .. البشر هم من أضافوا وحذفوا تبعا لأهوائهم ورغباتهم .. إنظر بداخل نفسك سترى الحقيقة

قالها الرجل وإختفى تماما .. ظل سامي يبحث عنه حتى أشرقت الشمس .. بماذا ينادى , لا يعرف اسما لذلك الرجل .. هذا الرجل هو نفسه بل روحه .. بدأ ينادي
- سامي .. سامي
فلا من مجيب سوى صدى صوته يتردد بقوة ويصم أذنيه .. توقف عن النداء يفكر .. ماذا عليه فعله الآن .. إلتقطت أذناه همهمات وتمتمات التسابيح , لا يدري من أيت تأتي تلك الهمهمات .. هل الأرض أم السماء أم الأشجار أم الجبال .. شعر بإعياء شديد , فما كان منه سوى أن يتمدد وينام , ليستيقظ ويجد نفسه فى غرفة الرعاية المركزة , وقناع الأكسجين مثبت على فمه وأنفه , وأسلاك وخراطيم دقيقة تمتد من جسده إلى الأجهزة من حوله .. دقيقة واحدة أدرك سامي أنها المهلة الأخيرة , فتأمل ما حوله يستوثق أنه حيا , قبل أن يخلع قناع الأكسيجين ويهمس بصوت خفيض
- يا الله
شعر بعدها براحة غريبة , جعلته يشعر أنه بحاجة إلى نوم عميق .. كله شوق ليذهب إلى سامى ويحادثه .. كم إرتاح لحديثه .. أسلم سامي نفسه ليواصل الحلم متجها إلى مثواه الأخير .

لم يعد لمها نعمان شيئا تبقى من أجله , فعزمت الرحيل تهرب من كل ما يمكن أن يبثها ذكرياتها .. تعيش فى فرنسا تنتظر موعد ذهابها إلى ابنها أمجد وزوجها سامي .. بعد أن إختفت أماني تاركة رسالة تقول فيها أنها تزوجت .



النهاية

ضع عنوان إيميلك ليصلك الجديد :


12 التعليقات:

غير معرف يقول...

كتبت بابدعت الروايه فكرتها جميله قوى وفكرة التناقل بين الاجيال كانت مميزة لكن كان فى رتوش وشطخات فى الذات الالهيه مع سامى وسارا ومساله تحثر الاديان ممكن تستفز اى قارى لكن بوجة عام الروايه تحفه واسلوبك شايق للغايه ياريت بقى متغبش علينا عشان انت بتتاخر كتيرعقبال ما بتنزل روايه جديدة واتنمنى تكون نهايتها سعيدة مش زى باقى الروايات

غير معرف يقول...

فعلا أنت كاتب رائع ومثقف جدا ومبدع الرواية بجد مالهاش حل عجبتنى جدا وخصوصا جرائتك فى تناول الاحداث وشخصية الفتاة الأرمنية مثيرة بس كان بها اسهاب زايد بالوصف لان من وجهة نظرى مهما كان الانسان سواء ملحد او كافر او اية ملة ان كانت ومهما كانت أفكارة وثقافتة وعقائدة مستحيل انو يتطاول على الدين بهذة الطريقة ايا كان هذا الدين وكمان عحبنى الحالة التى وصلت لها مها نعمان فتاة عاشت معظم حياتها بحرية ليس لها قيود . وباقى حياتها فى ألم وعذاب وارتحت لنهاية سامى جدا بالتوفيق يا دكتور مودى واتمنى الرواية القادمة تكون بنفس مستوى رواية سحر الشرق و جدال

غير معرف يقول...

شكرا يا دكتور على الرواية المميزة كعادة كتاباتك , ولكن يتضح دائما إنك زي ما قلت قبل كده بتكتب على سبيل الهواية وبشكل إرتجالى على فترات متباعدة , وعشان كدهخ بتسيب الأحداث تاخدك وساعات كتير بتغير رأيك فيها .. الرواية دى لو أعدت كتابتها بعد ما وضحت كده كلها , وعملت رابط بين الشخصيات من البداية وكمان عدلت تناولك للجنس من الدرجة الإباحية للدرجة الإيروتيكية .. هاتكون الرواية دى واحدة من أفضل الروايات اللى قريتها فى حياتى لإن فكرة مضمونها رائعة للغاية .. يا ريت تكون حريص فى روايتك الجاية إنها ما تكونش طويلة وشخصيتها كتير وما تتأخرش علينا
بالتوفيق

أحمد مبارك يقول...

انت واحد من القلائل في هذا العالم الذي يعرف كيف يوصل مايريد من فكر الى المتلقي بشكل سلس وشكل بسيط ..حقيقة الرواية تحفة بحق وحقيقة وبها كمية هائلة من المعلومات والمشاهد الحية ...كم كنت اسفا وانا ارى كلمة النهاية..لكن سانتظر الجديدمنك قريبا...لاتتأخر علينا

علي يقول...

الباشا باين عليه ماكانش فى المود وهو بينهي الرواية
مش عارف ليه حاسس إنك طلسقت النهايات كده مرة واحدة
كلى شوق وإنتظار لروايتك القادمة

غير معرف يقول...

لما قريت الفصل 8 لما نزل لوحده كنت مصدوم
بس صراحة بعد ما قريت الرواية كلها لقيتها جميلة جدا
المتعة والفايدة عنوان لكتاباتك

غير معرف يقول...

أنا أول مرة اقرا حاجة زي كده

غير معرف يقول...

انت فعلا شخصية محيرة .. فى جميع رواياتك الأربعةدايما بيكون في شخصيات تضطر القارئ إنه يسقطها عليك .. رواية جدال تحديدا انت أسقطت دوافعك فى الكتابة الإيروتيكية على نعمان وأفكارك الدينية فى جدلية سامي مع نفسه
مافيش شك إن الجنس والدين ليهم دور مهول فى حياتك
بس يا ريت تعمل بوست تكلمنا فيه عن نفسك شوية
انت فعلا كاتب موهوب ومستنى إبداعك القادم

مهندسة شيماء يقول...

أجمل ما في الرواية مضمونها والاستفادة اللى انت أجبرت القارئ بأنه يستفيدها بتقديمك لفكرة نقض الأديان أو اللادينية بأسلوب سلس وشيق وممتع
وفعلا كون إنك بتستلهم الشخصيات من الواقع بيخلى القارئ يحس إن المشاهد حية
أنا مثلا بعد ما قريت الرواية , لقيتك مها نعمان بتفكرني بالكاتبة السورية سلوى النعيمي والشاعرة اللبنانية جمانة حداد اللى عملت مجلة جسد الإيروتيكية , وكمان شخصية عربي فكرتنى بحمام الكمونى بتاع مذبحة نجع حمادى , وشخصية عادل برسوم بفضيحة الراهب المشلوح إياها .. إستخدانك لثقافتك وفكرك فى التعامل مع معطيات واقعية ونسجها فى شكل روائي ممتع وشيق يؤكد بما لا يدع مجالا للشك إنك عبقري يا فنان

غير معرف يقول...

ياسلااااااااااااااااااام
عندما يجتمع الجنس والكفر فى رواية واحدة
عظمة على عظمة

غير معرف يقول...

فى إنتظار جديدك بفارغ الصبر

غير معرف يقول...

جميل جدا يا دكتور بس الخاتمه لاتتناسب مع التفكير العقلي لسامي وللقارئ ادخلت الغيب في الموضوع وادخلت الروح كنت اتمني يصل للحقيقه بعقله وياريت حضرتك تحكيلنا عن تجربتك الشخصيه عن الاديان واللادينيه والالحاد مع اني تخمن ان شخصيه سامي تنطبق تماما مع سيادتك ومع الشكر والتقدير للقلم الحر دكتور محممود مودي

إرسال تعليق