رواية جدال بقلم محمود مودى الفصل 18

-18-

إستيقظ المصريون صبيحة أحد الأيام على فضيحة مدوية , بطلها القس عادل برسوم وإمرأة أرمينية تدعى سارا .. وقد ملأت الصور المشينة صفحات تلك الجريدة التى أشتهرت بنشر فضائح المشاهير , وأطلق المعنيون عليها أنها تجسد الصحافة الصفراء .. أثار ذلك غضب المسيحيين بالطبع , ومعه إستياء المسلمين المثقفين .. ولم تفلح مصادرة عدد الجريدة فى منع تدارك الحدث الذى إنتشر كالنار في الهشيم .. أما على مستوى العامة فقد تداول المسلمون الجريدة وتم إضافة الرتوش اللازمة على القصة ويتردد
- بص القسيس ابن الوسخة بيعمل إيه .. بيقولك إن المية اللى بيستحمي فيها القسيس بيشربوها عشان ياخدوا البركة .. واللى عايزة تحبل بتروح للقسيس ينيكها


خرج الأقباط الغاضبون يتجمهرون متظاهرين حول الكنائس يطالبون بالقصاص .. والتف الحبل حول رقبة رئيس تحرير الجريدة , وتمت محاكمته وسجنه , ليهدأ الأقباط .. وقد أوضحت الكنيسة أن عادل ترك الكنيسة ولم يعد قسيسا , وأن ما فعله يعبر عن نفسه هو لا رجال الدين المسيحي .

بعدما هدأت الزوبعة , ورغم إعترافات عادل وسارا بعلاقتهما الجنسية .. إلا أن الأهداف المرجوة من تفجير الفضيحة قد تمت , ولم يعد مجرد علاقة جنسية بين عادل وسارا تكفي لمحاكمتهما , فتم نسج القصة على أنهما كانا ينويان الزواج , ليتم حفظ التحقيق ويكفيهما ما نالاه من فضيحة .

حياة عادل برسوم الجديدة تحطمت تماما , فإذا كان بإمكانه الإنتقال إلى مكان آخر هربا من الفضيحة ومردودها الذى يراه على وجوه معارفه وجيرانه , فمن أين يهرب من نظرات زوجته وأبناءه .. أغلق على نفسه باب غرفته .. وأخرج الناي الخشبي القديم .. يدخن بشراهة ويعزف على الناي ألحانا شجية حزينة وكأنه إنفصل عن العالم وذهب إلى عالم آخر .


حينما تصاب بجرح أثناء الإنهماك فى العمل , فإنك لا تشعر بألمه من جراء سخونة دمك وإنهماكك .. فقط تعكف على مداواته , ولكن بعد مضي بعض الوقت ستشعر حينها بالألم .. هذا ما حدث لسارا حيث بدأت تشعر بمدى وطأة الفضيحة التى دفعتها إلى البقاء وحيدة فى شقتها تتجنب رؤية أصدقائها وأقاربها .. كثيرا ما كانت تبكي وهى تفكر : هل هذا هو العقاب الإلهي على ما فعلته ؟ .. ولماذا جاءها العقاب فى الوقت الذى توقفت وأحست بحاجتها للإيمان ؟ .. أدركت أنها تتطهر , فما العقاب إلا تطهيرا لها , وإتجاهها للإيمان هو ما منع العقاب أن يكون على قدر بشاعة أفعالها .. هكذا ساقها عقلها لتهدأ .. أدركت أنها الآن فى حاجة لبدء حياة جديدة .. ربما ما حدث هو بداية بدء تلك الحياة .. فكرت كثيرا ماذا عليها فعله ؟ .. عاودت الإتصال بزوجها السابق الذى هاجر إلى أرمينيا .. لدهشتها أن تجده بعد كل هذه السنوات لازال يحبها وينتظر عودتها إلى أحضانه .. إتخذت قرارها بالهجرة إلى أرمينيا .. وما أن رأته فى استقبالها بالمطار حتى إرتمت فى حضنه .. الآن تشعر بدفء الإيمان .

*******************

إعتاد سامي منذ تلك الليلة التى كان بصحبة سارا فى دار الأوبرا , أن يستمع إلى السيمفونيات الحديثة أثناء الكتابة .. كم كانت تلهمه الموسيقى حين تشعره بروحه .. بات فى الآونة الأخير أقل شراسة فى نقض الأديان , وأصبحت مقالاته تحمل أبعادا فلسفية تحتمل الكثير من المعاني .. كان دائما يترك الباب مواربا .. كعادته يجلس وحيدا فى غرفة المكتب التى ظلت على العهد منذ عمرا كاملا , حيث أرفف المكتبة الضخمة المنصوبة على ثلاثة حوائط , ولون خشبها البنى اللامع يبدو وكأنه مطليا بالأمس .. كل ما تركته السنوات على المكتبة أنها صارت مكتظة عن آخرها بالكتب , لاتظهر فرجة تتسع لكتاب جديد .. وعلى نفس المكتب الخاص بالأستاذ صالح نعمان , كان سامي يواصل تأملاته ويكتب وصوت الموسيقى يملأ الغرفة :-

("" فى داخل كل منا صندوقه الأسود الذى يحتوى على مجموعة كبيرة من الأحاسيس والصور ..الكثيرون منا لا يعرفون محتواه .. لو أدركنا مافى داخل صناديقنا السوداء سنعرف لماذا نعتتقد ونتعصب .. سنعرف لماذا نحب ونكره .. سندرك لماذا نتشبث بالإيمان .
لا توجد فكرة فى الوجود إلا وتكون تجميع لمجموعة هائلة من الصور المادية .. كينونة الفكرة هى قدرتنا على ترتيب الصور ولصقها مع بعضها حسب قدرتنا وحالتنا النفسية والمزاجية وما أدركناه من منطق وخيال , فعروس البحر هى فكرة جاءت من تجميع صورة جذع وذيل سمكة مع رأس وصدر فتاة .. وبالرغم أننا أبدعناها إلا أن البعض منا قد أعتقد بوجودها !!.. هكذا الإنسان تميز عن باقى المخلوقات بإمتلاك الخيال الذى يجعله يصيغ من أية معطيات واقعية , قصصا وأساطير يعتقد بها .. لكن لنتريث قليلا ونحن نحاول فهم ماهية الخيال .. تلك القدرة المدهشة التى إمتلكها الإنسان .. هل هى نبع تفاعلات كيميائية فى الجهاز العصبي , أم أن الموضوع أبعد من ذلك بكثير .. إذا جلس شخص ما وسط غرفة مظلمة وأغمض عينيه وأمعن فى الخيال ليرى نفسه فى حديقة غناء يتنسم رحيق الورود والأزهار , ويتقافز بين الحشائش والأشجار .. لماذا يشعر هذا الشخص وقتها بالسعادة , ولماذا يشعر بالحزن والضيق والخوف إذا أمعن خياله فى إجترار ذكريات قديمة محزنة .. هنا تعجز قوانين المادة عن تفسير ماهية ذلك , فيبقى ما تسمى بالروح ذلك الكيان الغير مادي تطل برأسها .. يساعد على ذلك قصور علم النفس عن تفسير ماهية النفس البشرية بسلوكياتها وتناقضاتها وغرائزها ورغباتها .. فمهما تطورت علوم النفس إلا أنها تقف عاجزة عن تفسير نماذج من البشر مثل النمساوي حوزيف فريدل .. ذلك الرجل الذى دفع الحكومة النمساوية للإعتذار للعالم بأجمعه , من جراء بشاعة قصته .. يعمل مهندسا للكهرباء ويحيا حياة عادية أسرية هادئة مع زوجته وأبناءه , وإذا به يحتجز ابنته التى تبلغ من العمر ثمانية عشر عاما بداخل قبو أعده خصيصا لذلك على مدار سنوات .. ويضاجعها ويضربها إذا حاولت الهرب لتسلم الفتاة أمرها وتظل بداخل القبو لربع قرن من الزمان .. خمسة وعشرون عام لم تري النهار , وأنجبت من أبيها سبعة أطفال .. ورغم بشاعة ما فعله جوزيف إلا أنه حمل بعض الشفقة على الأطفال , فكان يضعهن أمام بيت منزله مع رسالة بخط ابنته تطلب رعاية الطفل .. ويظهر النقيض حين يقوم بحرق أحد الأطفال توفى بعد ولادته بثلاثة أيام فى مقلب للقمامة .. عاشر ابنته جنسيا ما يقرب من 3000 مرة على مدار ربع قرن , وأنجب منها سبعة أبناء .. قصة كهذه تحمل في طياتها إعترافا ضمنيا بعجز علوم النفس عن التفسير .. كيف تتناقض النفس البشرية إلى هذه الدرجة .. يعيش حياة فوق الأرض مع أسرته كرجل أسري عادى .. وحياة أخرى تحت الأرض مع ابنته السجينة وأبناءها منه بصفة لا تمت لعالم البشر .. ثمة فطرة وروح تتحكم فى أنفسنا , وتعجز عن معرفة ماهيتها علومنا .. وغذاء تلك الروح هو ما يقود سلوكياتنا .. ولكن ما هوغذاء الروح ؟ .. قد يكون الإيمان ............... "")

توقف سامي عن متابعة الكتابة , وانقطعت خواطره إثر رنين الموبايل , ليجد مها تتصل من فرنسا للإطمئنان على أحوالهم .


شخصية مها نعمان التى نسجتها ظروف نشأتها , لم يكن من الممكن أن تسمح لها بالشعور بالهزيمة .. فبعد مصادرة روايتها وإتهامها بالعهر والفجور والمجون , حتى أن الأمر طال تهديد حياتها .. كانت تتسائل : علام كل ذلك ؟ .. إنها عبرت عن حياتها وشخصيتها كما عاشت وشعرت وأحست .. لماذا كل ذلك الهجوم عليها لمجرد أن ما فى عقلها لا يروق للغير .. مقتها في البداية تحول فى فرنسا إلى تحدي .. ستتحدى الجهل والتخلف والرجعية , لن تستسلم مكتوفة الإرادة .. إنطلقت فى رأسها فكرة أوحى لها بها أسامة .. ستنشئ مجلة أيروتيكية تعنى بالجسد والجنس وآدابه لأول مرة باللغة العربية , وستدعو من ناصرها من زملائها من الكتاب والصحفيين للكتابة فيها .. ظلت الفكرة تتبلور حتى تحولت إلى واقع .. ترأست مها نعمان رئاسة تحرير مجلة إليكترونية مدفوعة الأجر على شبكة الإنترنت اسمها ( شبق ) ..صدر العدد الأول متاحا بالمجان , وكان يحوي مجموعة من القصص الإيروتيكية المترجمة لأشهر كتاب الإيروتيكا العالميين إلى جانب كتاب وصحفيين عرب , بعضهم بأسماء مستعارة والآخر بأسماءه الحقيقية .. قصص وتقارير ودراسات وأخبار كلها تعني بالجنس والجسد عربيا وعالميا .. وفى طليعة العدد أعدت مها تقريرا ضخما عن هدف المجلة , وأسهبت فى كتابة تاريخ الأدب الإيروتيكي عبر العصور , وأبدع أسامة فى تزيين المجلة بأروع صوره التى تتسق مع القصص والمضمون .. عدد القراء فاق ما توقعته مها , مما ضاعف من سعادتها وفرحتها , وكان من الطبيعي مع العدد الثاني أن يضمحل عدد القراء , حيث كان يتعين الدفع ببطاقات الإئتمان لتحميل المجلة .. فتوصلت مها إلى فكرة جيدة مع ظهور العدد الثالث حيث جعلت مقتطفات من المحتوى متاحا بالمجان .. لم تكن مها نعمان تهدف إلى الربح .. فقط هى تريد تغطية تكلفة المجلة لا أكثر .. ما كان يهمها هو أن يقرأ المجلة أكبر عدد ممكن .. كانت تشعر أنه سيأتى اليوم الذى تتحول فيه المجلة إلى نسخ ورقية مطبوعة ومتاحة للجميع .. سعادة مها بالمجلة الإليكترونية تزداد ونجاحها الباهر المتزايد أدى إلى أن يرسل إليها عدد من الكتاب والصحفيين أعمالا كتابية بين شعر ونثر بدون مقابل , فقط إعجابا منهم بالمجلة والرغبة فى الإسهام فى نجاحها .. لكن شاب ذلك شعور مها بالحنين لسامي وأمجد وأماني , فقد مضى أكثر من ثلاثة شهور وهى بعيدة عن مصر .. ها هى الأوضاع هدأت تماما , ولم يعد هناك داعي لبقائها فى فرنسا فقررت العودة .. ودعها أسامة بعدما تأكد لهما أن كل منهما بات ملاذا للآخر , فتواعدا على تبادل اللقاءات بقدوم أسامة لمصر أو سفر مها لباريس .. عادت مها إلى حياتها تواصل كتاباتها , وتستقبل رسائل قراءها وترد عليها .. ولدهشتها وجدت قراءها يتزايدون وقد بدا لها جيلا جديدا متفتح العقول .

حرصت مها على التقرب من ابنها أمجد , ووجدت أن الوقت قد حان ليتزوج أمجد ويستقل بحياته .. عرضت عليه الأمر , فوجدته غير مباليا .. إلا أن أمجد وجد أنه فى حاجة لبدء حياة جديدة .. فكرة إستقلاله عن أبويه وتأسيس أسرة جديدة , جعلته يشعر أن هذا ما يحتاجه بالضبط .. رشحت مها ابنة أحد معارفها , وحسب الموعد كان أمجد بصحبة أبويه وخالته فى زيارة أهل العروس .. إنجذب إليها من أول وهلة , ولما رأت أماني ذلك كابدت دموعها فى عينيها .. تمت الخطبة فى حفل عائلي صغير , وبدأ أمجد يتغير ويشعر أن حياته بات لها معنى وهدف .

*****************

أدرك سيد مصطفى أنه كشجرة لا يمكن لها أن تحيا بلا جذور .. قرر أن يبيع ما تبقى معه من ترامادول , ومن ثم إنشاء مشروع صغير بما ادخره من مال .. لن يفقد دفء الحياة التى يشعر بها بين أبويه .. سيظل دائما بالجوار .. لم يكن هناك أنسب من مباراة الأهلى والزمالك فى كأس مصر ليتخلص سيد مما تبقى معه من شرائط الترامادول وبعدها يبدأ حياته الجديدة .. إعتياد سيد الدائم هو ورفاقه على بيع الترامادول بداخل المدرجات , إلى جانب السعى الشديد لبيع كل الكمية المتبقية , جعلتهم لا يراعون السرية بالشكل الذى فضح أمرهم , بالأخص التشديد الأمني المتزايد بعد أحداث الشغب الأخيرة .. وكان سيد بين براثن عساكر الأمن فى مقدمتهم رائد ينهال عليه لطما , وتم إقتياده إلى القسم بما معه من ترامادول .

جائت نتيجة المباراة صادمة للجمهور الأبيض الذى كانت تحدوه الآمال بالفوز , بعد آخر لقاء جمع بين الفريقين .. وخاب ظنهم فى فريقهم مما أورثهم غضبا عارما ضد اللاعبين والمسؤولين .. ودفعهم الحصار الأمني إلى الإبتعاد بمجرد خروجهم من الإستاد .. كان أمجد مهموما حزينا بسبب خسارة الزمالك , يسير بخطا متثاقلة ويشعر بإحتكاك الشمروخ على جلده تحت ملابسه , والذى اشتراه قبل المباراة ليشعله إحتفاءا بالنصر الذى لم يتحقق .. خطر بباله أن يشعله أثناء خروجه من الإستاد وسط أقرانه من المشجعين .. فتلقفه منه أحدهم وألقى به على مجموعة من مشجعي الأهلى .. اللذين أسرعوا بالرد الفورى .. ولما لاحقهم الأمن إبتعدوا .. أراد عدد من مشجعي الأبيض الإنتقام من حرق أتوبيس لهم بعد المباراة السابقة , فانهالوا يقذفون أتوبيسا يقل مجموعة من مشجعي الأحمر .. وجد أمجد نفسه لا يعبأ سوى بأن يبتعد وهو يتلقى إتصالا من خطيبته لتواسيه بعد الخسارة .. إنشغل أمجد بالحديث معها فى الموبايل يطربه صوتها الأنثوى المثير .. فى الوقت الذى صعد سائق الأتوبيس ليفر من مشجعي الأبيض قبل أن يتحطم الأتوبيس .. أدار المحرك فى لمح البصر , وضغط دواسة الوقود ليرجع الأتوبيس إلى الخلف بقوة حتى يمكنه الإستدارة والمغادرة .. لم ينظر سائق الأتوبيس فى المرآة من فرط تعجله , فدهس أمجد لحظة عبوره خلف الأتوبيس منشغلا بالحديث فى الموبايل , ليلقى أمجد حتفه تحت عجلته .


***************


واصلت دميانة حياتها بداخل الدير .. إنغمست فى نسج المنسوجات والرسم على الزجاج بدأب ونشاط .. تحرص على صلواتها وتعبدها تتقرب إلى الله دون أن تعبأ بالآخرين .. دوما تجلس إلى الأنبا كيرلس تتعلم منه وتستلهم الطريق .. إرتضت بحياتها وقنعت أن تحمل الصليب وتتبع المسيح .. تتلو المزامير وتصلى من أجل خلاص الخاطئين .. لكن مارتيريا كانت دوما عائقا فى طريق دميانة .. لا تفتأ تتحرش بها وتردد عليها هرطقتها بشان الزواج , وأنها يمكنها أن تساعدها لتتزوج راهبا , فما يكون إلا أن تنظر إليها دميانة شذرا وتبتعد كأنها تعدو من أمام شيطان رجيم .. كانت مارتيريا تشعر بالنقص كلما رأت دميانة حيث يتولد بداخلها إحساسا بالمهانة .. عجبت من صمود دميانة وودت لو جرفتها إلى عالمها لتتساوى الرؤوس .. طهارة دميانة وعفتها كانت تجعل مارتيريا تشعر بالنجاسة والدنس , فسابرت مارتيريا لتصل إلى هدفها , وبدأت تشعر أنها ستصل لمأربها حين وجدت دميانة أصبحت تنصت لأحاديثها من جديد , فعمدت إلى إلهاب غريزتها بأن تحكى لها تفاصيل علاقتها السحاقية بإحدى الراهبات , حيث لم يعد زوجها بيشوى قادرا على تلبية إحتياجاتها .. رأت مارتيريا الشهوة تطل من عيني دميانة خلف نظارتها الصغيرة وهما يتمشيان فى حوش الدير الواسع بملابس الراهبات .. أدركت مارتيريا أنها تقترب من الهدف المنشود .. لم يكن ما جعل دميانة تستسيغ أحاديث مارتيريا سوى أن غريزتها الجنسية المكبوتة طوال هذه الفترة الطويلة , بدأت تنغزها وتلح عليها .

* * *

فى الليلة التى تسبق ليلة عيد الميلاد .. كانت دميانة تتمدد على ظهرها عارية فوق الفراش , ومارتيريا تتحسس جسدها برفق وحنان .. تشعر دميانة بالمتعة المشوبة بالإحساس بالذنب وإقتراف الإثم .. تتهادى يدا مارتيريا على جسدها فتمنحها دغدغة لذيذة ممتعة .. كانت دميانة ترى صورا هلامية غير واضحة المعالم , فتارة ترى مارتيريا عارية وتارة تراها بملابس الراهبات .. تحس بأزرع مارتيريا عديدة كما لو كانت أخطبوط , لا يخلو موضع من جسدها من يد مارتيريا تتلمسه وتمسح عليه .. رأت وجهها تتبدل ملامحه وهى تقترب برأسها من وجهها تقبل فمها , وتلحس بلسانها شفتيها .. أحست دميانة بجسدها ينبض بالإثم والمعصية .. حاولت المقاومة كغريق يتعلق بقطعة من الخشب , لكنها كانت تشعر وكأن قوى خفية تحكم القبض على جسدها وتمنعه من الحراك .. تركت نفسها وشهقت وهى تشعر بأصابع مارتيريا تخترق كسها .. وثدييها ينسحقان تحت ثديي مارتيريا .. سوائلها تنهمر من مهبلها فتشعر بإحتكاك شفراتها لزجا يمنحها نشوة .. يخفق قلبها وتتعالى أنفاسها وهى تشعر بحلمتيها فى فم مارتيريا الرطب الدافئ .. تراءى لها الصليب معلق على الحائط والمسيح مطأطئ الرأس مصلوبا عليه .. إمتزجت المتعة والنشوة بالحزن والحسرة والإحساس بالذنب .. تريد أن تبكى فلا تقدر .. تشعر أن الدموع نضبت .. يبدأ جسدها فى الإرتعاش وسرعان ما ينتفض ويداهمها تقلصات عنيفة أسفل بطنها , لتقبض فخذيها بعنف على كسها وتستيقظ من النوم تلهث بشدة .. أول ما فعلته دميانة بعدما أدركت أنها كانت تحلم , هو حمد الرب على أن ما حدث لم يكن حقيقة .. أسرعت تغتسل وهى تشعر بأن جسدها خفيفا متحررا .. أمعنت فى تنظيف جسدها وكأنها تمحو من عليه الدنس .. عادت إلى غرفتها تركع أمام الصليب تشبك كفيها أمام وجهها تصلى وتستغفر .. أمضت نهارها تتعبد حتى حان موعد حضور القداس فنزلت إلى الكنيسة بصحبة الأخوات .


******************


تنهار أسطورة عربي عطا وتتداعى كما جبل الجليد طلعت عليه الشمس وغزا الدفء ما حوله .. امتنع الكثيرون عن دفع الإتاوة ورأى عربي على وجوههم زوال خوفهم منه ومن سطوته على الرغم من حمله بندقية آلية جلبها بمساعدة أمين شرطة متقاعد .. يشهر بندقيته متباهيا بين دروب وحواري المنطقة .. لكن الناس لم تعد تخشاه .. وتجلى ذلك حين ذهب عربي لأحد أصحاب المحلات يطلب الشهرية فصاح الرجل
- وهو فى حد عاد بيقف يحرس المحلات .. هادفع فلوس على إيه يا عم عربي
النبرة المحتدة المتمردة التى خاطب بها الرجل عربي , كانت كفيلة ألا يطلع النهار على المحل إلا وقد تم كسر بابه وتهشيم زجاجه وبضاعته .. وكان هذا ما قضى على عربي تماما .. إذ أدرك مراد الدوغري أنه قد آن الآوان لتفريغ تلك البالونة .. تم القبض على عربي وبداخل القسم نال عربي من الضرب والإهانة فى هذه السن ما لم يناله صغيرا .. ذاق الويل على مدار ثلاثة أيام حتى كادت تزهق روحه , وساقوه إلى مكتب رئيس المباحث يترنح , ليقف أمام مراد بك والكدمات تغطى وجهه والزرقان يحيط بعينيه , وجسده محطم لا يقدر على الوقوف , لم يرى عربي من إنغلاق عينيه بفعل الكدمات وجه مراد .. فقط سمع صوته الأجش قادما يتردد فى أذنيه
- عملة زي دى توديك السجن .. أنا هاخلص الموضوع واخلي صاحب المحل يتنازل بعد ما تدفع ثمن اللى كسرته .. وحسك عينك تعمل عملة زي دي تاني
صمت يسحب نفسا عميقا قبل أن يتابع بعلو صوته
- وإلا .. إنت عارف هايحصلك إيه
قالها وأشار للرجال اللذين سحبوا عربي وألقوه بعيدا عن القسم .. علم الجميع بما حدث لعربي , وتأكدوا أنه لم يعد مسنودا من الأمن لتنتهى أسطورة عربي عطا الذى لم يعد قادرا على السير وسط الناس ورؤية الشماتة فى نظراتهم .. فقبع وحيدا منعزلا عدا صديقيه ماهر وبربري .. تفجرت كراهيته للجميع فى أن يضاعف ما يتناوله من مخدرات .. حين يجلس وحيدا وهو مسطول بفعل الحشيش والحبوب والبيرة , يتراءى له أنه يفعص هؤلاء المتمردين بقدميه ويسحقهم سحقا .. وإمتدت كراهيته لتطول نفسه هو .. عاش عمره منبوذا يحتقره الناس , لكنهم يقفون له تعظيما خشية سطوته , وإتقاءا لشره .. أما الآن فهم يحتقرونه علنا بل يبصقون خلف ظهره إذا مر أمامهم .. من السبب ؟ .. هكذا يسأل عقل عربي المغيب .. لو لم يقتل أولاد أبو هاني دعاء ؟ وتغطيه الفضيحة التى جرَّأت الناس عليه .. هو أبو هاني من دمر حياته فى صغره بالإبلاغ عنه وتسبب فى إيداعه الأحداث .. والآن أبناءه قضوا عليه .. سيعرف كيف يؤدبهم .. سيعرف الجميع من هو عربي عطا .. هكذا كان يصور له عقله المغيب .. ظل فى متاهة من السطل والتوهان يبعث به عقله لتلمع الفكرة فى رأسه .. لم يصرح بها لصديقيه اللذين استشعروا أنه يخطط لأمر ما حين يسمعانه يقول بصوت ثقيل ومتلعثم بكلمات متقطعة من فرط توهانه
- هانت كلها كام يوم ويشوفوا عربي هايعمل إيه
كان ماهر وبربري يوعزان كلمات عربي إلى هلوسة , بعدما إنكب ينهل من الحشيش والحبوب والمخدرات , وبات شبه مغيبا عن الدنيا .. حتى ظهر عربي بسيارته اللادا الرمادية ومعه بندقيته الآلية فى ليلة عيد الميلاد .. ووقف أمام المقهي ينادي ماهر وبربري وإنطلق بهم يجوب شوارع وطرقات المنطقة بلا هدى ولا وعي .. عقله المغيب كان يرسم له زهو الإنتقام الوهمي دون أن يعبأ باية عواقب أو يتوقف أمام أية رادع .

* * *

بداخل الكنيسة كان صوت الصاجات والطاسات يعلو أثناء تلاوة المزامير والتراتيل فى قداس الإحتفال بعيد الميلاد .. وتكسو الإبتسامة وجوه الجميع .. يحتشد الأساقفة والبطاركة فى ملابسهم الكهنوتية البيضاء التى يزينها صور المسيح والعذراء , وقد بدت الكنيسة فى أبهى صورها .. وقف أبو هانى مرتديا بدلة سوداء أنيقة بلا رابطة عنق على القميص الأبيض وسط المعارف يتبادولون التهاني ومن حوله ابنيه هاني وعاطف حيث صدر الحكم بالغرامة عليهما فى قضية القتل الخطأ .. وعلى الجهة الأخرى إلتفت الأخوات الراهبات يحتفلن بالعيد , ومن بينهما مارتيريا ودميانة التى كانت متأنقة بملابسها الراهبانية , ونظارتها الصغيرة تعطيها إلى جانب منابت شعرها الاسود الفاحم من تحت غطاء الرأس منظرا جذابا .. إنتهى القداس قرابة العاشرة مساءا وخرج الجميع فرحين متهللين بالعيد .


فى الوقت الذى كان عربي يقترب بسيارته ويتوقف يراقب الخارجين من الكنيسة , حتى رأى أبو هاني وأولاده , فنزل من سيارته يترجل مترنحا مشهرا بندقيته الآلية وأطلق النار عشوائيا على جميع الخارجين أمام باب الكنيسة .. ليسقط أبو هانى وابنيه ومارتيريا ودميانة إلى جانب أربعة عشر آخرين فى مذبحة جماعية جعلت عربي يضحك وهو ينظر إلى الأجساد المدماه الممددة على الأرض , ويحاول من بقيت فيهم الحياة الزحف بعيدا .. بينما يهرع الجميع يصرخ ويعدو مبتعدا .. تابع إطلاق بعض الأعيرة النارية فى الهواء .. وركب سيارته يجوب منطقة أبو سيفين وحوش الغجر.. يطلق أعيرته فى الهواء .. يغتاله الزهو بخلو الطرقات من الناس اللذين أسرعوا بإغلاق محلاتهم والإختباء فى منازلهم .. هاهم الآن منكمشين فى جحورهم يرتعدون .. كان عربي سعيدا بما يراه وهو يسمع صافرة عربات الشرطة تدنو منه .

إستفاقت دميانة من هول الصدمة لتدرك إصابتها بجرح صغير فى زراعها الأيسر , ورأت مارتيريا جاحظة العينين غارقة فى دمائها ولم يعد صدرها يعلو ويهبط .. وقفت تبتعد متجهة إلى الدير .. تبكى وتتمتم
- يا رب .. يا رب
تزدرد ريقها وتنطق بصوت هامس
- يا الله

******************


كان وقع الصدمة مهولا على ثلاثتهم .. مها تعيش ثانية ً صدمة فقدانها المأساوي لأبويها , وهذه المرة بقدان ابنها الوحيد أمجد .. وأماني إنتابتها فى الأيام التي تلت ذلك رغبة بالتخلص من حياتها .. أما سامي فعلى الرغم من أنه كان يبدو أكثرهم تحملا وجلدا , إلا أنه فى حقيقة الأمر كان أشدهم إنهيارا .. تتصارع أحاسيسه بفقدان ابنه الوحيد مع فلسفته فى ماهية الوجود .. الأمر رشق عقله وحياته فى مقتل .. أمعقول أن تكون هذه هي النهاية .. ألا يكون أمجد الآن فى حياة أخرى بعد الموت .. ما هذا العبث ؟ .. لماذا انتقته الصدفة التى شكلت الكون والوجود , لتحرمه هو بالذات من ابنه الوحيد ؟ .. فى هذه الليلة كان سامي يجلس فى البلكونة مطرق الرأس .. منذ عدة أيام يوم مات أمجد لم يكتب كلمة واحدة .. ماذا يكتب ؟ ولماذا يكتب ؟ .. إذا كانت الغاية من الحياة هى لاشئ .. وأنها حياة واحدة على الإنسان أن يستمتع بها ؟ .. فأين هذه المتعة , لم يجد سوى حيرة وشك وقلق ؟ .. تسائل : هل لو كان مؤمنا , لتحمَّل فقدان ابنه الوحيد بصبر وجلد , معزيا نفسه عن العوض فى العالم الآخر بعد الموت ؟ .. تنازعت مشاعره وظنونه وهواجسه وأحاسيسه .. إذا كان الله موجود , إذن هو من أخذ ابنه .. هل يعاقبه على رفضه لدينه ؟ .. إنتابه شعورا بالتحدي , لكنه سرعان ما أذعن وهو يرنو إلى السماء , والبرد يكتنف جسده رغم الروب الصوف الثقيل الذى يلتحف به .. يداهمه ذات الصداع اللعين , فنهض من على الكرسي يمسك بيده السور الحديدي الصغير .. أحكم القبض عليه وهو يشعر بدوار , وضباب وغيوم تتكاثف أمام عينيه .. تشبث بيديه أكثر فى السور وكأنه يتشبث بمعرفة الحقيقة .. رفع رأسه يسحب نفسا عميقا , وأجهش بالبكاء .. لأول مرة فى حياته يبكي سامي .. يبكي بحرقة .. الدوار يتزايد والنور ينمحى من عينيه .. لم يعد يرى شيئا .. ظلام دامس حالك السواد حط به فجأة .. صداع رهيب لا يُحتمل .. ظن أنه يحلم , لكنه يحس ببرودة السور الحديدي فى يديه .. أدرك أنه ذاهب .. خفق قلبه يضرب ضلوعه بعنف .. خنجر حاد يمزق صدره .. أتكون هذه هى سكرات الموت .. هكذا ظن سامي بعدما فقد بصره , ورفع يديه يمسك برأسه التى على وشك الإنفجار .. ترنح خطوتين للوراء قبل أن يسقط أرضا فاقدا للوعي .


****************


ترك عربي سيارته فى أحد الشوارع وترجل سائرا على قدميه .. وصل إلى المقابر بجوار القلعة .. تبقى شيئا أخيرا عليه إنجازه قبل النهاية .. ترك رنين الموبايل الذى لم يتوقف منذ الصباح الذى تلا ليلة المذبحة .. حتى رأى مراد الدوغري يتصل .. حتى فى هذه اللحظة يظل مراد الدوغري هو الوحيد الذى على عربي أن يجيب فورا .. إشترط حضور مراد بنفسه ليسلم نفسه للشرطة , وإلا سيطلق النار على كل من يقترب منه .. لم يكن هناك بدا سوى أن يتصدر مراد الدوغري طليعة قوة كبيرة من الشرطة للقبض على عربي .. واتجهوا حيث أخبرهم هو .. يدرك مراد جيدا أن ما حدث سيحيل كل جهات الأمن بالمنطقة من شرطة ومباحث إلى النقل والتقاعد .. لكنه كان متشبثا بأمل واهى , ألا وهو أنه ليس مسؤولا بصفته رئيسا للمباحث عن حماية الكنائس .. ما سيطوله هو إذا ما اعترف عربي على علاقته به .. الآن قوته تخور وسيطرته تتهاوى .. غالبية رجال المباحث على علاقات بمن هم على شاكلة عربي لإمدادهم بالمعلومات .. لن تتسبب أية أقوال لعربي فى النيل من منصبه .. عند الظهيرة كان مراد الدوغري يقف وجها لوجه أمام عربي يقول
- إنت كنت شارب ومش فى وعيك .. ودى حاجة هاتكون فى صالحك فى القضية .. تعالى معايا
نظر عربي مليا فى وجه مراد الدوغري .. وكست وجهه إبتسامة ساخرة قبل أن يصوب بندقيته الآلية ويفرغ ما بها من طلقات فى جسد مراد الدوغرى , ويلقى بها أرضا ويرفع يديه عاليا .


******************

بداخل الرعاية المركزة كان جسد سامي ممددا , ومن حوله الأجهزة تأز بأصوات خافتة .. حالة نزيف فى المخ نتيجة إرتفاع شديد فى ضغط الدم .. المشكلة كما ظهرت فى الأشعة المقطعية التى تم عملها فور وصوله المستشفى .. أظهرت أن مكان النزيف فى موضعا عميقا بداخل المخ , بشكل يستحيل معه التدخل الجراحى .. بل حتى أصبح من العسير تحريكه من مكانة بعد مضي ثلاثة أيام للتعرف على حالة النزيف من خلال أشعة الرنين المغناطيسي .. فطالما لايزال فى هذه الغيبوبة , فلابد من إبقاءه هكذا .. مجرد شهيق وزفير عبر جهاز التنفس الصناعي , ونبضات قلبية بطيئة ترسم مثلثات متباعدة عبر جهاز رسم القلب .. لقد كان سامي فى ( كوما ) من درجة متقدمة للغاية .. لا توجد أية إستجابة عصبية نهائيا .. هو ذاهب حتما خلال أيام , ويمكنهم مساعدته فى رحلته بنزع جهاز التنفس الصناعي .. سامي مات إكلينيكيا .. لكن الحقيقة أنه لم يمت , فبمجرد سقوطه فاقد الوعي .. استيقظ على أشعة الشمس الحارقة يتصبب عرقا , ليجد نفسه فى صحراء لا أول لها ولا آخر .. قام ينظر حوله وبدأ السير وقدميه الحافية تنغرز فى الرمال فيشعر بلسعات تحرقه .. جف ريقه تماما ولم تعد قدماه قادرة على حمله من كثرة السير .. أخيرا تراءى له شبح إنسان يقترب نحوه من بعيد .. حث خطاه نحوه .. ظن أنه سراب , لكنه بدأ يراه بوضوح كلما اقترب منه .. أخيرا وقف سامي أمامه وجها لوجه جاحظ العينين يلهث .. لا يصدق ما يراه .. يرى نفسه وكأنه ينظر فى المرآة .. لا , ليست مرآة .. هذا الواقف أمامه يبتسم إبتسامة ساخرة ولا تبدو على وجهه أية قطرة عرق فى هذا الحر القائظ .. يرتدى ثوبا عجيبا شفافا بلا لون .. لكن ما من شئ يظهر من خلفه
- من أنت ؟
هكذا سأل سامي , ليبتسم الرجل بسخرية أكثر ويجيب
- ألا تعرفنى ؟ .. أنا أنت .. تذكر قليلا .. ستتذكرني
أمعن سامي النظر إلى وجه الرجل الذى يعد نسخة منه , فلم يتذكر شيئا , فأشاح الرجل بيده يقول
- كنت أعرف أنك ستنساني .. فلماذا سُمى الإنسان إنسان ؟
قالها الرجل ورفع رأسه إلى السماء وتابع
- لأنه يجسد النسيان
قالها الرجل وشبك يديه خلف ظهره , سائرا فى طريقه .. لم يفهم سامي شيئا وسار يتبعه ليجد الرمال تحولت إلى أرض جافة صلبة , تتحرك قدماه فوقها بخفة وسرعة ليلحق بالرجل ويسير إلى جواره ويعاود السؤال
- من أنت ؟
- أنا روحك التى نسيتها بعدما حللت جسدك فى الدنيا .. ألا تذكر حين كنت تحوم حول عرش الرحمن .. أنسيت يوم وقفت وسط الأنفس تشهد على نفسك بأن ربك هو الله
قالها الرجل وأختفى تماما .. أسرع سامي يدور حوله يبحث عن الرجل , فإذا به يراه هناك يمشى على قمة جبل وقرص الشمس إختفى ثلثه وراء الجبل .. أسرع سامي لاهثا حتى وصل إلى الجبل وبدأ يتسلقه ووصل حيث الرجل مع مغيب الشمس .. سار إلى جواره وقال
- أمضيت حياتي أبحث عن الله
- وماذا وجدت ؟
داهم السؤال سامي , ففكر قليلا وأجاب
- كنت أراه كلما تأملت الكون والحياة ومخلوقاته وأجده متواريا هناك .. لكني حين ذهبت للتعرف عليه عبر الأديان لم أجده موجودا
ضحك الرجل عاليا فجأة , وقد بدأ يهبط من على الجبل رويدا متجها حيث واديا أخضر يلوح فى الأفق , وسامي إلى جواره منتظر كلماته .. توقف الرجل عن المسير فجأة ونظر لسامي يقول
- أنا الآن سأرسلك رسولا إلى مجموعة من البشر يعيشون قبل خمسة آلاف سنة , والرسالة التى ستحملها إليهم هى أن تخبرهم بكل شئ عن العالم الذى عشت فيه .. عليك أن تخبرهم أنهم يعيشون على كوكب لا يمثل بالنسبة للكون إلا حبة رمل فى صحراء شاسعة .. وتخبرهم عن المجرات والشموس والكواكب والأقمار .. وتشرح لهم كيف يكلم إنسان فى شرق الأرض إنسانا آخر فى مغرب الأرض ويراه دون أن يلتقيا .. إشرح لهم الموجات الميكرونية , ووسائل النقل والمواصلات والإتصالات التى شهدتها فى عصرك أنت
صمت الرجل يرنو ممتعضا للفراغ , قبل أن يتابع
- ستذهب أنت هكذا وحيدا .. فما الذى يمكنك فعله
تنهد سامي دون أن يجد إجابة .. القمر يرسل ثنايا ضوءه تنير المكان , وعاد الرجل يواصل سيره وإلى جواره سامي ينصت بكل حواسه
- سيتعين عليك أن تجد من واقع وزمان هؤلاء البشر ما يمكن أن تقرب الصورة إلى عقولهم .. ومن يؤمن لك حتما لم يرى ما قلته , لكنه صدقك .. وسيكفر بك من أراد ألا يؤمن قبل أن يرى بعينيه
وجد سامي نفسه وسط زروع وأشجار ونخيل وأعناب , وضوء القمر أقوى من الظلام .. الإضاءة الفضية الخافتة تنبعث وتنعكس متلألئة على الورود والأزهار .. توقف الرجل عن السير , وربت بيده على كف سامي يقول
- هكذا العالم الآخر .. إنه كيان لن تدري كنهه طالما لازلت فى لبستك الدنيوية .. وهكذا كانت الأديان .. إنها صور جائت مستقاه من زمن وواقع ومكان الرسل والأنبياء .. مجرد رموز لتقريب الصورة , لكنها ليست حقيقة الأمر .. البشر هم من أضافوا وحذفوا تبعا لأهوائهم ورغباتهم .. إنظر بداخل نفسك سترى الحقيقة

قالها الرجل وإختفى تماما .. ظل سامي يبحث عنه حتى أشرقت الشمس .. بماذا ينادى , لا يعرف اسما لذلك الرجل .. هذا الرجل هو نفسه بل روحه .. بدأ ينادي
- سامي .. سامي
فلا من مجيب سوى صدى صوته يتردد بقوة ويصم أذنيه .. توقف عن النداء يفكر .. ماذا عليه فعله الآن .. إلتقطت أذناه همهمات وتمتمات التسابيح , لا يدري من أيت تأتي تلك الهمهمات .. هل الأرض أم السماء أم الأشجار أم الجبال .. شعر بإعياء شديد , فما كان منه سوى أن يتمدد وينام , ليستيقظ ويجد نفسه فى غرفة الرعاية المركزة , وقناع الأكسجين مثبت على فمه وأنفه , وأسلاك وخراطيم دقيقة تمتد من جسده إلى الأجهزة من حوله .. دقيقة واحدة أدرك سامي أنها المهلة الأخيرة , فتأمل ما حوله يستوثق أنه حيا , قبل أن يخلع قناع الأكسيجين ويهمس بصوت خفيض
- يا الله
شعر بعدها براحة غريبة , جعلته يشعر أنه بحاجة إلى نوم عميق .. كله شوق ليذهب إلى سامى ويحادثه .. كم إرتاح لحديثه .. أسلم سامي نفسه ليواصل الحلم متجها إلى مثواه الأخير .

لم يعد لمها نعمان شيئا تبقى من أجله , فعزمت الرحيل تهرب من كل ما يمكن أن يبثها ذكرياتها .. تعيش فى فرنسا تنتظر موعد ذهابها إلى ابنها أمجد وزوجها سامي .. بعد أن إختفت أماني تاركة رسالة تقول فيها أنها تزوجت .



النهاية

إقرأ الباقى

ضع عنوان إيميلك ليصلك الجديد :


رواية جدال بقلم محمود مودى الفصل 17

-17-


تحت قبة البرلمان بداخل قاعة مجلس الشعب كانت الهمهمات تسرى كدبيب ٍ هادر , وسرعان ما تحولت الهمهمات الى أصوات تعلو وتخفت .. حالة من الجدال تملكت جميع النواب .. ووقف النائب الإخوانى رجب عبد الصبور بجسده البدين وقامته القصيرة ولحيته المحفوفة التى خالطها الشيب وقد لمعت على وجهه قطرات العرق من فرط حماسته يصيح بصوته الجهورى
- إذا كان سيادة الوزير بيوصف الإباحية وقلة الأدب والكفر والإلحاد بإنها أدب وفن .. يبقى نقول على أولادنا وبناتنا السلام .. إذا كان هو بيدافع عن الرواية واللى كتبتها .. طب أنا عاوز أسأله سؤال .. هل يوافق على إن زوجته أو أخته أو بنته تقرا الكلام السافل ده ؟ .. مستحيل !!!

هنا قاطعه وزير الثقافة الواقف خلف المنصة الصغيرة أسفل رئيس المجلس متعجبا
- ما لكش دعوى بزوجتى ولا أختى ولا بنتى .. إنت مقدم إستجواب وطلب إحاطة فى أمورى العائلية ولا إيه ؟!!

قالها وزير الثقافة محاولا كظم غيظه , ولكن عينيه الزائغة خلف نظارته ذات العدسات الكبيرة كانت تعبر عن بركان يعتمل بداخله .. واندفع النائب الإخوانى يصيح
- أنا بأرد على كلامك إن الرواية عمل إبداعى .. أديك هو عضبت من سؤالى .. يعنى إنت مش موافق على السفالة وقلة الأدب دى

هنا تدخل رئيس مجلس الشعب , وخبط بالمطرقة ثلاث خبطات لتخفت الأصوات وقال بصوت هادئ أجش
- على العضو الموقر أن يتحدث فى صلب الموضوع

سحب النائب الإخوانى رجب عبد الصبور نفسا عميقا وتابع كلماته بنبرة آمرة
- أنا باتقدم بطلب موقع عليه من 200 عضو بالمجلس بمصادرة رواية ( شبق الشهد) والتحقيق مع كافة المسؤولين عن خروج هذه الرواية الى السوق وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا
قال جملته الأخيرة متقمصا دور المناضل المدافع عن الفضيلة
وأشار رئيس مجلس الشعب للنائب الإخوانى بالجلوس وقال
- يتفضل سيادة الوزير بإكمال بيانه بشأن إستجواب العضو الموقر رجب عبد الصبور

ينتصب وزير الثقافة فى وقفته ويقول بصوت مجهد
- الأدب الإيروتيكى والأيروسى فى التعبير عن الجسد موجود منذ قديم الأزل .. كل الحضارات القديمة تركت كتابات إيروتيكية ضمن موروثها الثقافى .. ولا يصح أن نتعامل مع الأدب الذى يعبر عن الجسد والجنس بفكر غرائزى بحت وإلا يجب علينا محو تراثنا الثقافى الفرعونى من الإله مين إله الخصب الذى صورته الرسومات الفرعونية على هيئة رجل واقف ممسكا بعضوه المنتصب , وكذلك نحطم التماثيل الفرعونية العارية التى تملأ المتحف المصرى .. وعلينا أيضا أن نمحو شعر أبى نواس وإمرؤ القيس وكذلك نحرق ألف ليلة وليلة ونلقى إلى البحر بكتب الباه التى تتحدث عن الجنس فى التراث القديم

تصاعدت الهمهمات ليقوم رئيس المجلس بالطرق العنيف المتتابع ليعود الصمت ويواصل وزير الثقافة كلماته
- أنا لا أدافع عن رواية ( شبق الشهد ) ولا عن الكاتبة مها نعمان , ولكن أدافع عن رأى ومبدأ ومعى من المثقفين من أدباء وأساتذة ومواطنين يساندونى ويدافعون عن حرية الفكر والإبداع .. فالفن ليس له حدود

قالها وزير الثقافة وكأنه مناضل ثورى يدافع عن مبدأ .. ومال أحد النواب على زميل له يهمس
- الوزير ماله النهاردة مُنجلى ليه كده ؟ .. كان يصادر الرواية دى ويريح دماغه .. ويطلع من المطب ده بكلمتين سياسة حلوين يهدِّى بيهم الدنيا المولعة دى
- مش عارف ماله راكب راسه ليه كده ؟! .. ويقولك قال مبدأ قال ؟!

لم تهدأ الهمهمات رغم صيحات رئيس مجلس الشعب مطالبا الأعضاء الموقرين بإلتزام الهدوء .. وبالقطع لم يعجب كلام الوزير السيد العضو الموقر نائب الإخوان رجب عبد الصبور الذى أمسك بورقة كبيرة يصيح بعلو صوته
- سيادة الوزير اللى بيقول الفن ليس له حدود .. وحرية الرأى والإبداع هل يوافق إن زوجته أو بنته تقرا الكلام المكتوب فى اللى بيقول عليها رواية دى .. ما نصه ورد فى الأثر أن حواء عندما نام معها آدم أول مرة , قالت له ( ما هذا ؟ ) .. قال ( يسمونه .... ) .. قالت ( إكثر لى منه فإنه طيب ) .. هذا الكلام الفاحش البذئ اللى فيه تطاول وقلة أدب على أبى وأم البشرية آدم وحواء , يسميه الوزير فن وإبداع .. قال رسول الله (ص) ( ليس المؤمن بطعان ٍ ولا لعان ٍ ولا فاحش ولا بذئ )

وكأنه سيل هادر من عل لم يتوقف النائب الإخوانى إستجابة لصيحات رئيس المجلس وظل يدفق بالكلمات بحماسة مقاتل فى معركة الدفاع عن العِرض والشرف وتابع يقرأ من ورقه فى يده
- هل يرضى الوزير المحترم أن يقرأ أبناء وطننا ما نصه (وصية عجوز لابنتها قبل أن تهديها إلى زوجها: إني أوصيك يا بنية وصية :إن أنت سمعتها سعدت وطاب عيشك وعشقت بعلك .. إن مد يده فانخري وازفري وتكسري وأظهري له استرخاء وفتورا. فإن قبض على نهديك ارفعي صوتك بالنخير. وإن أولجه فيك ابك وأظهري اللفظ الفاحش فهو مهيج للباه ويدعو إلى قوة الاتعاظ، فإذا رأيته قد قرب الإنزال انخري له وقولي له: صبه في القبة، وغيبه في الركبة. فإذا هو صبه طأطئي له قليلا، وضميه واصبري عليه وقبليه وقولي له: يا مولاي ما أطيب ....." .. أعوذ بالله من هذا الفحش والمجون الذى يعف لسانى عن التفوه به .. وكمان تطاول على الأديان فى الفقرة اللى بتقول : ( الأديان هى وسيلة الطغاة للسيطرة على الكادحين والفقراء والمظلومين ..هى تحويلهم إلى عبيد يمتلكون أملا زائفا فى عالم أخر بعد الموت يرد لهم حقوقهم المغتصبة و أحلامهم المفقودة ) .. وكمان تطاول على الذات الإلهية فى فقرة أخرى : ( أن تتصور إنك إنسان وسط عشرات المليارات من البشر الذين عاشوا على هذا الكوكب الذى يمثل بالفعل حبة رمل فى وسط صحراء شديدة الإتساع ..وأن خلف هذا الصحراء الكونية هناك إله يرصد حركاتك ويسجل أفعالك ..أن تصدق وتتوهم هذا ..فإما أن يكون هذا الإله تافها ومختل عقليا أو تكون أنت شديد الغرور والنرجسية ) .. دا قلة أدب وكفر ومجون .. إزاى يتوافق على كلام زى ده ؟!! , والصور الفاحشة البذيئة اللى فى الرواية دى .. من المسؤول عن المجون ده ؟

كابد وزير الثقافة ليصل صوته وسط الصخب الذى كسى المكان .. وقال
- دا مش كلام المؤلفة .. دا إستشهاد بما جاء فى كتب الباه القديمة .. ثم إن الكلام عن وجود الله دا مسألة جدلية بين المؤمنين والملحدين وكل واحد حر فى عقيدته

قاطعه بالطبع النائب الإخوانى رجب عبد الصبور مواصلا صياحه
- يا أخى هداك الله .. يعنى يرضيك اللى هى كتبته ( قطع الله يدها التى خطت هذا الفحش ) .. عاوز أسمعك كلامها هي إيه ؟

ودون أن ينتظر ردا , إلتقط سيادة النائب شهيقا سريعا قبل أن يندفع مسرعا كقطار خرج عن القضبان صائحا ببعض ما جاء على لسان مها نعمان مؤلفة رواية ( شبق الشهد )
- " قال لى ذات مرة وأنا أغالب شهوتى إليه فى مكان ٍ عام .. لم أعرف قبلك إمرأة يعلن وجهها إنتصابها .. كنت أصل إليه مبللة وأول ما كان يفعله هو أن يمد يده يتفقد العسل كما كان يسميه .. يذوقه ويقبلنى ويوغل عميقا فى فمى , وأقول له من الواضح أنك تطبق وصايا الرسول وتقدى به : لا يقع أحد منكم على أهله كما تقع البهيمة وليكن بينكما رسول : القبلة والحديث .. وعن عائشة إن رسول الله إذا قبل الواحدة منا مص لسانها " .. إستشهاد بحديث شريف لوصف مشهد فاحش .. دا غير الألفاظ الإباحية التى تعج بها تلك الرواية القذرة
ضج مجلس الشعب بالضحك , حتى رئيس المجلس لم يتمالك نفسه وإستسلم لنوبة ضحك , ولم يكن سبب الضحك هو ما قاله العضو الإخوانى إستشهادا من الرواية محل الجدال , وإنما مبعث الضحك هو الطريقة التى كان النائب الإخوانى يقرأ بها , حيث كان وكأنه فى سباق للنطق بأكبر قدر من الكلمات فى أقصر زمن ٍ ممكن, ومال أحد النواب على زميله
- إيه الكلام الجامد ده
فرد زميله على الفور
- عايزين نلحق نجيب نسخة من الرواية دى نقراها لحسن يصادروها وما نلحقش نقراها

لم يبالى النائب الإخوانى رجب عبد الصبور بالضحكات من حوله وواصل كلماته
- ده يبأه إسمه أدب وفن يا سيادة الوزير ولا يبأة قلة أدب وسفالة وإنحطاط أخلاقى

بعد عدة طرقات عنيفة يعود بعض الهدوء تحت قبة البرلمان ويسأل رئيس مجلس الشعب بصوته الأجش
- الموافق على مصادرة رواية ( شبق الشهد ) وإحالة المسئولين عن صدورها إلى التحقيق , فليتفضل برفع يده
وقبل أن يرفع أحد يده .. تابع رئيس المجلس على الفور
- موافقة .. ننتقل إلى جدول الأعمال

تبدلت ملامح نواب الإخوان ومن ساندهم فى قضية رواية ( شبق الشهد ) إلى ملامح الرضا المشوب بزهو النصر .. إلا أن وزير الثقافة أبى أن ينتهى الأمر بهذا الشكل فقال قبل أن يغادر مكانه خلف المنصة الصغيرة
- كلمة أخيرة يا سيادة الريس
قالها ثم إبتسم مطرق الرأس وتابع
- من تحت قبة البرلمان اللى بيمثل الشعب .. أنا باعلن رفضى لمصادرة الرواية .. ليس للرواية فى حد ذاتها , أنا نفسى أرفض الرواية نفسها .. لكن دا مش معناه إنى أصادر الرواية .. كل واحد حر فى آرائه ومعتقداته , والقارئ هو اللى يختار ..ودفاعا عن مبدأ حرية الفكر .. أنا باتقدم لسيادة رئيس الجمهورية من مكانى هنا بإستقالتى من منصبى دفاعا عن مبدأ
عادت الهمهمات والتساؤلات ونهض أحد نواب الإخوان مقتربا من المايك المثبت على البِنش ليقول
- خيرا فعل الوزير إعترافا بخطأه وتقصيره فى حماية عقول شباب وطننا
قاطعه وزير الثقافة محتدا
- أنا لم أخطئ .. بل أستقيل إعتراضا على كبت وقمع حرية الفكر والإبداع
نهض مجددا النائب رجب عبد الصبور يصيح
- لسه برضه بتقول إبداع .. يا أخى ربنا يهديك .. إنت لسه بتقول إنك رافض الرواية

لم يتمالك الوزير نفسه ورفع سبابته مشيرا إلى النائب الإخوانى قائلا
- أنا رافض الرواية كقارئ , لكنى ضد مصادرتها كمسؤول عن الثقافة فى البلد .. ثم أنا ما ينفعش أواجه حاله من الجهل المستعصى و.....
وقبل أن يتم عبارته إرتجت القاعة على صوت النائب الجهورى يشق الهواء
- أنا جاهل يا ديوث
قالها وهو يخلع حذائه ويرفعه تجاه وجه وزير الثقافة وينتفض الجميع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

**************

كان المشهد السابق واحدا من مشاهد عديدة لحالة عامة من الجدال حول رواية ( شبق الشهد ) للكاتبة مها نعمان .. صارت هذه الحالة حديث الشارع المصرى طوال الفترة التى أعقبت صدورها .. خصصت برامج التوك شو مساحات زمنية واسعة لمناقشة الأمر .. فقطعا لن تجد برامج التوك شو أفضل من تلك القضية لحشو ساعات البث الطويلة على مدار الأيام السابقة .. ففى برنامج العاشرة مساءا إستهلت المذيعة منى حلقة اليوم قائلة
- حادث مؤسف يقع فى البرلمان صباح اليوم .. النائب رجب عبد الصبور يخلع حذائه ويرفعه فى وجه وزير الثقافة بعد مشادة كلامية بسبب تصديق البرلمان على مصادرة رواية شبق الشهد للكاتبة مها نعمان .. فى الحقيقة دى تانى مرة يتكرر فيها هذا الحادث بعد واقعة رفع الحذاء من قبل النائب طلعت السادات فى وجه أحمد عز رئيس اللجنة الإقتصادية بالحزب الوطنى .. أنا فى الحقيقة مش عارفة .. هل رفع الحذاء فى وجه الآخرين أصبح هو الطريقة المثلى للتعبير عن الرأى

لهجة المذيعة الجميلة ونبرة صوتها وحركة حاجبيها أثناء نطق الكلمات , أضفى على الموضوع لمسة فلسفية إلا أنك سرعان ما ستنتبه إلى خصلة الشعر السوداء الناعمة المنسدلة على جبينها حين تمد يدها لتزيحها جانبا قبل أن تشرع فى مناقشة الضيوف ويبدأ الجدال حول رواية ( شبق الشهد ) .. بضع ضغطات على الريموت لنرى المذيع معتز بنظرات ذاهلة تشعرك أن الأمر جلل , ولكن بطء الفهم البادى على وجهه يجعلك تتعاطف معه وهو يقول
- معانا سيادة النائب رجب عبد الصبور .. أهلا سيادة النائب
- أهلا أستاذ معتز
- بالتأكيد إحنا ما كناش نأمل أن يصل الأمر إلى هذا الحد
قالها معتز بنبرة حزينة آسفة , ليشرع النائب على الفور فى مقاطعته
- يعنى ينفع يا أستاذ معتز إن واحدة تكتب كلام جنسى فاحش وكفر وإلحاد ونقول عليها كاتبة .. ولما ندافع عن عقول شبابنا وأبنائنا نبقى جهلة ومتخلفين زى ما قال سيادة الوزير !!!

بضع ضغطات أخرى على الريموت لنرى المستظرف الظريف الإعلامى خفيف الظل منزوع الشعر عمرو يتهكم قائلا
- أنا بعد كده وأنا ماشى فى الشارع وحد ضايقنى هاقلع الجزمة وأرفعها فى وشه لا مؤاخذة , ماهوا دا النظام دلوقتى فى البلد .. ومش فاهم إيه الضجة والزوبعة دى كلها عشان رواية .. إيه يعنى رواية فيها مشاهد بورنو وصور أبيحة .. خلى الناس تعيش واللى مش عاجبه ما يقراش .. ولا إيه ؟!!

قال جملته الأخيرة وهو يضرب كفا بكف ويتلفت حوله وكأنه ينتظر إجابة لسؤاله من شخص غير مرئى

لكن المشهد الأبرز فى سلسلة مشاهد الجدال حول رواية شبق الشهد , لعله كان المحاكمة .

****************

الأستاذ أشرف أبو الفضل محامى الفضيلة كما يطلق على نفسه .. لا يفتأ يجوب أروقة المحاكم ولا يتوقف عن تقديم البلاغات إلى النائب العام دفاعا عن الفضيلة , وكان آخرها تلك القضية التى طالب فيها بالتحقيق مع وزير التربية والتعليم فى واقعة الحفلة التى أقامتها إحدى المدارس الثانوية الخاصة ورقصت فيها الراقصة دينا بملابس مكشوفة مثيرة للطلبة المراهقين .. وقطعا كان الأستاذ أشرف أبو الفضل فى طليعة كتيبة من المحامين المحافظين ومعهم محامين الإخوان المسلمين .. ملأوا الدنيا صراخا يندبون إنتهاك الأخلاق والفضيلة برواية الجريمة الأخلاقية ( شبق الشهد ) التى تمثل الفحش والفجور وتدافع عن الكفر والرذيلة فى بلد الأزهر الشريف

.. وبداخل قاعة المحكمة , نرى الأستاذ أشرف مرتديا روب المحاماه الأسود وقد إختفت عينيه تماما خلف عدسات نظارته السميكة وشعره الأبيض الأشعث جعله يبدو مثل كاهن إغريقى قديم .. إلا أن زبيبة الصلاة المنتفخة التى تتوسط جبهته تبدو وكأنها قطعة متفحمة من الجلد ملصوقة على جبهته .. وبلغة عربية خطابية فصيحة يزعق الأستاذ أشرف مطالبا نصرة الفضيلة والعفاف ودحض الباطل

- إن الباطل كان زهوقا

هكذا إختتم الأستاذ أشرف مرافعته أمام القاضى ومستشاريه بهذه الجملة , وارتسمت على وجه القاضى علامات الضجر والملل , وأشفق على نفسه من أن يمهل القضية مزيدا من الوقت , فحينها سيسمع مثل هذه المرافعات التى تجعل رأسه تتصدع , فآثر النطق بالحكم والذى هو عنوان الحقيقة , لتقضى المحكمة حكما غيابيا بحبس الكاتبة مها نعمان ستة أشهر وتغريمها خمسة آلاف جنيه وكذلك تغريم الناشر عشرة آلاف جنيه , كما قضت المحكمة بمصادرة جميع النسخ المطبوعة من رواية شبق الشهد بعد أن ثبت لهيئة المحكمة أن الكاتبة والناشر قد قاما بصنع وحيازة وترويج فعلا مخلا بالآداب العامة ويشجع على الفسق والفجور .

*******************

ما معنى أن نحمي عقول شبابنا وأبنائنا ؟ .. هل معناه أن يتم تلقينهم بالموروث الذى ورثناه , وحجب ما دون ذلك عن عقولهم .. أم الأنسب أن نعلمهم كيف يطلعوا على كافة المعطيات من حولهم , ومن ثم إنتقاء شخصياتهم وبناءها بأنفسهم .. مصادرة رواية شبق الشهد , لم يحمي عقول شبابنا وأبناءنا كم توهم البعض .. بل على النقيض تماما .. أصبحت الرواية أشهر من ثلاثية نجيب محفوظ , فبمجرد بدء الجدال حول الرواية , وإلا وقد تم رفعها على المواقع والمنتديات على الإنترنت .. وكلما إختفت من موقع , كلما ظهرت فى آخر .. هكذا توغلت الرواية وأصبحت فى متناول الجميع .. للدرجة التى جعلت بعض الشباب من المعجبين بالرواية بالقيام بكتابتها على الوورد وتداولها على أجهزة الموبايل بين الأصدقاء .. لقد نالت رواية شبق الشهد من القراء , ما لم تناله رواية أخرى فى السنوات الأخيرة .. حتى وإن إنقسم القراء بين مؤيد ومعارض .. إذن تجلى الفصام المجتمعي الذى نعيشه , فما حدث لم يؤدي إلا إلى العكس تماما .

لم تكن إستقالة وزير الثقافة مناصرة للرواية فى حد ذاتها , وإنما كان من أجل الدفاع عن مبدأ حرية الرأى والتعبير .. هو نفسه لم تروقه الرواية , لكن ذلك لا يجعله يحجر عليها .. وبعد تدخل عدد من الوزراء , تراجع وزير الثقافة عن الإستقالة وأذعن للأمر .


ما إن بلغ مها نعمان نبأ صدور الحكم الغيابى بحبسها وتغريمها , حتى أسرع محاميها بإستشكال الحكم فى دائرة أخرى .. وكان معلوما للجميع أن نظر القضية سيتأجل مرارا حتى تهدأ الزوبعة تماما .. وبعدها لن يكون هناك سوى غرامة على أسوأ تقدير .. حينما تلقت مها إتصال أسامة عز الدين من فرنسا لمواستها والشد من أزرها , وهو الذى أذن لها بالإستعانة بكثير من لوحاته داخل الرواية , حتى تذكرت مها أيامها في باريس , وقارنت بين العالم هناك والعالم هنا .. ساندها العديد من الكتاب والصحفيون حتى ولو لم يكن منهم متقبلا لما جاء فى روايتها .. لم تغادر شقتها لأيام تطالع الرسائل الشاتمة والمهددة لحياتها عبر الإيميل والموبايل .. لكنها لم تدرك جدية الخطر إلا عندما حضر ضابط من الأمن , وجلس إلى مها يطلب منها أن تظل بشقتها ولا تخرج إلا بعدما يأذنوا لها حرصا على سلامتها .. لم تتمكن مها من الصمود , وحصلت على موافقة زوجها سامي للسفر إلى فرنسا على أن تعود بعدما تخمد النار تماما .

*******************


إستقبلت فتحية أختها زينب بصدمة , فوجود زينب فى الحياة كان قد إنتهى بالنسبة لفتحية منذ أمد بعيد .. هما وحدهما من يعلمان أن دعاء بنت عربي الذى ظنت زينب حين وجدته أمامها أنه علم بحملها منه عن طريق فتحية .. لكنها حين وجدته لا يعلم ذلك .. أخبرته أنها هربت من حياتها الفقيرة وتزوجت وأنجبت دعاء قبل وفاة زوجها فى حادث .. بالطبع صدقها عربي فما قالته هو ما وصله من معلومات من قبل .. عادت زينب مع ابنتها دعاء إلى حوش الغجر لتقيم فى شقة إستأجرها لهما عربي .. وتقبلت فتحية الوضع لتمضى الأمور على هذا النحو .. تكفل عربي بكافة نفقاتهما ورغم قطار الزمن الذى دهس بعجلاته زينب , إلا أنها لازالت تحمل رونقا بالنسبة لعربي .. على الأقل إستعاد هيمنته الذكورية التى ضاعت بعدما هربت منه زينب منذ عمر دعاء .. هذا هو ما دفعه إلى أن يسعى لتعمل دعاء بأحد محلات القماش إستجابة لرغبتها في شغل وقتها بدلا من المكوث فى المنزل علها تجد صاحب نصيبه .. ولكن الغرض الأكبر لعربي كان إستعادة الأيام الخوالى مع زينب .. لا ينسى شبقها وغريزتها الجنسية المتوهجة .. فجاء إليها نهارا ودعاء غائبة فى العمل , وجلس على الكنبة يتطلع إلى وجه زينب الذى إنمحت معالمه بفعل الدهر .. الغريب أنها كانت تجلس إلى جواره تختلس النظر إلى وجهه باسمة , فلم تضح لها رؤية شئ من جراء ضعف نظرها .. إستعادت زينب العجوز لحظات شبابها .. ربما ذلك هو ما جعلها تلصق جسدها بعربي الذى أحاطها بزراعه يقول
- وحشتينى .. والله زمان يا زينب
أخرجت زينب من جيب جلبابها علكة , ودستها فى فمها تلوكها بدلال .. فبدت العجوز فى منظر يبعث على الضحك .. لكن قلبها لم يكن عجوزا فى تلك الأثناء بعدما أضاقت عينها تنظر لوجه عربي الباسم ويده تتحسس صدرها .. رغم سنها وما مر بها إلا أن غريزتها كان لابد أن تتحرك .. ضحك عربي يقول
- تعرفي إن ولا واحدة نمت معاها متعتني زيك
تأودت زينب بميوعة وأسرعت تلوك العلكة بمياصة بعدما أطربها إطراء عربي الذى وقف يخلع ملابسه ويقف أمامها عاريا يتدلى قضيبه .. ركزت زينب جيدا لرؤية قضيب عربي فاهتاجت وهى تمسك به تقول
- كبر عن زمان
قالتها ونزعت جلبابها وتعرت , وعلى الرغم من أن جلدها لم يكن مكرمشا ونحافة جسدها أخفت كثيرا من آثار الزمن , إلا أن شكل وجهها مع شعرها الأبيض الذى غطاه الشيب أعطاها منظرا منفرا .. لم يبالى عربي وهو يتحسس جسدها ووجهه محتقن بالشهوة التى كانت متأججة بفعل إحساسه بإستعادة أنثى فقدها .. وقال
- آه لو كانت أوشاشكم زي جسمكم يا بنات أم وحيد !
- يوه .. وهو أنت عاوز إيه من وشى
- معاكي حق .. أنا عاوز كسك يا بت
جملة عربي الأخيرة أعادت زينب بنتا صغيرة وهى تضحك بميوعة تنام على الأرض على ظهرها مباعدة بين فخذيها .. قبع عربي بجسده فوقها يحشر زبه فى كسها , ولما شعر بأنه يكتم أنفاسها .. تمدد على ظهره يقول
- تعالي زي زمان لتفطسى تحتيا
همت زينب بالجلوس على عربي الذى إستوقفها يقول
- ولا أقولك .. تعالي كده
جعل عربي زينب على أربع , وأصابه مرآه لطيزها مفتوحة على ذلك الوضع أن يعيث فى كسها حرثا لدرجة آلمتها , فقالت
- ما براحة شوية يا راجل .. هو أنا هاجرى منك
- أصلك وحشاني يا بت .. أختك خلاص ماعدش ينفع تتناك .. ومراتي التانية عاملة زى المعزة الوالدة .. كسها وسع بعد ما خلفت عيلين

إنفتح الباب لتدخل دعاء وهما على هذا الوضع .. رفعت زينب جسدها لتنهض , لكن عربى أحكم القبض على وسطها جاذبا إياه , ليظل قضيبه فى مهبلها .. لم يكن دخول دعاء هو ما يمكن أن يجعل عربي يتوقف .. ليس طبعا من جراء حالته المستعرة , ولكن لأنه يعلم حكاية دعاء التى إقتربت من أمها العارية التي تحاول التملص من عربي الذى لا يزال قضيبه يملأ كسها .. قالت دعاء لأمها
- يا ولية أفتكرتك عميتي عن الموضوع ده زيى ما عميت عينيكي .. إنتى لسه ليكي شوق
قالتها وهى تتجه إلى المطبخ لتعد طعاما تأكله دون أن تعبأ بشئ , ولما لا ؟ .. طالما إعتادت منذ صغرها على ما كانت تفعله أمها مع بائعي السوق .. وعندما كبرت ووعت الأمر , ظنت أن أمها كانت تفعل ذلك طلبا للمال .. لكن علاقة أمها بأحد الجيران دون وجود مقابل لم يكن له تفسير سوى أنها ترغب فى ذلك .. صحيح أن أمها لم تفعل ذلك منذ أن إنتقلا من القلعة إلى السيدة زينب .. لكن الموقف لم يشكل لدعاء أية مفاجأة بعد ما مرت به فى حياتها .. كانت زينب تحاول التملص من عربي وهى تقول
- كفاية يا عربي بأه .. أوعى البت جت
- بت إيه بس .. بنتك دى أنا نكتها قبل كده .. ولا هى كانت بتشتغل من وراكي
شهقت زينب , وهى تستجمع قوتها لتتخلص من يدي عربى القويتين القابضتين على وسطها بعدما سمعت ما قاله .. وتمكنت فى اللحظة التى كان عربي يقذف فيها من الوقوف تسرع بإرتداء جلبابها , ومنيه الذى تطاير يلطخ مؤخرتها .. جلست زينب على الكنبة ساهمة قليلا .. لكن ما الذى يتركه معرفة زينب أن عربي ضاجع ابنته وهو لا يعلم .. لا شئ .. من الطبيعى أن يكون لا شئ سوى بعض الشرود .. وسرعان ما إنتبهت على صوت عربي يقول لدعاء التى وقفت فى الصالة ولا تزال تمضغ آخر لقمة من غداءها
- ما تيجى يا بت
ردت دعاء تنظر لعربي بإشمئزاز وعيون متنمرة
- وهو أنت جبتنا هنا عشان تريحنا من الهم اللى كنا فيه , ولا عشان تنيكني أنا وأمي

أخرج عربي بعض المال وأعطاه لزينب قبل أن يغادر .. بينما جلست دعاء إلى جوار أمها .. رأتها تشيح بوجهها خجلا , فقالت
- يا لهوي ع الكسوف .. معلش يا حبيبتى دخلت عليكى وقطعت خلوتك .. المرة الجاية إبقى عرفيني عشان أرجع متأخر

إتجهت زينب إلى غرفة النوم وتمددت على السرير .. إن ما تعف عنه النفس البشرية السوية , يمكن أن تتقبله فى حال حدوثه .. ومن ثم تألفه وتعتاده مع الوقت الطويل إذا تكرر حدوثه مرارا .. لكن دائما تكون هناك لحظات يدرك المرء فيها بشاعة سلوكه ويجعله ذلك يتوجس النهاية التى يشعر أنها لن تكون أقل بشاعة .. تماما كتلك اللحظة الآن التى كانت زينب تستعيد فيها حكايتها .. لماذا عمدت إلى فعل ما فعلت مع زوج أختها عربي فى بادئ الأمر .. أختها الكبرى فتحية تزوجت عربي وأختها الصغرى وفاء تزوجت مصطفى .. وبقيت هى تبث أحقادها على نفسها قبل غيرها .. إنتقمت من نفسها , ولما أحست أنها فى حاجة لأن تكون أما مثل أختيها .. لم تأبه بأن تحمل من عربي وتهرب .. حتى هنا هى تدرك ما فعلته لأنها الوحيدة التى أحست به .. أما أن تمتد البشاعة إلى أن يضاجع عربي ابنته , فإن ذلك يشعرها أنها ليست مصادفة .. بل هناك عقابا قادما على ما فعلته .. هواجسها طوال سنوات عمر دعاء تؤكد ذلك .. ترى أى عقاب ستناله على ما فعلت ؟ .. هذا ما كانت تفكر فيه زينب .. تمنت لو ينالها أي شئ دون أن يمس دعاء .. فما ذنبها هى ؟ .. نهضت من فراشها وخرجت من الغرفة تبحث عن دعاء , فوجدتها فى غرفتها نائمة .. رقدت على السرير إلى جوارها تحضن ظهرها .. تنبهت دعاء فإستدارت تحضن أمها .. تأملت زينب وجه ابنتها ونامت تبكي فى صمت .



منذ اليوم الذى رأت فيه دعاء أمها مع عربي .. لم يكن الأمر ذي بال , لكنها شعرت أنها تحتاج هى الأخرى لما إحتاجته أمها .. ورثت الفتاة عن أمها غريزتها الشهوانية المستعرة , ولم تفطن دعاء لإلحاحها إلا بعدما توقفت عن لقاء زبائنها منذ أن جلبها عربي مع أمها إلى حوش الغجر .. لم يعد أحد يطلبها من زبائنها بعدما إمتنعت عن الرد لفترة طويلة .. كادت مرة تبادر هى بالإتصال بأحد زبائنها طلبا للجنس الذى إشتاقت إليه .. وذات ليلة كانت جالسة تتابع التليفزيون وأمها نائمة , رن الموبايل .. نظرت فى الشاشة المضاءة لتجد اسم عاطف .. ترددت كثيرا قبل أن ترد .. لكنها فتحت الخط .. لم يمضى الكثير من الوقت حتى كانت بداخل المحل على الكورنيش مع عاطف تحت لمبة نيونية واحدة مضاءة .. وباب المحل الصاج مغلق لنصفه
- فين أراضيكي يا بت .. إختفيتي كده مرة واحدة .. أنا قلت إنك مش هاتردي ع الموبايل
- كنت مسافرة
- حمد الله ع السلامة يا جميل .. مالك إحلويتي كده ؟
قالها عاطف وهو يتحسس مؤخرتها , فقالت دعاء بصوت خفيض
- لأ .. مالكش دعوى بدى الليلادي
- ليه بس كده .. دا طيزك دى هى اللى خليتنى مش قادر أنساكي
إقتربت دعاء بكرسيها من عاطف تطل من عينيها نظرات الشهوة , وقالت بصوت مثير
- أصل أنا ليا مزاج أوى الليلادي
صاح عاطف
- تعجبيني .... أنا أموت فى البت لما يجيها مزاج للنيك
أشعل عاطف سيجارة حشيش , وتابع
- بس ده ما يمنعش .. أديكى مزاجك وأكيفك .. وبعد كده إديني طيزك
زمت دعاء شفتيها وقالت
- يادى النيلة .. بتاعك كبير وبيوجعني من ورا
ضحك عاطف مزهوا وقال
- سيبيلى إنت نفسك بس .. طالما طالبة معاكي وليكى مزاج أنا هاكيفك
قالها ونهض يخلع ملابسه وتبعته دعاء التى رأت شواية كهربائية يصطف من فوقها عدد من الأسياخ الحديدية لها سنون مدببة .. إقتربت منها تتفحصها وسألت
- بتبيعوا الشواية دى بكام ؟
- دي غالية شوية .. عشان دى شواية فحم وكهربا إتنين فى واحد

أزاحت دعاء وهى تجلس القرفصاء عارية أسياخ الشواية جانبا , تتطلع إلى معدنها وأمسكت سيخا تكحت به باطن الشواية تعاين إن كان سيتحمل لهيب الفحم أم يتلف سريعا .. وصاح عاطف الواقف عاريا ممسكا بقضيبه يدلكه يلهث
- شاغله أمك بالشواية دى ليه .. ودا وقته ؟
- إيه .. هاشتريها
- مع إنها بربعميت جنيه .. بس يالا يا ستي .. إعتبريها هدية .. إبقى خديها معاكي وإنتى ماشية
هكذا قال عاطف وهو يسن قضيبه .. فتركت دعاء السيخ منتصبا على حافة الشواية , وساعدت عاطف في فرش بعض قطع الكراتين على الأرض .. بالفعل كان عاطف صادقا حين قال لها أنه سيمتعها , فقد أمعن فى حفر مهبلها وإعتصار ثدييها .. تجاوبت دعاء إشباعا لجوعها الجنسى .. مما دفع عاطف إلى نهزها بقوة بعدما رقدت على ظهرها وأحاطت جزعه بقدميها .. إنتشت دعاء بمتعة حقيقية .. جعلت عاطف متوهجا يلاحق أنفاسه , وهو يقول
- ياللا بأه فلقسي
فعلت دعاء بوجه ممتعض , وقبل أن يضع رأس زبه على شرجها هتفت
- إستنى
قالتها وهى تبصق على كفها وتريق شرجها , وتدفع بأصبعها فيه لتوسعه , فصاح عاطف ضاحكا
- بتبعبصى نفسك وأنا موجود
دفع عاطف بأصبعه يساعد دعاء على إرخاء شرجها الذى إتسع قليلا .. وبمجرد أن أحست دعاء بقضيب عاطف على شرجها .. خفق قلبها بعنف وتهاوى بين ضلوعها إثر صوت إنفتاح الباب الصاج للمحل وطرقات عنيفة على الباب الزجاجي الداخلي .. لم يكن عاطف بأقل من دعاء فزعا وهو يرى أخاه هانى يكاد يكسر الباب الزجاجي .. توقف هاني عندما رأى عاطف يرتدي ملابسه إستعدادا لفتح الباب .. ما إن فتح هانى الباب من الداخل حتى إندفع هاني كبركان وصوته يهدر فى أركان المحل
- والعذرا والمسيح الحي ما أنت مهوب ناحية محل تانى يا كلب يا نجس .. إنت إيه يا أخي .. قلبت المحلات ماخور
لم تفلح أية محولات لعاطف فى إحتواء غضب أخيه الأكبر الذى ظل يتوعده بإخبار أبيه ويقسم على ألا يجعله يطأ محلا من المحلات مرة أخرى .. عاطف أخذته العزة من إهانات أخيه المتتابعة .. وصاح غاضبا
- إيه يا عم .. أنا ليا فى مال أبويا زي ما أنت ليك بالظبط .. أنا حر أعمل اللى أنا عاوزه
نشب شجار بالأيدي بينهما .. إندفعت دعاء بعدما إرتدت ملابسها للفرار .. لكن هاني أمسك بها ينهال عليها لطما
- يا بنت الوسخة يا شرموطة
جذب عاطف دعاء لتخليصها من هاني .. جرت للداخل مجددا تلطم وجهها تبكي .. إضطر عاطف لدفع أخيه حتى لا يصل لدعاء , فترنح هانى وسقط فوق دعاء التى سقطت أرضا على ظهرها ليخترق سيخ الشوية رقبتها من الخلف وينفذ خارجا من الأمام .


كان الأمر يحتاج إلى تدخل عاجل من الأب الذى حضر على الفور بعدما تلقى إتصال هاني , وعرف بحقيقة ما حدث .. لم يطق أبو هاني منظر الدم المنساب الذى غطى أرضية المحل .. خرج يجلس فى سيارته وأمضى قرابة الساعة يتصل بجميع معارفه قرب الفجر ليعرف ما يتعين عليه فعله .. وحضر محاميه سريعا عند الفجر , وكان حتميا إبلاغ الشرطة .. فالموضوع لا يعدو كونه قتل خطأ , وقضية آداب .. هذا هو الحل الأمثل , لكن أبو هاني قال متنهدا وملامح المصيبة تكسو وجهه
- البت مسلمة والدنيا هاتولع
رد محاميه بنبرة متحدية
- إذا كانت هى مسلمة .. فإحنا كمان مسيحيين


* * *

شاهد مراد الدوغري الشريط الذى وصله لما كان يفعله القس السابق عادل برسوم مع سارا غير مرة .. يشعر بزهو لأنه ربح رهانه .. لم يعد يأبه بأن عادل لم يكرر زيارته لسارا .. يكفيه أن يملك فيدو مسجلا لقسيس بكامل ملابسه الكهونتية يمارس الجنس مع إمرأة أرمينية .. حتى لو لم يكن الأمر يحمل اية أبعادا سوى أنها علاقة جنسية , لكن هذا الشريط مكمن قوة , قد يحتاج إليها يوما ما .. أغلق ملف عادل وسارا مستمتعا على أمل البدء فى إعداد ملف جديد .. فى هذه الليلة إستيقظ مراد الدوغري رئيس مباحث المنطقة على ما حدث .. ومع إشراقة الصباح كان يترأس فريق البحث لمعاينة مكان الحادث , وبدء التحقيقات .


إستيقظت زينب منقبضة الصدر هذا الصباح , ولم تجد دعاء على فراشها ولا حتى أثرا لكونها نامت عليه بالأمس .. أسرعت تعدو إلى عربي الذى عرف بما حدث فى أقل من ساعة .. وكان عربي واحدا ممن إستعان بهم مراد الدوغرى بالطبع فى تحقيقاته للوقوف على سيرة الفتاة .. ليس لأن عربي كان متابعا للقصة من بدايتها فحسب , ولكنه أيضا زوج خالة القتيلة .. غريب أن أقوال عربي جائت بكل ما عرفه حقيقة ً عن أن دعاء عاهرة , وسبق له رؤيتها بصحبة عاطف .. مما دعم من موقف هاني وعاطف , ولم يذكر عربي أن الفتاة توقفت عن عملها حين جلبها إلى حوش الغجر .. كراهية عربي للمسيحيين هى التى جعلته يفكر فى الموضوع على نحو مختلف .. لا يهمه إن كان قتل دعاء جاء خطئا أم متعمدا .. يفكر فى أبو هاني الذى أودعه الأحداث صغيرا , والآن تسبب ابنيه هاني وعاطف فى مقتل ابنة زينب التى تلقته وهي فى حالة هيستريا وسط النسوة المتشحات بالسواد حولها
- بنتك إتقتلت يا عربي .. قتلوا بنتك يا عربي .. أنا السبب .. أنا السبب
تلطم وجهها وتخبط صدرها بحركات هيسترية مجنونة .. لدرجة أن أظافرها كانت تمزق جلد وجهها .. لم يكن بدا من أن تفقد زينب عقلها ويتم حجزها بأحد المستشفيات .. فى الوقت الذى باءت فيه الفضيحة , وعرف عربي من زوجته فتحية أن زينب حملت منه قبل هروبها .. أسطورة عربي إتخذت أبعادا جديدة بين الناس وهم يرددون سيرته وحكايته مع أخت زوجته .. مزيج من العار والهوان جعل عربي يري فى نظرات الجميع الإزدراء الذى لم يتجرأوا يوما على إظهاره .. الآن فقط يشعر بشماتة الجميع , حتى أنه لم تعجبه طريقة أحدهم يعزيه ونبرة الشماتة تغلف صوته وعينيه .. مما دفع عربي لينهال عليه ضربا , فاستدعاه مراد الدوغري ليقرأ ما يعتمل بصدره .. تمكن عربي من التعامل مع الموقف بشكل جعل مراد الدوغري لا يخشى رد فعله .

أما أبو هانى فقد تحرك على كافة المستويات والأصعدة خشية أن يتم النظر للأمر بعين الفتنة الطائفية , ويتورط هاني وعاطف بعيدا عن حقيقة ما فعلوه .. فدفع الكنيسة لإنتداب عدد من أكبر المحامين الأقباط , فى الوقت الذى لم تتدخل فيه جهة مسلمة لأن التحقيقات التى تم إعلانها قطعت بأن البنت كانت عاهرة .. وكعادة ما يحدث فى مثل تلك الأمور , كانت التحقيقات تسير تحت إشراف مدير للمخبارات , حتى يتم وضع الموضوع فى إطاره وعدم الجنوح به إلى فتنة بين المسلمين والأقباط .. لكن ذلك إن كان هدأ من حدة الأمر على المستوى الإعلامى من برامج وصحف .. لكنه لم يمنع الألوف المؤلفة من الشباب القابع عبر الشبكة العنكبوتية فى مواقع ومنتديات الإنترنت من التوغل بعيدا عن حقيقة الحدث .. بزغ مجموعة من الأقباط على رأسهم شاب حمل إسم ( محمد مش رسول ) والذى إعتاد على تصميم الكليبات والفيديوهات المسيئة للإسلام والمسلمين , ردا على إنتقادات المواقع الإسلامية للكتاب المقدس والمسيحية وإبراز ما اسموه بإباحيات الكتاب المقدس .. سار هؤلاء وراء أحمد ديدات , وتبع هؤلاء زكريا بطرس , ليتأجج جدال محموم يسعى فيه كل قطيع لهدم الآخر وإثبات صدق معتقداته .. لماذا يبني المؤمن إيمانه على هدم معتقدات الآخرين , ويلقي بعقله عندما يقترب من غيبياته .. هكذا يدفع الجهل والتخلف إلى طاقة زائفة لنصرة واهمة .. من الطبيعي إذن أن تحمل حادثة دعاء مادة خصبة لإشعال الجدال وترديد الشعائات خلافا لحقيقة ما حدث .. ليتحول الأمر من قبل الأقباط من ساحات الإنترنت إلى مبادرات إيجابية بالتجمهر والتظاهر السلمي أمام الكنائس مساندة لهاني وعاطف وضمانا لحصولهم على محاكمة عادلة , وعدم ذبحهما من أجل مسلمة عاهرة , وعلى الفور يتحرك الجانب الآخر لنصرة الفتاة المسكينة مؤكدين أنها لم تكن عاهرة , وما تردده تحقيقات النيابة مجرد أكاذيب لإخفاء الحقيقة خوفا من الأقباط المدعومين من الخارج .

تحرك الأمن يضرب بقوة لمنع التجمعات والمظاهرات , وإخماد النار المشتعلة قبل تأججها .. طالت جلسات المحاكمة ليمل الناس من الحكاية وتهدأ الأمور .. وعلم الجميع أن القضية تسير تجاه القتل الخطأ لا أكثر .


المشكلة أن الشباب القبطي ربما وجد فى خروجه فى مظاهرات ومسيرات , تفريغا لطاقة مكبوتة من جراء شعورهم الدائم بالإضهاد , وأنهم أصحاب البلد الأصليون قبل أن يحتلها المسلمون إحتلالا إستيطانيا بقيادة عمرو بن العاص .. فما لبثت تظهر المظاهرات مجددا بعد فترة .. يطالبون بمنح الأقباط حقوقهم المهدرة ووقف الإضطهاد مستعيدن صورا لذكريات مذبحة الكشح الشهيرة .. ولكن ما جعل الأمور تتفاقم هو وصول أنباء لدى الجهات الأمنية أن هناك سلطات كنسية تدخلت فى الموضوع , واستغلت حماسة الشباب القبطي باللعب على وتر الإضهاد والحقوق الضائعة , ومن ثم توجيهم .. هنا كان لا يمكن للأمن سوي أن يتدخل .. ذهب مراد الدوغرى إلى مبني المخابرات يتملكه إحساس بالسيطرة والمتعة والزهو , وأنه حتما سيقطع مساحة واسعة لفوق فى حال قبول مبادرته التى جلس يقدمها أمام مكتب مديرا مخباراتيا هاما , وبصحبتهما لواء من أمن الدولة .. شاهدوا ثلاثتهم الشريط الذى يجمع عادل برسوم بسارا , ولمعت العيون وصاح مراد متقمصا دور الزعيم
- مش كفاية كل يوم والتاني يطلع قسيس ولا راهب مشلوح من المعارضين لشنودة , يفضح اللى بيحصل فى الأديرة والكنائس .. مخدرات بتتباع جوا فى الكنائس وزنا ونصب وإحتيال , وسرقة ونهب لإيرادات الأديرة , والحكومة بتعتبر دا شأن خاص بالأقباط وسيباهم .. إنما يعيشوا فى الدور ويحركوا العيال تطلع فى مظاهرات والكلام ده .. يبقى لازم نقف لهم
هكذا قال مراد الدوغري ليتلقى طرف الحديث مدير المخابرات
- فعلا .. الظاهر إنهم مش فاهمين إن الحكومة عارفة كل حاجة وسيباهم بمزاجها
تدخل لواء أمن الدولة
- بدل ما يحمدوا ربنا ويبوسوا إيدهم وش وضهر .. يعملوا مظاهرات وعايزين يبنوا كنايس .. البلد كلها بقت كنايس .. فاكرين نفسهم مسنودين من الغرب وهايستقوا علينا
- الشريط ده نصعده للقيادات
هكذا قال عادل قبل أن يعقب مدير المخابرات
- لأ مافيش داعي نورط القيادات .. الموضوع مش محتاج
صمت يرنو للفراغ قبل أن يتابع
- حرك بلاغ من مجهول للنيابة وإبعت نسخة من الشريط .. يحققوا مع القسيس والست الأرمينية دى .. وسربوا الشريط للإعلام .. كفاية عليهم كده
إبتسم لواء أمن الدولة قائلا
- ده يخليهم يعرفوا كويس إننا سايبنهم بمزاجنا .. ويتبطوا ويهمدوا شوية

قال مدير المخابرات متداركا
- بس دا هايخليهم يهيجوا فى الأول
مسرعا عقب مراد الدوغري
- أنا عندي واحد هايشيل الليلة .. وبالمرة نخلص منه

*******************


كان أمجد يشعر بسعادة شامتا فيما حدث لأمه عقب صدور روايتها .. وكأنه بهذه الشماتة يدفن تحتها إحساسه بالعار من جراء ما تكتبه أمه .. فرح كثيرا بعدما سافرت إلى فرنسا , وعاث مع خالته أمانى فى دفن أحزانهما فى أجساد بعضهما .. لم يعبأ أى منهما بوجود سامي الذى إستشعر شيئا ما بينهما لكنه لم يشغل باله .. كان أمجد جالسا أمام الكمبيوتر يرتاد المواقع والمنتديات الرياضية ويشارك بمواضيعه متوحدا مع هذا العالم حتى الثمالة , وإلى جواره التليفزيون مفتوح يستمع إلى أحد البرامج الرياضية اليومية .. دخلت عليه أماني تحمل صينية الطعام .. تناولا الطعام معا يتبادلان إطعام بعضهما كحبيبين عاشقين .. تبدو أماني فى أبهي صورها حيث صبغت وجهها بمكياجا هادئا جذابا مثيرا .. وإرتدت سوتيانا تحت جلبابها يضم ثديهها ليظهر عامرا بارزا للأمام .. وصففت خصلات شعرها لتخفى صلعتها من جراء الشعر المنحول عند مقدمة رأسها , وكما إعتادت , تشب برأسها لأعلى حتى لا يظهر فرط قصر رقبتها .. كلما كان أمجد يغازلها كلما شعرت بأنوثتها التى أضاعها القدر .. أماني التى تجاوزت الأربعين من عمرها لم تعد تأبه لا بفارق الإثني عشر عاما بينها وبين أمجد ولا كونه ابن أختها .. تشعر به حبيبها الذى تمنته , ورجلها الذى طالما تمنت أن تتلمس خلاله أنوثتها المفقودة .. كان أمجد يشعر بذلك فدأب على منح خالته ما يشعرها بأنوثتها من فيض الحب والحنان قبل أن يطأوها .. بات الجنس بينهما درجة قصوى من الحميمية , يندمل معها كل شئ تحت جحافل اللذة والمتعة الفائقة .. أن يعبر قضيب أمجد لمهبل خالته أماني , هى اللحظة الأخيرة التى تأتى بعد أن يؤرجح ثنايا جسدها مداعبا يتغزل فيها , فتطربه ضحكاتها المائعة وتدللها .. ما أن تغوص حلمة ثديها فى فمه , حتى ترى رضيعها الذى لن يأتى أبدا على حجرها تطعمه .. تلسعها دفقات منيه على جدران مهبلها وعنق رحمها , بذور للحياة تموت بداخل أرضها الجدباء .. كم تمنت لو نبتت بذرة من تلك ومنحتها أمومة لن تحصل عليها .. هذه فقط هي اللحظة التى تفيق فيها أماني ويتحول وجهها من المتعة والسعادة إلى التجهم والعبوس .. يشعر بها أمجد فيفيض عليها من نفحاته .. يحتضنها بقوة يجعلها تستنشق أنفاسه .. يبكي على صدرها .

إستيقظ أمجد فى صباحه , وذهب لعمله فى البنك , وبعدما إنتهى أسرع لمقابلة أصدقاءه وزملاءه المشجعين أمام صالة الملك فيصل الخاصة بالنادي الأهلى لحضور مباراة كرة اليد بين الأهلي والزمالك .. تفاجأ بمنع أمن النادي لدخولهم وسماحهم لمشجعي الأهلى بالدخول والتعلل بأن الصالة قد إمتلأت .. ربما الأمن قد فعل ذلك بدافع ما حدث سابقا .. حيث يقوم جمهور الأبيض بتكسير كراسي الصالة وتحطيم كل ما تطوله آياديهم سواء أكان فريقهم خاسرا أم فائزا .. التكسير والتحطيم لمجرد أن الصالة تنتمى للجهة الحمراء .. ويرد الجمهور الأحمر الدين فى مباراة العودة بتكسير صالة الزمالك .. هذا ما دفع الأمن لتقنين عدد الجمهور الأبيض بداخل الصالة ليسهل السيطرة عليه .. لكن ذلك بالطبع لم يعجب أمجد ورفاقه , فبدأوا بالإشتباك مع الأمن وتطور الأمر إلى صراع .. لم يكن أمجد الذى جرب ذلك من قبل أن يفوت الفرصة .. جعل هؤلاء الشباب من تشجيعهم إلى هوس , وأوروثهم شعورهم بالضياع وفقدان الهدف والقيمة والبطالة وصعوبة المعيشة آمالا زائفة فى بطولات رياضية .. وعندما غابت البطولات عن ناديهم , كان لابد من إيزاع ذلك إلى إحساس زائف بالإضهاد , وأن نادي الزمالك يتم التآمر عليه من الأحمر , رافعين شعار : حمرا يا بلدي .. فدفعهم الإحساس الزائف إلى الإنتقام .. ساروا فى تجمهر كبير يهتفون
- هيلا هيلا وهيلا هيلا هو .. الأهلى كس أمه
يحطمون ويكسرون ويقذفون بالحجارة كل ما يعترض طريقهم أثناء توجهم إلى مقر النادي الأهلي القريب .. يمسك أمجد بعصا وينهال على زجاج السيارات الموجودة أمام بوابة النادي , يصرخ بهيستريا .. يلقي نقمته وإزدراءه لأبويه وينهال عليها تحطيما .. تسلق أحدهم ونصفه الأعلى عاريا ليقف على سور بوابة النادي الأهلي يهتف بشتائم وسباب ضد الأهلي , وترى علامات وجهه وصيحاته وهو يهتف لرفعة ناديه , وكأنها واقف على قبة المجد بعد الإنتصار فى معركة الدفاع عن الأرض والشرف .. تمكنوا من تحطيم البوابة واندفعوا إلى داخل النادي الذى أصاب الذعر أعضاءه وهروا يبتعدون .. دخل المنتصرون المظفرون يلوحون بأعلام الزمالك هاتفين بأصواتهم كهزيم الرعد .. وجرى أحدهم يغرس علم الزمالك وسط الحشائش فى قلب حديقة النادي ويصرخ كمجنون ليعلن الإنتصار العظيم .. وصل الأمن أخيرا , ورغم أن من يقع فى أيدي الأمن , كان ينال من الضرب والسحق ما يمكن أن يودي بحياته , إلا أن ذلك لم يمنع الباقين من مواصلة التكسير والتحطيم .. هرعوا يبتعدون وصاروا بشارع جامعة الدول العربية يترجلون .. وفجأة ودون سبب واضح تحولت هتافاتهم وشتائمهم إلى الحكومة .. ربما زهدوا شتم الأحمر , أو بدأ مكبوتهم يتخذ مساره نحو حقيقة ما يشعرون
- الجوز الخيل .... طم طم طم .... والعربية ..... طم طم طم ... كس أم الحكومة المصرية
هكذا كانوا يهتفون , وتفننوا فى سب البلد والحكومة والنظام حتى طالت الشتائم رئيس الجمهورية نفسه


بعدما خرج مشجعي الأهلى من الصالة بعد المباراة , ووسطهم سيد مصطفى بعدما باع كمية لا بأس بها من الترامادل .. علموا بنبأ إحتلال الأهلى من قبل مشجعي الزمالك .. فأسرعوا للإنتقام بإحتلال مقر الزمالك , لكنهم وجدوا عربات الأمن المصفحة تحيط بالنادي , وجاءهم خبر مسيرة مشجعي الأبيض فى شارع جامعة الدول العربية .. فاتجهوا لملاحقتهم ومعاقبتهم .


لحق مشجعي الأحمر بمشجعي الأبيض , وبدلا من أن تبدأ المعركة , إذا بالطائفتين تنسجمان معا فى سب النظام الحاكم , وأطلقوا لأنفسهم العنان , ومع أول بادرة لظهور عربات الأمن المركزي المصفحة .. تبخر الجميع وخلت الطرقات تماما .

عاد سيد مصطفى بعد ما حدث إلى شقته ليصطحب ريم ليتزوجها الليلة , كما أقنعها ووافقت .. ولكنه لم يجدها فى الشقة .. جمعت كل حاجياتها وغادرت أو بالأحرى هربت .. ألقى سيد بجسده على الكنبة فى الصالة يفكر .. هى إذن لم تقتنع بمبرراته ورأتها زيجة فاشلة قبل أن تبدأ .. خطر له أن يذهب للإسماعيلية لملاحقتها , هو لا يعلم لها عنوانا , لكن سيبحث عنها فى قريتها .. ربما لم تذهب ريم إلى الإسماعيلية .. هكذا خطر له , وحتى لو وجدها هل ستوافق على الزواج منه .. كان يتمنى أن تعلن عدم موافقتها على الزواج , ليقضى حياته معها على هذا النحو كما هى بدلا من أن تهرب .. لا يكف عن تدخين السيجارة تلو السيجارة .. تتصاعد أدخنتها وتعبق الأجواء كما لو كانت تجسد فشل حياته الوضيعة .. ماذا يفعل ليرضى عن حياته ؟ .. نظر حوله .. ها هو عاد وحيدا كما كان .. سيصارع الحياة وحده .. بل أية حياة تستحق أن يصارعها , تمني لو تخلص من حياته .. هرب من إحساسه بوضاعة حياته لأنه ابن بائع الكسكسي الفقير , تخلص من إزدراءه لنفسه وجمع المال يبيع الترامادول , ليرى الإزدراء فى عيون ذوييه , فيعود أكثر إزدراءا واحتقارا لحياته .. هذا ما كان يعتمل بداخله .. هدأ قليلا وهو يتخيل أباه وأمه وإخوته .. يشعر أنه يحتاج إليهم الآن .. لم يكن أحد ينظر إليه بإزدراء فى حياته الأولى .. هو وحده من كان يحتقر نفسه .. والآن لم يعد هو من يحتقر نفسه فحسب , بل يحتقره الجميع .. يا الله .. جرفه حنين غامر لأن يرى وجه أبيه القانع ووجه أمه الحاني .. بكى بحرقة كالأطفال , وأسرع يحث خطاه .

وقف الحاج مصطفى يلملم حاجياته من على عربة الكسكسي بعد إنتهاء يوم شاق من العمل , ووفاء تحمل الصواني والأطباق .. وإذا بسيد يقف أمامهما بعيون دامعة .. ولم تكن هناك كلمات .. فقط دموع .


إقرأ الباقى

ضع عنوان إيميلك ليصلك الجديد :


رواية جدال بقلم محمود مودى الفصل 16

-16-

عربى هو الآخر كان شاردا , حين إتجه بسيارته إلى ورشة سيارات لإصلاح ما أصابها بعد الإصطدام بسيارة سامى .. يفكر فى زميل الفصل فى الإبتدائية ويتسائل لماذا لم يسلك هو نفس طريقه ؟ .. هل لأن أبوه لم يكن موظفا مثل والد سامى .. هل لأنه كان بليدا ولم يستذكر دروسه ففشل فى إستكمال تعليمه .. شعر ببعض النقص , لكنه إستعاد أنه الآن أفضل من سامى .. ولما لا ؟ إذ أنه سبه ووصفه بالحمار والأعمى دون أن يقدر سامي على الرد عليه .. حتما كان خائفا من سطوته وقوته .. لو لم يكن يعرفان بعضهما , لفتك عربى به وطرحه أرضا , وجعله يدفع أضعاف ما تحتاجه السيارة لإصلاحها .. هكذا قام عربى بتعويض إحساسه ببعض النقص بعدما قابل سامى .. وإمعانا فى تعويض نقصه , ترك سيارته فى الورشة وترجل سائرا إلى ناصية الشارع .. هناك حيث عربة الكسكسى التى بات ثلثها مدفونا تحت الأرض بفعل الزمن , ويقف الحاج مصطفى وإلى جواره الحاجة وفاء يزاولان عملهما بهمة ونشاط
- إيه يا أبو نسب
قالها عربى وهو يسحب كرسيا ويجلس إلى جوار العربة الخشبية , فى الوقت الذى كانت وفاء تشيح بوجهها ممتعضة تتمتم كعادتها كلما رأت عربى .. تناول عربى طبقا من الكسكسى المحلى بالزبيب وجوز الهند .. وأمعن وهو يأكل فى النظر إلى وجهي وفاء ومصطفى ليدرك أنه الأفضل .. هو يملك المال ويعيش حياة لا تقارن بتلك الحياة الفقيرة التى يعيشها مصطفى وزوجته وفاء والتى جعلتهما رغم عمرهما الذى تجاوز الخمسين , يظلان أمام عربة الكسكسي يكدان من أجل الرزق .. يتذكر عربى يوم كان يلح على مصطفى لإقتراض بعض المال فيأبى .. شعر عربى بالزهو وبان ذلك على محياه .. لكن إمعانه الشديد فى تأمل مصطفى ووفاء هذا الصباح , قفز به إلى منحى جديد .. الحاج مصطفى إذا ذكر أحد من العامة اسمه , فدائما ما يكون مصحوبا بهالة من المديح والثناء لرجل يكد على رزقه بشرف منذ سنوات مديدة , وزوجته تسانده وتعاونه وتشد من أذره .. تزوجت ابنته الكبرى وتعلم أبناءه .. لكن إذا حضرت سيرة عربى العطرة , ترى ما يقوله عنه الناس ؟ .. تحول زهو عربى إلى غضب , وتذكر سيد الذى طالما كان ناقما على فقر أبيه , فصاح عربى وهو يمضغ الكسكسى فتناثر فتاته من فمه أثناء الكلام
- ألا هو سيد مش باين ليه ؟ .. هو مسافر بره مصر ؟
قالها عربى بنبرة شامتة .. وبالفعل جرف ذلك السؤال الحاج مصطفى لكى يتذكر سيد الذى لم يعد يأتى لزيارتهم أو حتى يواظب على إتصال دائم
- شغله فى شرم الشيخ واخد كل وقته .. ربنا يصلح له الحال
قالها الحاج مصطفى وهو يتذكر سيد .. ابنه سيد الذى أشعره فراقه وهجره بوضاعة شأنه .. الحاج مصطفى طالما كان فخورا معتزا بنفسه , لا يعيبه كونه بائعا للكسكسى على مدار ثلاثين عاما , ما من شئ يمكن أن يجعله يشعر بفقره وبؤس حاله إلا عندما يفكر فى ابنه سيد .. وفاء لم تمنع دمعتين إنسابتا حنينا لإبنها .. شعر بها مصطفى فالأثير بينهما يعبر بأفكارهما دون كلمات , وربما دون نظرات .. ليظهر أمامهما ابنهما الأصغر الذى سيتخرج من كلية الهندسة
- عنك يا آبا .. إستريح إنت شوية .. وإنتى يا آما إطلعى بأه أنا جيت خلاص .. شوفى إيه اللى وراكى فوق
قالها وهو يتناول الكبشة من أبيه ويقوم بملأ الأطباق بالكسكسى ومناولتها للزبائن .. هى الحياة التى تجمع الأضداد لتتكامل الصورة .. فدائما خير وشر ونور وظلام .. ربت الأب على كتف ابنه وجلس يستريح يرقبه بزهو .. بينما وضع عربى طبق الكسكسي على الأرض ولم يكلف نفسه بوضعه فى جردل الماء المثبت على جانب العربة كما يفعل الزبائن .. وتعمد أن يخرج ورقة فئة عشرين جنيها , ويقترب ليضعها فى جيب الابن الذى أبى أن يأخذ إلا ثمن طبق الكسكسى .


ظل عربى بجسده الذى تعاظمت تقاسيمه من جراء مواظبته على التمرينات فى صالة الحديد التى يملكها فى بيت أم وحيد القديم .. يدور على المحلات يجمع الإتاوة المقنعة .. فى الليل جلب سيارته بعد إصلاحها وطاف بها المنطقة بصحبة صديقيه ماهر و بربرى .. يدخنون الحشيش ويجرعون البيرة , حتى أتاه إتصالا من أحد أعوانه بأن الباب الصاج للفرع الصغير على الكورنيش لمحلات أبو هانى نصف مغلق , وإضاءة خافتة تنبعث من الداخل , فقال عربى لصديقيه
- ابن المتناكة الكفتس اللى اسمه عاطف ما بيشبعش نيك
قالها وتوجه بسيارته لمراقبة المحل .. وصل فى الوقت الذى كان عاطف يخرج ومعه دعاء وركبا السيارة .. نزلت دعاء بجوار مقام السيدة زينب , وظل عربى يتبعها , حتى خطرت الفكرة فى رأسه .. دنا منها بالسيارة عارضا خدماته , فأبت وتمنعت .. نزلوا وأحاطوها وسط الليل
- هاتصوتي وتلمى علينا الناس .. هى ديتها غزة وتكونى فى خبر كان
قالها عربى وهو يشهر مطواة فى وجه الفتاة المرعوبة وتابع
- ماتخافيش .. إنتى هاتيجى معانا وهانديكى اللى بتاخديه
خطر لدعاء , أيكون شكلها مفضوحا لهذه الدرجة .. أم أنهم يعرفون أنها شرموطة .. تفحصت وجوههم فلم تتعرف على أحد .. إلا أن وجه عربى بدا لها مألوفا إلى حد كبير .. ركبت السيارة وذهبو إلى صالة الجيم .. أضاء عربى الأنوار .. كان عربى قد عرف بمعاونة أصدقاءه الشبيحة فى منطقة السيدة زينب ظروف دعاء وحياتها مع أمها العمشاء وحيدتان ..

مشهد من فيلم هندى قديم , ذلك الذى يجمع عربى برفقة صديقيه ماهر وبربرى على وشك مضاجعة دعاء ابنة عربى التى حملت بها سفاحا أخت زوجته زينب وهربت بحملها .. لكن هذا ما حدث .. الفرق الوحيد هو أنه لم تكن هناك نظرات حنين وعواطف وإحاسيس بين الأب وابنته كتلك التى تظهر فى المشهد الهندى .. تعرت دعاء وإفتتح عربى الليلة الحمراء بصفته القائد والزعيم , ومن بعده صديقيه .. ظلوا يتناوبوا عليها حتى آلمتهم ركبهم .. الفتاة أعياها ما حدث خصوصا أنه جاء بعدما أنهك عاطف شرجها فى بداية الليلة .. جعلها ذلك أثناء إرتدائها لملابسها أن تسقط فاقدة الوعى من فرط الإعياء
- يادى المصيبة
هكذا صاح بربرى وهم يتعاونون على إفاقتها , ومساعدتها لتمضى إلى السيارة التى إنطلقت بهم يقودها عربى .. لم يكن بدا سوى من معرفة عنوانها التى وصفته بصوت واهن .. ووصلوا إلى ناصية حارتها قرب الفجر .. لم تتمكن دعاء من الوقوف على قدميها , فكلما إنتصبت أوشكت على السقوط أرضا تترنح .. جال عربى ببصره فرأى المكان خاليا .. حملها على زراعيه وسار بها حتى أشارت لباب بيتها .. دفعه عربى بقدمه ودخل .. طرق باب الغرفة المجاورة للسلم لتفتح زينب وهى فى غيابات النوم .. أرقد عربى دعاء على السرير وكاد يمضى عائدا .. إلا أنه توقف أمام ملامح تلك العجوز التى أحنى ظهرها الزمن .. تتفحص ابنتها متلهفة تسأل
- فى إيه ؟ .. بنتى مالها ؟
- شوية هبوط بس .. إطمنى يا حاجة
كان هذا رد عربى الذى لم يشفع للأم أن تطمئن .. منظر عينيها وشكل وجهها اثار ذاكرته .. تبدد الضباب واتضحت الرؤية إنها هى زينب .. فنادى
- زينب ؟
نطقها بنبرة دهشة وإستفهام ينتظر الجواب .. رفعت هى رأسها ترنو لوجهه وإقتربت منه تتلمس شكله ببصيص النور الباقى فى عينها التى إتسعت فجأة وهى تقول بصوت مرتعش
- عربى
أحست به أنه القدر الذى طالما توجست منه يقف أمامها

****************

آه لو لم يكن الإنسان مفطورا على التعود والإعتياد , لما إعتاد عادل برسوم على حياته الجديدة , ولما بهتت فرحته بزوال فصامه كما تبهت نقطة الحبر فى كوب من الماء .. ألف حياته من البيت إلى المحل .. يكفيه ما يكسبه من مال لتغطية نفقات أسرته .. صار أكثر حميمية مع زوجته وأبناءه .. كل ذلك تحول إلى روتين ممل .. جرفه الحنين طبعا إلى سارا , وجودها فى حياته سيبدد الملل .. لكنها إنسانة مريضة .. هوسها بتحقير الأديان لا يروقه على الرغم من أنه غير معنى تماما لا بالإيمان ولا الأديان ..... منذ فارق حياته الكهنوتية , ولم يعد قسيسا , إرتاحت سريرته .. فكر فى أن يزورها فقط لمجرد الزيارة .. يتحدث معها ويحاول أن يفهمها .. اصطدم بسؤال ماذا إذا كان تركه للكنيسة قد أفقده بريقه عندها , فلن تقبل به فى حياتها لأنها أرادت القس عادل وليس شخص آخر .. قالت له أنه رأت فيه وجها آخر لها .. ربما يكون حدسها قد صدق فى كونه رفض الإله والأديان .. لكنه ليس مصابا بهوس تحقير الأديان ولا تعنيه فى شئ .. ترى ماذا فعلت عندما إكتشفت تركه للكنيسة .. يدرك عادل أنها إمرأة غريبة هى حتى لم تسعى يوما لتعرف عنوانه أو رقم هاتفه .. هل سألت عنه فى الكنيسة .. كانت ستعرف من هناك عنوانه وتحاول الوصول إليه .. ربما هى الآن فى أحضان شخص آخر يفعل لها ما تريد .. قرر أخيرا الذهاب إليها .


حالة سارا النفسية التى تحسنت بعدما أفرغت مكبوتها اللائم على الأديان بتحقيرها فى أبشع صورة ممكنة .. فإذا كان مرض الفصام بداخلها قد صاغ رؤيتها للمصلين يتوافدون من نساء ورجال على المسجد الكبير المجاور لمسكنها , وجعل إحساسا باللوم على الدين يتولد بداخلها لأنه لم يجعل لها هدف وغاية مثل الآخرين , وتحول على مدى بعيد إلى فوبيا .. فكان من الطبيعى أن تهدأ نفسها بفعل ما فعلت من تحقير للأديان .. إلا أن التجربة بعد مزوالتها تفقد بريقها الأول , ومن هنا تتبدل النظرة إليها .. هكذا سارا بدأت تتمعن فى مغزى ما فعلته , وتتسائل : هل عليها أن تمضى على نفس المنوال لتظل تنعم بالراحة أم أنها يمكن أن تتوقف .. ما هذا الجنون ؟ .. تشعر أنها إن لم تكن جنت فهى على حافة الجنون .. ذهبت إلى الكنيسة لحضور قداس بحثا عن عادل , علمت أنه ترك الكنيسة .. تعجبت لأنها لم تشعر بصدمة مهولة , كتلك التى شعرت بها بعد إختفاء فتاها الأول .. هل هى نزعة بداخلها وخزتها لتتوقف عن المضى فى طريقها القذر المجنون ؟ .. أم أنها تحتاج للتوقف لتعيد التفكير وصياغة الأمر .. تماما مثل هذه الأثناء التى كانت سارا تقف فى بلكونتها تتابع المصلين يتوافدون على المسجد الكبير بجوارها .. والمدهش أن صوت الآذان لم يكن له من الوقع على نفسها كما كان له سابقا .. دق جرس الباب لتفتح سارا وتجد عادل أمامها .. لأول مرة تراه بدون ملابسه الكهنوتية .. حلق لحيته المحفوفة وبدت حالة من الإرتياح على وجهه .. جلسا فى ردهة الشقة يتحدثان .. حكى لها عادل عما حدث منذ تلك الليلة التى مارسا فيها الجنس بداخل الكنيسة عند المذبح .. وكم يشعر بالإرتياح الآن لأنه تخلص من فصام حياته .. كلماته التى عبرت بالفعل عن سعادته بحياته الجديدة جعلت سارا تشرد تفكر , لماذا هى الأخرى لا تتخلص من فصامها وتشفى .. لماذا لا تعرف الراحة طريقا إلى حياتها .. حسدت عادل وتمنت لو أصبحت مثله .. حسدها له ولد بداخلها كراهية تحولت إلى حالة من التحدى وهو يقول
- أنا مش مؤمن .. بس ماليش أي عداوة شخصية بيني وبين الأديان .. ليه ما تكونيش زيي ؟
حركت سارا رأسها يمينا ويسارا تقول
- مش عارفة
هذه المرة لم تكن سارا بالفعل تجهل , بل كانت تشعر بإجابة ما تداعب سريرتها .. أرادت أن تحكى أنها كرهت الدين لأنها رأته سبب شقاء حياتها ومرضها .. لكنها نهضت وجلست تلاصق عادل على الأريكة .. ألقت برأسها على كتفه تهمس
- خلاص ما بقتش قسيس ؟!
إبتسم عادل وهو ينظر إلى وجهها الفاتن وعينيها الزرقاوان , ومد يده يمسح على شعرها الأشقر الناعم , وسمعها تهمس
- هاتوحشني
الكلمة وطريقة نطق سارا لها , لم يكن لهما معنى سوى أن كون عادل لم يعد قسيسا فذلك يعنى أن علاقتهما إنتهت .. ورغم ذلك تشبث هو بالمضى قدما , فأمسك رأسها بيديه وقبلها على فمها قبلة سريعة , وقبل أن يكررها كانت سارا تبتعد برأسها وفى عينيها نظرة تعنى أنها لا ترغب .. شعر عادل برسوم بالحرج , فابتلع ريقه يقول وهو يشعل سيجارة
- يعنى خلاص
قالها فى الوقت الذى كانت سارا تسحب السيجارة من فمه وتبدأ التدخين .. نفثت دخانها وقالت
- مش عارفة .. مابقتش ليا رغبة فى الجنس عموما
دائما من يكون على شاكلة عادل برسوم ممن حظى بفترة من التأمل فى المقدس , وتكوين إعتقاد نابع عن فكر .. يرتقى فكره وعقله لتقبل الآخر دائما , حتى لو كان ذلك ضد رغباته الشخصية , فقال بنبرة حزينة
- مقدر رغبتك .. لكن ما أنكرش إنى حزين
شرع عادل بعدها يحكى لسارا كيف إفتقد وجودها فى حياته خلال الأيام السابقة بعدما ترك الكنيسة .. صدق كلماته جعلت سارا تلتمس أوتار قلبه , فلمعت فى عينيها نظرة إثر فكرة خطرت لها .. عرضت على عادل أن تمنحه لقاءا أخيرا فى الغد .. لقاءا للوداع .. على أن يأتى إليها بملابسه الكهنوتية ويمنحها مسحة أخيرة بالزيت المقدس .. ضحك عادل وقال
- هافكر , وإذا قررت هآجى بكرة آخر الليل
حاجة عادل للتفكير كان منبعها , أن إرتداءه للملابس الكهنوتية ثانية والإنصياع لرغبات سارا , سيعيده إلى حياة نسيها تماما وألقاها بعيدا عن طريقه .. كان يتمنى لو بقى إلى جوارها على وضعه الجديد .. أمضى يومه يفكر وإتخذ قراره بلقاء أخير للوداع


كان ذلك اليوم يكفى لأن يدلى مراد الدوغري بدلوه , والذى ما إن وصله نبأ ذهاب عادل إلى سارا حتى لمعت عيناه بزهو , فها هو يربح رهانه مع نفسه .. وكان عليه التحرك سريعا حتى لا تضيع الفرصة .. تم زرع كاميراتين متناهيي الدقة بنجفتي الصالة وغرفة النوم بداخل شقة سارا .. ولم يكن ذلك يحتاج سوى ثلاثة محترفين إستعان بهم مراد , لينتحلوا صفة عمال الغاز يبحثون عن مصدر تسريب للغاز بالعمارة .. وتفننوا فى لفت إنتباه سارا بين المطبخ , وطلب رؤية المنور من خلال نافذة غرفة النوم المطلة عليه لتتبع مسار المواسير .. بمهارة وفى وقت لم يتجاوز دقائق تم الأمر .


فتحت سارا باب شقتها عند منتصف الليل لتستقبل عادل مرتديا كامل ملابسه الكهنوتية حيث التونية الأسود والشملة المستديرة السوداء على رأسه , والصليب الكبير بلوني الفضى والأسود يتدلى من حول رقبته , وفى يده حقيبته الجلدية .. تماما كما عهدته من قبل .. جذبته بلا مقدمات تجاه غرفة النوم .. جلس عادل على طرف السرير يتابع سارا ترش عطر الإنكاندسينس , فهامت روحه بمجرد إستنشاقه يرقب وجهها فى المرآة وهى تضع اللمسات الأخيرة على شعرها ووجها لتبدو فى أوج فتنتها ودلاها .. تعرت من ملابسها وتمددت على السرير على ظهرها .. وبدأ عادل يمسحها بزيت الميرون المقدس .. إحساس سارا بأن هذه هى المرة الآخيرة , جعلها تمعن فى تأمل عادل بملابسه الكهنوتية وحركة الصليب على صدره يترنح .. غريب ومدهش أنها لم تشعر بمتعة ولا حتى حين أغمضت عينيها تتخيل المسيح .. أمعنت وأمعنت فلا من جديد .. جعلها ذلك تستدير على بطنها وعادل يبدأ فى تدليك أجزاء ظهرها .. فقط أحست بالمتعة حين أسلمت نفسها للجنس ونحَّت الأديان جانبا .. بدأ بللها ولذتها .. إعتدلت تنزع عن عادل ملابسه حتى صار عاريا .. منحته ما يليق بلقاء وداع لا يـُنسى .. تناغما على كافة الأوضاع والأشكال حتى إنتهيا .. حزين كان عادل وهو عائد إلى بيته , لكن رضاءه عن حياته الجديدة كان خير عوضا عن حزنه .

لم تعي سارا أن ما فعلته مع عادل ومن قبله فتاها الأول .. كان كافيا جدا لأن تهدأ شحنة مكبوتها النفسى , وتبدأ فطرتها البشرية الطبيعية تأخذ مجراها وترى الأمور بمعانى جديدة .. هذا ما جعلها تعاود التردد على جلسات العلاج النفسية .. ربما بحثا عن مزيد من التحسن النفسى لحالتها , وربما كسرا لإحساس الوحدة من جراء قبوعها وحيدة فى شقتها .. حتى أنها عاودت الإتصال بأسرتها وبعض أقرباءها اللذين أسرعوا بالإلتفاف حولها .. ودعتها صديقة لحضور حفل صحيفة آريف بمناسبة عيد صدورها .

* * *

نحو خمسة آلاف أرمينى يعيشون فى مصر حاليا .. ومخطئ من يظن أنهم وفدوا إلى مصر عندما قامت تركيا عام 1915 م بإبادة قرابة واحد ونصف مليون أرمينى إبادة عرقية .. صحيح أن ذلك جعل عددهم فى مصر يتضاعف بنزوح العديد منهم إلى مصر هربا من الإبادة .. إلا أن تواجدهم فى مصر يمتد لأبعد من ذلك بكثير حيث العهد الفاطمى , حين كان رئيس الوزراء بدر الدين الجمالي أصله أرميني , فقد جاء إلى مصر ومعه ثلاثون ألف أرميني .. وبرز دور الأرمن فى عهد محمد على حيث كان يتم الإستعانة بهم كمترجمين ومساعدين , وكانت وظيفة صك النقود حكرا عليهم لبعض الوقت , فإزدهرت الطائفة الأرمينية .. ورغم تعاقب الأجيال إلا أنهم لايزالون يتشبثون بتراث الأجداد , فلهم مدارسهم الخاصة والكثير منهم يتحدث اللغة الأرمينية فيما بينهم , ولهم أعيادهم الخاصة على رأسها يوم 24 أبريل إحياءا لذكرى المذابح العرقية .. يصدر فى مصر ثلاثة صحف باللغة الأرمينية تعنى بشؤون الأرمن : صحيفة شاهامبيرن وتعنى حامل الشعلة , وصحيفة هوسابير وتعنى باعث الأمل , وصحيفة آريف وتعنى الشمس , وهى الصحيفة التى تحتفل الآن بعيد صدورها بأحد قاعات فندق هيلتون رمسيس .. وقف سامى يتحدث مع أحد الحضور عن عدم إهتمامه بالإتهامات والسباب الذى يتعرض له من جراء مقالاته .. وعلى الجانب الآخر كانت سارا تحضر الحفل ومالت صديقتها عليها تهمس لها
- شايفة اللى واقف هناك ده أبو بدلة رمادى ؟
نظرت سارا حيث أشارت صديقتها لترى سامى بملامحه الناتئة التى تبدو محفورة فى وجهه بإزميل من حديد , وشعره الذى غطى المشيب جانبي رأسه وقامته الفارعة مع نحالة جسده
- ما له يعنى ؟
شرعت صديقتها تحكى عن أستاذ الفلسفة الذى يعد تقريبا المجاهر الوحيد بإلحاده وسط العديد من الكتاب معروف عنهم إلحادهم , لكنه تميز بمقالاته المناهضة للأديان , والفلسفة التى يقدمها بشأن ذلك دون أن يعبأ بالخطر المحدق بحياته جراء ذلك .. وأنها قرأت الكثير من مقالاته وأعجبت بمنطقه رغم أنها مؤمنة .. سارا بطبيعة شخصيتها تعد غير مألوفة مما يجعلنا نتوقع منها أفعالا غير مألوفة , حين ظلت تتابع سامى بنظراتها طوال الحفل حتى رأته يجلس وحيدا قبال منضدة دائرية صغيرة عليها مفرش أبيض لامع , فإتجهت إليه وجلست على الكرسى الخالى أمامه .. وبلا أية مقدمات سألت بنرة جادة وجافة
- هو ربنا فعلا مش موجود ؟
يالخيوط القدر العجيب .. لقد وجهت سارا سؤالها إلى آخر رجل يمكن أن يجيبها على وجه الأرض .. لمحة نادرة للغاية تلك التى يمكن أن تتسع فيها إبتسامة سامى , وهو ينظر إلى سارا .. لم يسبق لأحد أن وجه له ذلك السؤال من قبل , وخصوصا إذا كان يرى فى عينيها الزرقاوان الآن وملامح وجهها الأبيض مدى صدقها وتلهفها لمعرفة الإجابة .. تنهد سامى ينظر فى وجه سارا الفاتن وقال بنبرة آسفة
- مش عارف
على الفور قطبت سارا حاجبيها فما سمعته من صديقتها يجعل إجابة سامى تلك .. أبعد ما يكون عن التوقع .. لم تدرك هى أن مداهمة السؤال وصدقها البادى فى نبرتها ووجهها جعل سامي لا يفتأ بالتعبير عما يكتبه ويدعو إليه .. بل أجاب بما فى صدره .. شبكت سارا زراعيها على المنضدة ومالت قليلا للأمام تستفهم
- يعنى إيه ؟!!
- إنتى عاوزاه موجود ولا لأ ؟
سؤال لا تملك سارا له جوابا .. وفكرت فى إجابة وقالت
- مش عارفة
- اللى عايز ربنا يكون موجود هيلاقيه .. واللى مش عايزه موجود مش هيلاقيه
- فزورة دى ؟
إتسعت إبتسامة سامى وسرعان ما إتخذت هيئته بهاء فيلسوف قديم .. سحب نفسا عميقا وقال بكلمات هادئة خرجت تتهادى بتؤدة
- تقدرى تلاقى الله إذا تأملتى فى الحياة والوجود .. هاتحسى بوجوده وقدرته .. لكن إذا حبيتى تقربي منه وتعرفي صفاته فى نصوص الأديان هتلاقيه إختفى ومابقاش موجود
ظلت سارا ترنو لسامي مليا وقالت باسمة
- مش عارفة ليه حاسة إنى عاوزة أتكلم معاك
لم يرد سامي ومضت دقيقة كاملة يتأمل كل منهما وجه الآخر .. وقطعت الصمت سارا تقول
- تيجي نروح مكان نتكلم فيه

الموقف برمته كان يدفع سامي إلى التعجب من تلك المرأة التى أثارت فضوله الذى يندر إثارته .. ساقت سارا سامى للجلوس فى أحد الكازينوهات على النيل , وطلبت بيرة هنكل خالية من الكحول , بينما طلب سامى فنجانا من القهوة .. وبدأت هى كلماتها
- اسمي سارا وعندي أربعين سنة
أسهبت سارا فى الحديث عن نفسها , لم تدري هى لماذا حكت ما فعلته من تحقير للأديان لسامي , ختمت كلماتها قائلة
- وإنت كلمني عن نفسك
لم يعتد سامي التحدث عن نفسه مع أحد , فلا يجد ما يمكن قوله تعبيرا عما بداخله , لذا تطلع إلى وجه سارا مليا وهو يشعل سيجارة وقال
- إنتي محتاجة للإيمان ... الإيمان فكرة دافئة تمنح المؤمن شعورا بالتسامح والمحبة والسلام .. بتخليه يقرقش الزلط بنفس محبة راضية .. لكن ما كانش ليه دور فى حياتك .. إنتى كان نفسك تكوني زى اللى بتشوفيهم فى المسجد اللى جنب بيتك .. إنتى عملتي اللى عملتيه إنتقاما من الأديان لأنها ماكانش ليها دور فى حياتك ولا منحتك السعادة اللى منحتها للمؤمنين
قال سامى كلماته ونظراته تنفذ إلى أعماق سارا التى شعرت بأنها لأول مرة تعثر على إنسان يمحص ما فى صدرها .. واجهها بما رفضت نفسها مواجهته .. لم تجد ما تقوله تطلعت مليا لوجه سامي مشدوهة وتسمعه يواصل
- عارفة يا سارا .. الإنسان مش ممكن يدرك إنه ريشة فى الهواء , وإن وجوده فى الحياة هو صدفة وعبث .. وأن الغاية من الوجود هى لاشئ .. وإذا أفترضنا أن رقى عقل الإنسان وإتساع مداركه تميزا عن باقى المخلوقات هو سبب سعيه الدائم لإيجاد هدف من وجوده فى الحياة .. دا مش مبرر كافى .. الإنسان هو المخلوق الوحيد فى الحياة الذى بحث عن إله يوزع إليه بكل القدرة المطلقة .. مش ممكن تكون غير أن هناك فطرة داخل الإنسان هى اللى بتخليه يدرك أن هناك إله لهذا الوجود , وعليه أن يبحث عنه
كل ما قالته سارا وهى تنصت لسامي بإمعان
- إنت مش مؤمن .. بس بتدور على الإيمان
إكتفى سامي بإيمائة من رأسه مصدقا على كلمات سارا وقال
- الشجرة تمد جزورها إلى الأرض والأوراق إلى السماء .. هل ده معناه أنها تدرك أن الأرض تحتوى على العناصر والأملاح فتمد جذورها إليها .. وإن السماء فيها الهواء والشمس فمدت أوراقها إليها .. الحياة مش مادة بس .. فى حاجة تانية بتتحكم فى المادة .. حاجة الدين سماها الروح

صمت سامي يرشف من القهوة ويعاود النظر لوجه سارا يقول
- مؤسس علم فسيولوجيا الأعصاب الحديثة شرنغتون عمل تجربة عشان يشوف هل الإدراك العقلى يخضع للمادة فقط ولا فى حاجة تانية إحنا مش عارفينها .. قام بتحليل التغيرات التى تحدث لكى يرى إنسان ما شجرة .. حسب العلوم الكيميائية والفزيائية والبيولوجية .. الضوء يسقط على صورة الشجرة وينعكس على بؤبؤ العين الذى يكون صورة مقلوبة للشجرة على شبكية العين المكونة من عشرة مليون مخروط ومائة مليون قضيب .. ثم تتحول الصورة إلى إشارات كهربائية وتصل إلى قشرة المخ فيدرك الإنسان ويرى الصورة .. هنا المادة هى التى تتحكم فى الوعي والإدراك .. لكن شرنغتون أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن نفس هذه التغيرات الكيميائية والفزيائية والبيولوجية تحدث عندما يكون الإنسان نائما وفتحنا عينه ووضعنا الصورة أمامها .. ليه ما شافش الصورة رغم إن نفس التغيرات حدثت على العين والمخ .. ما لقاش شرنغتون تفسير غير إن هناك شئ غير مادي بداخل الإنسان هو الذى يتحكم فى المادة
إبتسمت سارا وهى تسمع حديث سامى وقالت
- يعنى ربنا موجود
هز سامي رأسه يقول
- مش عارف .. أنا بادور عليه .. باشوفه كتير فى تأملاتى .. وباحس إنه عاوز كده .. هو أراد للإنسان أن يبحث عنه كى يصل إليه .. لكن أوقات أكتر باحس إنى موهوم , وإن الإله اللى جت بيه الأديان مش موجود
لأول مرة يحادث سامي أحد فى عدم توصله إلى حقيقة وجود الله , وجعله ذلك يشعر بدرجة من القرب تجاه سارا التى هى الأخرى , لم يسبق لها أن سمعت كلاما مس أعماقها , وجعلها تشعر بالحاجة إلى الإيمان , فقالت
- تفتكر لو أنا كنت مؤمنة .. كانت حياتى هاتكون أفضل
- أكيد
هكذا رد سامي مسرعا , وتابع
- بصرف النظر عن حقيقة وجود الله من عدمه .. الإيمان يعطى للإنسان الهدف والغاية من حياته .. بيمنحه الراحة النفسية اللى بتخليه مؤمن بأن أحلامه وحقوقه سينالها فى الحياة الآخرة إذا لم ينالها فى الدنيا .. وحتى إذا كان ذلك أملا زائفا , فهو كفيل أن يمنح الإنسان الرضا عن حياته
- إنت إنسان غريب
هكذا هتفت سارا بعدما سمعت كلام سامي الذى سأل
- ليه ؟
هزت سارا رأسها دون أن تجيب .. وانصرفا على أمل تكرار اللقاء .


عاد سامي إلى شقته ووجد مها تكتب .. إحتصنها وقبلها يمسح على شعرها , فلقاءه مع سارا أورثه حنينا إلى مها .. لأول مرة يعرف أحد عنه شيئا لا تعرفه مها .. شعرت هى بأنه مختلف تلك الليلة لتتشبث بذكريات حبهما التى مضت .. إختلجتها سعادة غامرة بين أحضانه .. تستعيد حياتهما التى بنياها فوق الغيوم .. تلمست فيه تلك الليلة سامي الذى عرفته منذ أمد بعيد .. جذبته إلى غرفة النوم ودخلا في نوبة حب كما الأيام الخوالى , فجرت ما بداخلهما من كلمات جميلة حالمة , عبر فيها كل منهما للآخر عن مدى حبه .. دخلا فى نوبة ثانية فثالثة تخدل على إثرها جسديهما , وإلتحما الجسدان عاريان يغيبان عن الوجود .


منذ عودة مها من فرنسا .. عكفت على كتابة روايتها , ولأنها كانت قد صاغتها وكتبت الجزء الأكبر منها .. لم تتكلف سوى ثلاثة ليالى سهرت على إعادة كتابتها وصياغتها لتحمل كل كلمة فيها نبض حياتها .. بدأتها بفقدانها المأساوي لأبويها , وكيف أرسل القدر إليها سامي وما كان بينهما على مدار سنوات , وقارنت بين حياتها معه قبل الزواج وبعده .. أسهبت فى وصف ما نالته من متع نفسية وجسدية .. حتى تبولها على نفسها عبرت عنه , وكيف حول سامي ذلك من وصمة تنقص أنوثتها إلى متعة أغرقتها .. أستشهدت فى روايتها بالنصوص الإباحية التى أثرت فيها مما قرأته فى كتب الباه .. وكيف أدركت الحقيقة مع سنوات عمرها .. عبرت مها بصدق عن إختلاجات النفس البشرية وتناقضاتها .. وصاغت أفكار زوجها سامى التى تعلمتها منه عن الأديان .. وكما كانت تتوقع فشلت فى نشر الرواية عبر دور النشر الكبيرة المعروفة رغم أنها كاتبة معروفة .. فالمحتوى صادم للكثيرين .. فلم تجد سوى دارا صغيرة ناشئة تتبنى النشر لصغار الكتاب من الموهبين .. ورغم تعثر الحصول على موافقة الجهات المعنية للنشر , إلا أن الموافقة تمت بعد إذعان مها لحذف نصوص كاملة تحوي ألفاظا جنسية إستشهدت بها من كتب الباه , وكذلك بعض الفقرات التى تنال من الذات الإلهية .. وبقيت بعض النصوص وألفاظ قليلة متناثرة هنا وهناك .. تحملت مها تكلفة نشر الطبعة الأولى على نفقتها الخاصة وصدرت الرواية .

*****************

سارا التى عاشت طفولتها مرفهة لأبعد الحدود , ثم عانت من تمزق حياتها بين موروث أرميني متوارث عن الأجداد و وموروث مصري ولدت فيه وشبت عليه .. لم تكن تحفل يوما بماهية الدين والإيمان ودوره فى حياتها .. كانت تدرسه كمجرد مادة دراسية فى مدرستها الأرمينية .. فى تلك الليلة التى عادت فيها بعد لقاءها بسامي , كانت تفكر : أصحيح هى تحتاج إلى الإيمان ؟ .. أفعلا هى مخلوقة فى الحياة لهدف وغاية , وأن هناك إله سيحاسبها بعد الموت فى حياة أخرى أبدية .. إستشعرت للحظة أنها تناجيه وتطلب المدد وهى ممدة على فراشها .. تأملت المسيح المصلوب على الصليب المعلق أمامها على الحائط .. هل هو ذلك الإله الذى إفتدى البشر .. كلمات سامي عن دفء الإيمان ظلت تتردد على مسامعها .. غريب أن تسمع هى ذلك من رجل مناهض للأديان .. يا الله .. أليس معنى ذلك أن الله موجود , فمهما كان الرفض للأديان إلا أن هناك تلك الفطرة التى تقود للإله .. هى نفس الفطرة التى تقودها الآن للتفكر والتأمل .. فى اليوم التالى كانت سارا تقف فى بلكونتها تسمع الآذان .. الله أكبر .. ماذا تعنى ؟ .. غاصت فى بحور من الشرود , لكنها إلتمست شئ ما يدعوها .. نبتة تنبت بداخلها .. فعلت ما لم تتوقع فعله .. أسرعت بإرتداء النقاب الأسود , ولم تلحظ أنه ملطخ ببعض المني الجاف العالق به .. وحثت الخطا تجاه المسجد .. إلتصق جسدها بأجساد الأخريات وهى تندفع بينهم داخل مصلى النساء .. كانت شاذة وملفتة للنظر وهى تجلس بأحد الأركان تتابع دون أن تكشف عن وجهها .. فقط ترقب النساء من مختلف الأعمار والأشكال وهن يركعن ويسجدن ويتمتمن بتسبيح الله وحمده .. ها هو المسجد الكبير الذى طالما ودت تحطيمه وهدمه يصبح منبعا عجيبا لسكينة فريدة من نوعها .. لم تشعر بذلك من قبل .. تنظر مليا فى الوجوه الراضية من حولها .. تتلمس أنه ليس مجرد مكان .. ليس مادة .. هناك دائما روح .. صدق سامى فيما قاله لها .. هى تشعر الآن بروح غريبة أضفت بهاءا وراحة وطمأنينة على المكان .. فرغت النساء من صلاتهن , وهى جالسة بأحد الأركان تتابع شاردة .. إقتربت منها واحدة وقالت
- إنتى تعبانة يا أختى ؟
تنبهت سارا , وحدقت فى وجهها وقامت مسرعة تغادر دون أن تتفوه بشئ .. تحولت رؤيتها للمسجد الكبير بعد ذلك إلى حالة مناجاة مع الله .. قررت أن تذهب للكنيسة وتواظب على حضور الصلوات .. شرد تفكيرها للإجابة على سؤال : من على حق ومن على ضلال ؟ .. المسيحيون أم المسلمون ؟ .. لم تجد بدا من البحث عن إجابة .. يكفيها أن تتنسم رائحة الإيمان .

قامت سارا بعد عدة أيام بدعوة سامي إلى دار الأوبرا للإستماع إلى أوركيسترا لندن السيمفوني الذى عشقت سارا موسيقاه من الصغر , وسعدت بعدما علمت بزيارته لمصر .. جلس سامي إلى جوار سارا بداخل دار الأوبرا , حيث بدأت الأوركيسترا بقيادة السير كولن دافيس بعزف مقاطع من بعض السيمفونيات القديمة الكلاسيكية لشوبان وبيتهوفن .. وبعدها بدأت مجموعات الأوركيسترا تعزف المقطوعات الحديثة التى كانت موسيقى تصويرية لعدد من الأفلام الأمريكية .. كانت سارا هائمة فى عالم روحاني حالم وهى تسمع موسيقى العبقرى جيمس أورنر فى مقطوعة الأميرة من سيمفونية القلب الشجاع .. كم عبرت موسيقاه بحق عن مدي إحتياج النفس للدفء والسكينة .. فساقها خيالها لأن ترى نفسها تصعد إلى السماء تحلق باحثة عن الرضا , وتنازعت رغباتها وإختلاجات صدرها وهى تسمع مقطوعة الكمان الأحمر للرائع جون كوريجليانو .. ولم تتمكن سارا من منع دموعها وهى تسمع مقطوعة المعزول للمبدع ألان سيلفيسترى التى ألقت بها إلى عالم سحيق من الوحدة والعزلة والحزن .. وسرعان ما تحول ذلك كله إلى أحلام وآمال وسعادة وهى تسمع مقطوعة تايتنك التى أودع فيها أورنر خلاصة عبقريته .. تصعد سارا قمم الأحلام مع الكمان , وتحلق طائرة فى السماء مع الفلوت والإكسيليفون .. ويغوص بها البيانو فى بحور عميقة من الآمال .. رأت سارا الله وهى تصعد القمم وتطير فى السماء وتغوص فى البحار .. أحست براحة الإيمان .

السيمفونية هى كلمة يونانية تعنى تآلف الأصوات .. هكذا كان سامى يتأمل جالسا إلى جوار سارا , فإذا كانت السيمفونية هي قمة التعبير الموسيقي الذي يرتفع فيه مستوى التعبير إلى مستوى فلسفي , يعتمد على تجسيد أصوات الآلات الموسيقية المختلفة‏‏ , و إعطائها شخصيات تتناسب مع طبيعة الصوت الذي يصدر منها ثم إعطائها أدوارا في النسيج الموسيقي .. فثمة تساؤل هناك .. ما الذى يدفع النفس البشرية لأن تشعر بالرومانسية الحالمة مع تلك الموسيقى , وتحس بالخوف والحزن مع موسيقى آخرى .. هذه المشاعر والأحاسيس التى تبثها الموسيقى فى صدره الآن .. أين قوانين الطبيعة لتشرح ذلك .. هل من المعقول أن تتلاعب هذه الموسيقى بمستويات الأدرينالين والسيروتينين والدوبامين , فينتج على إثرها هذه المشاعر المختلجة .. تأمل سامي يفكر , لماذا إنتقلت مشاعر الموسيقار إلى لحن جعله يشعر بمشاعره التى ألف بها تلك الموسيقى .. هذه المقطوعة جعلتنى أشعر بالحزن لأن مؤلفها كان حزينا وهو يؤلفها .. كيف إنتقل إلى ذلك الإحساس .. لا يمكن لقوانين المادة أن تفسر ذلك .. هناك شئ أكبر وأعمق من المادة .. هناك روح .. روح تسيطر على المادة وتوجهها .. سامي فى هذه اللحظة أثناء إستماعه إلى مقطوعة العائد من جديد مضيقا عينيه يشعر بالفعل أنه يعود .. يعود إلى فطرته النقية الأولى .. يشعر أن بداخله روح يتلمسها ويحسها الآن .. لأول مرة فى حياته تدمع عيناه وقلبه ينبض هامسا .... يا الله .

إقرأ الباقى

ضع عنوان إيميلك ليصلك الجديد :


رواية جدال بقلم محمود مودى الفصل 15

-15-

كان أسبوعا ممتعا للغاية , ذلك الذى قضته مها نعمان بصحبة أسامة عز الدين فى باريس .. لأول مرة فى حياتها تسافر خارج مصر وترى عالما جديدا وأناسا مختلفة .. كانت كشعلة نشاط متوهجة تفور بالحيوية وهى تتنقل بين جلسات ندوة نادى الأدب الأيروسى الفرنسى مساءا , والتنزه برفقة أسامة نهارا .. صعد بها برج إيفل , وتجول بها بردهات متحف اللوفر ومتحف أورسى .. وذهب بها إلى كاتدرائية القلب المقدس , وتنسم معها رائحة الحشائش والأزهار بحديقة جاردان دو تيليريه .. أدركت مها لماذا تعد باريس عاصمة النور والعطور والأناقة , فكل ما حولها أنيقا جميلا يبث أريجا عطرا يصعد بها إلى سماء السحر والجمال .

فى حديقة فيلا باهرة بدأت أولى جلسات نادى الأدب الأيروسى الفرنسى , حين ألقى المخرج الإيطالى تنتو براس كلمته لإفتتاح الندوة .. وقف بجسده البدين وشعر رأسه الأبيض المصفف للخلف , ووجهه السمين والسيجار الكبير لا يفارق فمه .. بدأ كلمته بجملة
- الجنس هو البائع الأول
أعترف أنه إنتهج تأليف وإخراج أفلامه من أجل المال أولا , متعته ثانيا .. وأجاب على أحد السائلين
- لماذا لا تقم بعمل أفلام بورنو
- لا تستهوينى .. فأنا أعشق التصور الذى ينسجه الخيال ... لا الفعل الذى يجبرك على الإثارة الغريزية البحتة .. القصة عندى أهم من المشاهد الجنسية
وسأله أحد الحاضرين
- لماذا عمدت فى أفلامك الأخيرة إلى قصص إيروتيكية قصيرة .. ولم تعد تناقش المشاكل السياسية والإجتماعية كأفلامك الأولى
ضحك تنتو وهو ينثف دخان سيجاره
- الجمهور عزيزى .. من يريد الجنس لا يريد أن تقحمه فى أحداث سياسية أو إجتماعية ... ومن يتقبل ذلك يرى الجنس لا داعى له فى أحداث الفيلم

هتف أحد الحاضرين بالإيطالية
- إل كولو سوربرانديتى
فضج الحاضرين بالضحك , وضحكت مها بعدهم حين ترجم لها أسامة الجملة التى تعنى ( الطيز الرائعة ) , لكنها لم تفهم ما ترمى إليه .. فشرح لها أسامة أن تنتو براس ينتقى بطلات أفلامه دوما بمؤخرات رائعة حتى ولو كانت البطلة جسدها نحيفا مثل بطلة فيلم ( لولا الطائشة ) التى كانت تشبه فاتن حمامة إلى حد كبير فى شكل وجهها وجسدها , إلا أنها كانت تحمل مؤخرة رائعة .. عندها أشار تنتو براس يرسم بأصابعه مؤخرة وهمية فى الهواء يقول
- إنها حياتى
قالها وهو يشير إلى شريكته فى التأليف وبطلة فيلم مونامور ( كارلا كيبريانى ) .. إتجهت كارلا إليه وهى تضحك تتحسس مؤخرتها الكبيرة بيديها من فوق فستانها الأسود ذو الفتحة الخلفية الطويلة الممتدة من أسفل مؤختها وحتى نهاية الفستان , وبدا للحضور أنها لا ترتدى شيئا تحته .. وقفت كارلا بشعرها الأشقر وعينيها الخضروان تتحدث عن بدايتها فى الكتابة الإيروتيكية , ولم تكن تتخيل أن تنتو سيحول إحدى قصصها إلى فيلم .. ورفضت فى البداية طلبه بأن تقوم هى بدور البطولة .. لكنه منحها الثقة لتفعل ذلك وكم هى سعيدة .

تعرفت مها نعمان خلال جلسات الندوة على عالم جديد .. جعلها أسامة تلتقى أشهر صناع الإيروتيكا حول العالم أدباء وسينمائيين .. وكانت إستفادتها الأكبر خلال الجلسة الأخيرة للندوة , حيث حاضرت الكاتبة الأمريكية ( سوزى برايت ) عن كتابها الذى صدر مؤخرا بعنوان ( كيف تكتب قصة وسخة ؟ ) .. بتقديم نصائح لكل من (هو/هي) يريد تحسين مهاراته في كتابة الايروتيكا , فالسوق مزدحمة ولا تأبه بالأقلام والأصوات المعتدلة .. لا بد من الصدمة الحارة ، البوح الصادق ، التصوير التفصيلي ، تسمية الأعضاء بأسمائها وأفعالها ، رائحتها ، حجمها ، خطها البياني وما تتركه من إنفعالات على النفس والجسد .. وعلى قدر سعادة مها , كان حزنها لأن الأيام الجميلة الممتعة ولت مسرعة , ولم يتبقى لها فى باريس سوى الغد .. أراد اسامة أن يمنحها شيئا جديدا ومختلفا ومميزا فيما تبقى لها من وقت بباريس , حيث ساقها عقب إنتهاء الندوة عند منتصف الليل إلى نادى ليلى .. تفاجأت مها بلافتة كبيرة نيونية تتلألأ بعنوان ( سكس بارتى ) .. ولما صارت بالداخل يجذبها أسامة وسط الزحام الشديد من رواد النادى وغالبيتهم من الفتيات والسيدات , صمَّـت الموسيقى الإيقاعية الصاخبة أذنيها لدرجة أنها كانت تشعر بقرعات الإيقاع ترج صدرها وتدفع قلبها إلى الخفقان .. عبثا حاولت أن يصل صوتها لأسامة تستفسر عن ماهية ذلك .. لم تكن تتوقع أن ترى فتاتين على الملأ بأحد الأركان , وقد أنزلت أحدهما بنطلونها الجينز مستندة بظهرها على الجدار , تمسك بيدها كوبا من البيرة المثلجة , بينما الأخرى على ركبتيها تلحس كسها .. إبتسم أسامة وهو يراها تشيح بوجهها , لكنها فجأة وجدت أمامها رجلا عاريا عدا ياقة قميص بيضاء حولها كرافتة سوداء على شكل فيونكة , وله جسد ممشوق العضلات متناسق على أبع ما يكون , وقضيبه مرتخى .. يهتز الرجل متراقصا على الإيقاع الموسيقى الصاخب وهو يحمل بيده صينيه عليها أكواب من البيرة المثلجة .. المنظر رغم مفاجأته جعل مها تضحك بشدة وأسامة يتناول كوبين من البيرة ويعطيها واحدا .. نظرت مها حولها لترى نادلا آخر بنفس الهيئة يحمل صينية وعليها أكواب البيرة يتراقص بمهارة مهتزا على الإيقاع الصاخب , وفتاة ترتدى بادى أبيض ضيق وبنطلون جينز تمتص قضيبه وهى راكعة وسط الزحام على ركبتيها .

شربت مها كوب البيرة على دفعتين , فى الوقت الذى كانت نادلة عارية بجسد فاتن وشعرها أحمر طويل تقترب منها تأخذ الكوب الفارغ وتناولا كأسا من الشمبانيا , سكبته مها فى فمها على جرعة واحدة ووضعته على الصينية التى تحملها الفتاة تنظر إلى ثدييها المتقافزة مع إهتزازتها ضاحكة .
- إيه رأيك .... مبسوطة ؟؟
هذا ما وصلها بالكاد من كلمات أسامة وهو يميل على أذنها متراقصا .. حركت مها رأسها ذات اليمين وذات اليسار تعبر عن مدى دهشتها .. مها التى جاوزت الخمسين إندمجت مع الأجواء الصاخبة وبدأت تهز جسدها وتتراقص على الإيقاع الصاخب كما لو كانت عادت إلى العشرين من عمرها .. كانت مختلفة وخارجة عن السياق بفستانها الأحمر القصير الذى يصل إلى منتصف فخذيها , وفتحة الصدر الواسعة تبرز المجرى بين نهديها .. فى حين من حولها كأنهم متفقين على زيا موحدا من البنطلون الجينز والبادى الضيق .. علت التصفيقات والصيحات فجأة إثر دخول رجل أسود طويل مفتول العضلات وقد أحاط نصفه السفلى بعلم فرنسا بألوانه الأحمر والأبيض والأزرق .. يؤدى حركات راقصة متناغمة مع الإيقاع الصاخب على المسرح الخشبى البنى الممتد بطول القاعة وعلى أحد نهايتيها كرسى , ويحتشد من حول المسرح عدد كبير من الفتيات .. إقتربت مها تتابع وهى لا تكف عن إحتساء الخمر كلما مر بجوارها نادلا أو نادلة .. فك الرجل الزنجى العلم الفرنسى وظل يحركه حول جزعه فى حركات سريعة متعاقبة , لييظهر قضيبه الضخم المنتصب فى لقطات سريعة تعالت على إثرها الصيحات .. تضحك مها وهى تتراقص مثل الفتيات , وترى الرجل الأسود يقترب من إحداهن التى أسرعت تمسك قضيبه الضخم بكلتا يديها وتمتصه بسرعة .. إبتعد عنها الرجل متجها إلى الجهة المقابلة متجها بقضيبه نحو فتاة أخرى تمنعت عنه مبتعدة , فأحاط الرجل رأسها بالعلم لتختفى هى وقضيبه تحته , وتظهر حركة راسها للأمام والخلف .. الفتاة كانت تستحى أن تفعل أمام الأعين مما دفع مها للضحك عاليا وهى تترنح راقصة وقد باتت شبه مغيبة بالمتعة والخمر والصخب الشديد .. منظرها الضاحك جعل الرجل الأسود يقترب منها شاهرا زبه تجاه فمها .. فتراجعت مها مسرعة وأسامة يشير للرجل بالتوقف .. لكنه جذبها من يدها لتصعد المسرح وأجلسها على الكرسى وهى لا تتوقف عن الضحك .. ظل يدور حولها والعلم معقود على وسطه يتراقص .. حتى توقف وفك العلم مجدد وأخفى به رأسها مضموما إلى عانته تماما عن الأنظار , باتت مها فى حالة يرثى لها , تتملكها حالة من الهياج الشديد , وهى تشعر بالقضيب الضخم يحتك بأجزاء وجهها .. فتحت فمها بالكاد تمكنت من إدخال الرأس تمتصها برفق .. ثم نزلت من على المسرح تضحك وسط الصيحات المتعالية .. تلقفها أسامة مبتسما يبتعدان عن المسرح تجاه أحد الأركان , وهناك وقعت عينا مها على فتاة من الحاضرين أنزلت بنطلونها الجينز حتى ركبتيها , ومالت بجزعها للأمام بينما أحد النادلين ينيكها دافعا زبه ومن حوله الواقى الذكرى فى كسها من الخلف بسرعة وإحترافية , وتأوهات الفتاة تنمحى تحت أصوات الإيقاع الصاخب للموسيقى .. ومن حولهما عدد يتابع ويصفق مشجعا .. إقتربت مها تتابع المشهد فى قمة هياجها الذى يجعلها تشعر أن قطرات بللها يكاد يتقاطر من بين فخذيها على الأرض .. مع مضى الوقت كثرت المناكحات هنا وهناك بين الجميع .. ولم تعد مها تقدر على الإحتمال , فجرعت كأسين من الويسكى قبل أن تجذب أسامة إلى أحد الأركان , واحتضنته تقبل فمه وفى عينيها نظرات تستجديه أن ينيكها الآن .. لبى أسامة رغبتها ... خلع بنطلونه وألقت هى بثوبها أرضا .. تمددت على ظهرها على الأرض وباعدت بين فخذيها ليدفع أسامة بزبه فى كسها .. سرعان ما تجمع حولهما عدد من الحاضرين يتابعون .. كلما نظرت مها لمن يتابعونها كلما تأججت لدرجة أنها تبولت على نفسها من شدة المتعة والإنقباضات المهبلية .. ليصفق المتابعون يشجعون .. إقترب نادل يركع على ركبتيه موجها زبه إلى فم مها .. أشار أسامه له بالإبتعاد لكن مها أسرعت بإمساك قضيبه وإمتصاصه بمتعة وشبق لم تشهدهما طوال حياتها .. قذف أسامة منيه على بطن مها التى كانت غارقة فى نار لن يطفئها شئ فى تلك الليلة , فأسرع النادل يكمل ما بدأه أسامة ويطعن بقوة بقضيبه المحاط بالواقى الذكرى .. أشارت مها لأسامة بنظرات ممحونة ليقترب منها , والتقمت قضيبه تمتصه .. كانت مها تشعر أن مهبلها متسع للغاية وقضيب النادل لا يملؤه بما يكفى .. من فرط الدفعات وسرعتها , إنطلقت بعض البول ليتزايد أعداد المتابعين ويتزايد جنون مها ومتعتها .. إنتصب قضيب أسامة سريعا , غيرت مها وضعها تسجد على أربع لينيكها أسامة فى كسها من الخلف وتمتص هى زب النادل الذى شعر بمدى تأججها وشبقها , فتمدد على ظهره أرضا وجعلها ترقد عليه ليغوص زبه فى كسها .. وبان شرجها متعرجا متسعا بعض الشئ من فرط هياجها العارم .. وعلت صيحات بالفرنسية من حولهم لا تفهمها مها .. كان الجمع يطالب اسامة بأن يأتيها فى شرجها .. بلل أسامة قضيبه وأمسك بيديه مؤخرة مها يدفع بزبه فى شرجها .. مهما كان لم تكن أبدا مها نعمان يمكن أن تتخيل أنها ستحضى بهذا الكم من العهر والشبق فى تلك الليلة المشهودة .. كان إحساسها بالعهر يعطيها متعة فائقة وفتحتيها تمتلآن بقضيبين .... بمساعدة أسامة تمكنت من العودة إلى غرفتها فى الفندق شبه غائبة عن الوعى .. وبصعوبة أيقظها أسامة فى الصباح الباكر , فهذا هو آخر يوم لها فى باريس حيث ستعود مساءا إلى مصر .. ولم يشأ أسامة أن يضيع اليوم فأراد أن يمنح مها شيئا مختلفا ومميزا آخر
- جهزى شنطتك للسفر .. عشان هاخدك دلوقتى لمكان وبعدين هانطلع منه ع المطار
بصوت واهن جدا وصداع يثقل رأسها قالت مها
- أنا حاسة إنى عاوزه أنام يومين
- عندى ليكى حاجة هاتطير النوم من عينك

ساعد أسامة مها فى تجهيز حقيبتها , ونزلا من الفندق وإنهيا إجراءات تكلفة الإقامة التى تحملها نادى الأدب الأيروسى .. قاد أسامة سيارته ومها تسأل
- هانروح على فين ؟
- مفاجأة
بعد قليل وصلا إلى شاطئ باريس الإصطناعى على نهر السين .. ظنت مها أنها ستحظى بيوم على الشاطئ قبل السفر .. لكنها وجدت زحاما شديدا كما لو أنه جمهور يحضر مباراة كرة فى الإستاد .. قرابة ثلاثة ألاف رجل وامرأة من مختلف الأعمار والأشكال والألوان وربما حتى الجنسيات .. وقف أسامة ومها وسط عدد قليل على بعد يتابعون ما يحدث .. حيث يصغى الجميع إلى رجل يتحدث عبر مكبر للصوت , وقال أسامة لمها
- دى واحدة من جماعات ال nudism حول العالم .. هو بيتكلم عن فلسفة التعرى وشعور الإنسان بتوحده مع الطبيعة
ظلت مها تتابع بعينيها , حتى رأت الحشد الكبير ينقسم لقسمين : الرجال فى جهة والنساء فى جهة أخرى .. هناك توجيهات تصدر من القائد عبر مكبر الصوت فينفذ الجميع .. رأت مها الرجال ينزعون ملابسهم فيصبحون عرايا تماما .. لايوجد أى شئ على أجسادهم مطلقا , إندهشت من بعض الرجال شبكوا آياديهم يخفون بها قضبانهم بدافع الخجل .. فسألت أسامة ما الذى يدفعهم لفعل ذلك طالما يشعرون بالخجل .. أجابها أنهم يرون الأمر برمته مغامرة ممتعة فيشتركون , ولكن يساورهم الخجل ... إصطف الجميع فى صفوف طولية منتظمة تماما على خطوط مرسومة على الأرض .. لم تفهم هى ما معنى أن يتمددوا عرايا على الشاطئ تارة على ظهورهم وتارة على جنوبهم يغمضون أعينهم تحت أشعة الشمس .. قال أسامة أن الإحساس بالتعرى وسط الآخرين على الملأ كنوع من التوحد مع الطبيعة , يمنح النفس إحساسا دافئا ممتعا ويصفو قلبه ... ضحكت مها مندهشة ... صحيح أنها ككاتبة قرأت من قبل عن تلك الجماعات لكنها لم تعنى بفلسفة الأمر على هذا النحو ... نهض الرجال يرتدون ملابسهم .. وحان الدور على النساء اللاتى أصبحن عرايا كيوم ولدتهن أمهاتهن .. سيدات وفتيات كبيرات وصغيرات .. تضحك مها واضعة كفيها على وجها وهى ترى عجوزا شمطاء فى أرذل العمر , تسير عارية بخطا متباطئة وسط مجموعة من أقرابائها ... لمعت الفكرة فى رأس مها .. نظرت إلى أسامة وركضت نحو الحشد .. نزعت فستانها وتعرت تماما ولم تكن فى حاجة لأن تنشغل بملابس داخلية لأنها لا ترتدى شئ تحته كعادتها دائما .. عارية مها وسط النساء إصطفت فى الطابور .. تنظر إلى ما قد يأخذ نظرها من تلك البدينات اللاتى ترهلت أجسادهن فى مناظر ملفتة .. ترقب عانات النساء بين مشعر وحليق .. والأثداء المتباينة بحلماتها من بين غائرة ونافرة .. شعرت بزهو بعدما قارنت بين جسدها وبين من هن أصغر منها فوجدت نفسها أجمل رغم أنها تجاوزت الخمسين .. فعلت مثلما فعلو حيث تمددت أرضا على بطنها تغمض عينيها .. إحساس جميل بالمغامرة وشعور ممتع بالتحرر , هى إعتادت على ذلك الإحساس منذ اليوم الذى قررت فيه عدم إرتداء أية ملابس داخلية تحت ملابسها .. لكن إحساسها الآن بالتحرر كان ممتعا ولذيذا لأبعد الحدود ... واتتها فرصة رأتها مها مناسبة لترقب قضبان الرجال المرتخية جميعها , حين إمتزج الرجال بالنساء عرايا فى صفوف متقاطعة .. كانت مندهشة من أن عينيها لم تقع على قضيب منتصب .. تستغرب الحدث ألا يشكل نحو ألفى إمرأة عارية تماما بكل هذه الأجساد المتنوعة أى إثارة لرجل من أولئك فينتصب قضيبه .. تابعت الشباب صغار السن علها تجد أحدهم منتصبا لكنها لم تجد .. غريب هذا الأمر بالنسبة لمها هى نفسها تشعر الآن ببعض الإثارة جراء متابعتها لأجساد الرجال العارية .. أدركت حينها أن الغريزة منشأها دوما الفكر الذى بدونه تصبح الأجساد العارية شيئا عاديا .. هى تشعر بالإثارة لأنها فكرت فى الأمر وراقبت الأجساد .. بينما الأخرون لم ينشغل بال أحدهم بالجنس فلم ينتصب قضيبه لمجرد مرآه لأجساد عارية ... رقدت مها وتمددت ووقفت وسجدت .. فعلت مها كما فعل الجميع سعيدة بمغامرة لم تكن أبدا تتخيل أن تحظى بها .


فى المطار كانت مها نعمان لا تجد من الكلمات ما يمكن أن تعبر به لأسامة على إمتنانها , فاكتفت بقبلة رقيقة على فمه ونظرات إمتنان شديد .. وافترقا على أمل اللقاء ... تسترخى مها فى كرسيها بداخل الطائرة تتمنى العودة إلى أسامة مجددا .. لكن كلما إقترب الوقت من الوصول إلى مصر , كلما تذكرت أنها ستعود إلى سابق حياتها .. فكرت فى أمجد وأمانى وسامى .. إرتسمت أمام مخيلتها صورة لوجه زوجها سامى تتغير ملامحه بدءا من يوم عرفته وحتى الآن .. إسترجعت ذاكرتها رسائل بعض قارئتها المتزوجات وأرسلن لها يشكين عذاب الضمير لأنهن إنسقن وراء علاقات آثمة خارج الزواج .. أسندت رأسها على للخلف على الكرسى وأغمضت عينيها تتأمل ما بداخلها من أحاسيس ومشاعر الآن .. لم تجد أن بداخلها إحساس بالذنب أو التأنيب , بل وجدت نفسها سعيدة مغتبطة بذلك الأسبوع المبهر من حياتها .. ولما لا ؟ .. طالما عاشت مها وشبت تستمتع بالحياة وتفعل ما تشاء دون أن تعبأ بالآخرين .. لكن كلمة الآخرين التى جالت بخاطرها جعلتها تتذكر أن متعتها لا يجب أن تنتهك حقوق الآخرين .. وتسائلت : أليس ما فعلته يعد إنتهاكا لحق سامى زوجها .. تعلمت من سامى وفلسفته أنه مهما بدا سلوك ما وضيعا صادما , إلا أن تأمل بهدوء وروية يجعل رأينا فى هذا السلوك يختلف .. هكذا أمعنت مها فى التفكير .. إن جسدها ومشاعرها وأحاسيسها ورغباتها ملكا لها وحدها .. هذا ما زرعه فيها سامى .. ولا يمكن أن يكون زواجها منه حكرا على رغباتها أبدا .. الزواج نوع من التعاقد على علاقة بين طرفين .. أخل سامى بالتعاقد أولا .. هو من تغير وبات شخص آخر غير الذى أحبته وعشقت حياتها فى كنفه .. لكن إذا كان الأمر كذلك , فكان عليها أن تنفصل عن سامى أولا وتلغى العقد بينهما ومن ثم تفعل ما تريد .. لكنها فكرت أنها لم تفعل ما فعلت بدافع تخطيط مسبق أو رغبة ملحة مكبوته .. فقط إنصاعت لظروف سارت بها تجاه رغبات ممتعة فلبت النداء .. أفاقت من شرودها على إرتطام عجلات الطائرة بأرض مطار القاهرة .

بعد الترحاب والإطمئنان على أحوال ابنها أمجد وأختها أمانى , ولم تجد جديد طرأ على حياتهما , فكثيرا ما كانت تشعر وهى فى باريس بأنها معهما من خلال محادثاتها التليفونية .. طلبت مها زوجها سامى قبل حتى أن تستبدل فستانها أو تحظى بحمام بارد , وجلسا فى غرفة النوم .. مها لم يكن أبدا أن يصبح فى حياتها معنى لكلمة سر , فلم تملك يوما فى حياتها سرا خاصا بها لم يطلع عليه سامى ويشاركها فيه .. حكت له ما مرت به خلال أسبوعها فى باريس .. وما حدث فى الملهى الليلى وعلى رصيف شاطئ باريس .. لم تكن تسهب فى وصف الفعل إنما كانت تحكى عن شعورها ورغباتها التى كانت تتقافز مع الأحداث فتنساق هى وراءها بلا أية تفكير , وختمت كلامها
- إنت إيه رأيك ؟
هكذا سألت سامى الذى كان يستمع إليها بوجه محتقن رغم تعبيرات وجهه الجامدة التى لا تتغير أبدا , ونظرات عينيه التى ترنوا ساهمة إلى الفراغ إلى جانب الشعر الأشيب على جانبى رأسه , كان يبدو كفيلسوف من عالم فريد .. الدكتور سامى رضا أستاذ الفلسفة لم يكن مجرد دارسا ومدرسا لها فحسب .. إنما كان للحق فيلسوفا حقيقيا ينظر إلى الأمور من عل .. فلم يكن بالطبع يشعر بما يمكن أن يشعر به أية رجل شرقى بموروثه المجتمعى الثقافى , بعدما تحكى له زوجته ما حكته مها .. فينهض ليقتلها أو يضربها أو على أفضل الإحتمالات يطلقها ويلقى بها فى الشارع .. كل ما فعله أن رنا إليها بنظرات ذكرتها بأيامها الجميلة معه , وسألها بهدوء
- لسه بتحبينى ؟
صمتت مها تفكر فى السؤال ثم أجابت
- أنا حبيت ووهبت حياتى لسامى اللى جه البيت عندنا يذاكر لي .. إنما سامى اللى قدامى دلوقتى ده واحد تانى
تنهد سامى وقال وهو ينظر فى عينيها بحب
- أنا بحبك يا مها ..... أكتر من زمان
قالها وهو ينهض متجها لغرفة المكتب .. بينما ذهبت مها إلى الحمام ومن ثم للنوم .


موقف غريب يفرض على البعض النظر إلى مها بإعتباره إمراة وقحة شاذة فعلت ما فعلت وجلست تخبر زوجها بمنتهى الهدوء .. بدلا من التوارى خجلا فى السر تندم على ما فعلت .. ويفرض ذلك أيضا إلى النظر إلى سامى بإعتباره رجل ديوث بلا كرامة نظرا لرد فعله العجيب تجاه زوجته .. لكن المتأمل فى كلا الشخصيتين , سيدرك أن ما حدث أمرا عاديا .. فمها نعمان بتربيتها ونشأتها تحت جناح سامى إفتقدت إلى الرادع الدينى والمجتمعى الذى يمكن أن يعوقها عن الإستجابة لما تحس وتشعر به من رغبات تبث فيها المتعة .. بل هى تدعو دائما إلى ذلك من خلال كتاباتها , وتردد : على الإنسان ألا يضع سلوكياته وتصرفاته فى حالة فصام مع ما يشعر به من رغبات وأحاسيس .. أن يفعل ما يرغب شرط ألا يعتدى على حقوق الآخرين .. هاهى فعلت ما تعتنقه وتدعو إليه .. أخبرت زوجها بما فعلته , لا لأن تعترف كزوجة خائنة وتترك لسامى الحرية فى أن يتخذ رد الفعل الذى يراه ملائما .. بل لتعرف رأيه الفلسفى فى ثمة موقف كهذا أولا .. وإرضاءا لشعور دفين بداخلها ثانيا , بأن تلقى عليه مسؤولية ما حدث وتشعره بتقصيره نحوها وتبدل شخصيته وإنعزاله عما حوله منغمسا فى فلسفته , قد أدى إلى خروجها من تحت جناحه .. لذا لم تشغل بالها إطلاقا فى إعادة صياغة الأمر برمته فرد فعل سامى جعلها تدرك أنه لا جديد .

أما سامى فقد أورثته تأملاته الفلسفية فى الأديان بالطبع إلى الإعتقاد بأنها جائت من أجل تكريس الهيمنة الذكورية على الأنثى , فدوما ما كان يكتب :-
( "" الأديان الإبراهيمية كرست الهيمنة الذكورية , فلو قلبنا كل التراث الإبراهيمى سنجد فوبيا المرأة هى الحاضرة .. منذ حواء التى خلقت من ضلع أعوج من آدم , فهى حتى لم تستحق حفنة من التراب تُخلق منها كما خُلق آدم .. أو على الأقل ضلع سليم وليس أعوج .. هى التى أغوت آدم للأكل من الشجرة وكانت سبب معاناة البشر على الأرض بعيدا عن الجنة الغناء المثمرة .. لقد حفلت النصوص الدينية بكم هائل من إزدراء المرأة وتحقيرها وإعتبارها مجرد إناءا جنسيا .. فالرجل فى الجنة من حقه أن ينكح ما يشاء من الحور العين ثيبات وأبكارا , أما المرأة زوجته فهى تتحول إلى سيدة الحور العين لتشرف عليهم من أجل زوجها .... نتيجة كبتنا الجنسى تحولت علاقة الرجل بالمرأة إلى مجموعة من المناورات الدائمة والمستمرة لإعتلاء الأنثى وتجلت عبقرية الرجل في أنه حجب وغطى جسد المرأة ليخلق فى نفسه حالة من الشبق المستمر من أجل البحث الدؤوب عن الجنس .. من هنا كان الزنا ماهو إلا تشريع رأى الرجال أن يحافظوا على أوانيهم الجنسية .. وألبسوا تشريعهم رداءا مقدسا .. فإذا كان الرجل من حقه أن ينكح ما طاب له من النساء مثني وثلاث ورباع إلى جانب الجوارى وملكات اليمين وميراث هائل من الحور العين في الجنة .. ألا يعنى ذلك أن تشريع الزنا جاء لفرض الهيمنة الذكورية على المرأة , ليس إلا ؟؟ "")

لذا إعتقد سامى رضا بالطبع أراءا متفردة فى العلاقات الجنسية بين البشر .. فهو لا يرى فيها ما يعب طالما لم تصطدم مع حقوق الآخرين من المجتمع والناس , وهذا ما يفعله الغرب المسيحى رغم أن جملة ( لا تزنى ) تكررت مرارا فى الكتاب المقدس .. لكنهم آمنوا بضرورة وحتمية تلك الغريزة التى تعد أقوى الغرائز البشرية .. فسعوا إلى تنظيم ممارساتها ولم تعد تقتصر على الزواج فحسب .. بل من إتخذوا من التدابير ما يحمى الحقوق المترتبة عليها إذا لم يكن هناك زواج .. إعتبر سامى أن الزواج هو إتفاق بين شخصين على ممارسة الحياة معا وفقا لشروط يحددونها ويرتضون بها .. فذلك الإتفاق هو الزواج حتى إذا لم يكن هناك أوراق ثبوتية لذلك .. المتزوج لا يحق له ممارسة الجنس خارج إطار الزواج , لأن فى ذلك إنتهاكا لشريكه ونقضا للإتفاق بينهما .. لكن فى حال علم أحد الطرفين وموافقته يحق للأخر أن يفعل .. حيث لن يكون هناك إنتهاكا لحق أحد .. هكذا كانت آراء سامى التى وضعته فى تلك اللحظة جالسا أمام مكتبه يفكر فيما حكته مها .. يدرك أنه المسؤول عن ذلك وعليه أحد أمرين .. إما الإنفصال وإما الموافقة ضمنيا , ولاح لها أمر ثالث هو أن يعود إلى سابق عهده يوم إقترن بمها .. لكنه آمن أنه يسير فى طريق منعزل بعيد عما حوله .. صامت على الدوام يفكر ويتأمل ... يقرأ ويكتب .. هذا هو عالمه الآن الذى دخله منذ سنوات .. لا سبيل للعودة فعلى ما يبدو أن هذا الطريق ذو إتجاه واحد فقط .. نفض الأفكار عن رأسه وأذعن إلى المضى فى حياته كما تسير .

بدأ كتابة مقالة جديدة بعنوان ( الله جعلناه لصا )

("" حسبما جاء فى النص التوراتى " وأعطى نعمة لهذا الشعب في عيون المصريين . فيكون حينما تمضون أنكم لا تمضون فارغين . بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن نزيلة بيتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثياباً وتضعونها على بنيكم وبناتكم فتسلبون المصريين " سفـر الخـروج
" وفعل بنو إسرائيل بحسب قول موسى . طلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثياباً . وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم . فسلبوا المصريين " سفـر الخـروج
إندهشت من هذا السرد .. فالله هنا يشجع اليهود على سرقة المصريين وبخسة وندالة عند خروجهم من مصر !! .. حسب القصة فالمصريون تم خداعهم والخدعة لم تأتى من اليهود بل من المخطط والمدبر الأكبر .!!

والإسلام جاء هو أيضا كمشروع سياسى توسعى ومارس الغزوات ونهب القبائل المجاورة قبل أن ينطلق خارج الحدود ليمارس دوره التوسعى تحت يافطة الجهاد فى سبيل الله ونشرالإيمان .. وكأن الإيمان لا ينتشر إلا بالسيف .. ولتندهش أيضا من علاقة الغنائم والسلب بالدخول فى الإسلام .
الإسلام يسمى سرقة ونهب الشعوب الأخرى بالغنائم " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم "
ولا تصل الأمور إلى حد تحليل الغنائم والنهب بل يتم إرسال تشريع من السماء لينظمه بعد حدوث حالات فوضى عند تقسيم الغنائم عقب غزوة بدر فنجد أن المقاتلين إنقسموا على أنفسهم لتوزيع الغنائم , ليتحرك الله سريعا أمام هذه المشكلة فى توزيع النهب .. فينزل آياته البينات التى تعالج هذا الخلاف العويص : " يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين "
ثم أوضح القرآن أسلوب تنفيذ هذا التشريع : " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير"
هل لنا أن نتصور إلها لصا بهذه الصورة وهذا المنظر الفج , أم الأمور لها معنى آخر .. بالفعل الأمور لا تكون بهذه السذاجة والسخافة فلا توجد آلهة لتشرع بتحريم السرقة وتحليلها , بل إزدواجية الإنسان الذى يحلل ويشرع ويرسم آلهته ويضع فيها مصالحه وأطماعه ويعرف كيف يسوقها .. تظهر بشرية الفكرة والرؤية وتتأكد من خلال تحليل سرقة ونهب الآخر فتسقط القيمة والمعنى فى لحظة واحدة .
لقد روجوا بتعسف شديد بأن الأديان هى التى قدمت الأخلاق للإنسانية .. بينما الأخلاق هى حاجة الإنسان إلى نظام ينظم علاقته مع الآخرين ليسودها السلام ويحكمها تطور المجتمع الموضوعى .. الأديان قدمت لنا بالفعل أخلاقيات ولكنها أخلاق و سلوكيات مزدوجة ومهترئة .. فهى لم تقدم السلوك كمنهج عام للحياة لكل البشر بل هى طرحت الأخلاق والسلوك لأفراد المجموعة المؤمنة فقط .. وتحررت من هذه السلوكيات فى تعاملها مع الآخر لتمارس نقيضها وبداوتها .. ولما لا ؟ طالما جائت النصوص المقدسة ..
{ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم }
{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء .. بعضهم أولياء بعض }
{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء }
{ ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون }

ما كل هذا الكم من البغض والكره تجاه الآخر , حتى لو كانو آبائنا أو إخواننا أو أبنائنا ؟ .. الآخر كافر مصيره إلى النار , فلتسحله أرضا وتطأه بقدميك وتقتله .. بعدها إلى جنة الخلد أما هو إلى النار وبئس المصير .. لماذا لا تسع النصوص الدينية لقبول الآخر وفكره .. لإنها نصوص بشرية جائت تكرس مصالح وأطماع توسعية , فلا مجال هنا للآخر نهائيا .. وسط عنصرية كلاسها كل فصيل لنفسه , فاليهود يرون أنفسهم شعب الله المختار .. والمسيحيون يرون أنفسهم أبناء الله البررة المفدين بدمه .. والمسلمون يرون أنفسهم خير أمة أخرجت للناس .. ماذا يكون ذلك سوى عنصرية فجة ضد الآخر .

الميثولوجيا الدينية بقصصها وأساطيرها وخرافاتها حافلة بآلاف الصور لم نستدعى منها إلا القليل , ويمكنكم أن تستدعوا الكثير والتى تبين سذاجة كاتبها ومسطرها.. هى صور تنال من فكرة الإله أكثر مما تدعمها .. فهذا الإله يخلق كونا بمساحة ألف مليون و211 مليون و 40 ألف ترليون ميل , ثم ينتقى مجرة واحدة من مجراته , ومن ثم مجموعة شمسية من مجموعاته , ومن ثم كوكبا واحدا من كواكبه ليخلق عليها الحياة ويسخر كل شئ عليها للإنسان فصارت الكواكب والنجوم زينة السماء الدنيا .. كيف لنا أن نفسر هذا العبث الفكرى والتى تصيب فكرة الله نفسها بالسطحية والتفاهة عندما تجعله يهتم بتوافه الأمور وسط كون هائل وشديد الإتساع والتعقيد ولا تكون الأرض بكل ما عليها أكثر من حبة رمل فى الصحراء الكبرى .
كيف نفسر قبولنا ورسمنا لهذه الصورة العبثية والشديدة السذاجة .. وما الذى جعلنا نعتقد بأن قصصنا الساذجة والعبيطة تحظى بإهتمام إله وأنه راصد ومهتم ومعتنى ومحب ومنتقم من كل واحد منا .. عندما خلق الإنسان آلهته أسقط غروره فيها , فجعلها تهتم به وتعتنى به وتقوم على خدمته وإحتياجاته .. بل جعلها تخلق الوجود من أجله فصور له غروره مع عقله الجاهل أن النجوم الهائلة ما هى إلا مصابيح ولمبات للزينة والإنارة .
هو تصور أنه محور الكون فنسج قصصه وأساطيره ووظف فكرة الإله فى كل ثناياها لخدمة الأنا .. فلم يرهقه خياله ولا غروره فى أن يجعل الإله خالق الشمس والنجوم والأنهار والزرع والحيوان من أجله .. وبالطبع أوكل له ترتيب حياته ورزقه وأمنه وسلامه وحتى تعثره فى حجر .
لقد إستغل وإستثمر فكرة الإله أفضل إستغلال ليرضى حاجاته النفسية ..ويمكن القول أننا خلقنا الآلهة وأسقطنا عليها رغباتنا بالإهتمام وأننا ذو قيمة فى عالم قاسى يصفعنا على وجهوهنا ليقول لنا أننا بلا قيمة ولا معنى ولا غاية .. نحن خلقنا الإله الذى يدس أنفه فى كل صغيرة وكبيرة ليعطينا الشعور بأننا ذو أهمية وأننا محور الوجود وفى قلب الحدث .

لم تمنع فكرة الإله بهذا المغزى أن يستثمرها الأذكياء والطامحين فى تمرير مصالحهم ومطامعهم ونزواتهم من تحت عباءتها فيصورا ان الله إصطفاهم وكلمهم ويطلب منهم أشياء ويهبهم أشياء وليعطوا إيحاء للبسطاء بأنهم المصطفون والمتحدثون الرسميون بإسمه كأنبياء ومرسلين .. فلا مانع أن يزعموا بأن الله أراد لهم هذه الأرض ويبارك زواجهم ويلعن أعدائهم من فرعون وأبو لهب فالأمور غير مكلفة .

الإنسان تعامل مع الفكرة ليكون ذو أهمية فى هذا الوجود العابث ووسط طبيعة غير مهتمة به ولا مكترثة بوجوده فخلق الإله الذى يمنحه الثقة ويؤكد غروره ولتصبح الحياة ذات معنى وجدوى فهناك من يهتم ويهب ويمنح بل وينتقم من أعدائى ..فلأجعله فى ميدان القتال ليحقق أطماعى فى النهب والسيادة ولامانع أن أجعله يرسل ملائكة من ريش من مملكته البعيدة ليعضد من موقفى ويشحذ نفوس المقاتلين ..ولا مانع أيضا أن أجعله الراعى الرسمى لعواطفى ونزواتى ."")

هنا توقف سامى عن الكتابة , وأشعل سيجارة وأسند مرفقه الأيمن على كرسى المكتب وأحنى عليها رأسه .. هذا الذى كتبه يحتاج إلى نظرة أخرى ممعنة .. هكذا حالته فى الآونة الأخيرة , يفكر ويكتب ثم يعاود تأمل ما إعتنقه .. الإنسان كائن إمتلك الوعى ..الوعى الذى جعله خارج الطبيعة راصدا لها بالرغم أنه جزء منها .. هذه ليست علاقة كمية بل إرتباط كيفى .. ليس الأمر تافها إلى النحو الذى يجعلنا نندهش من الإله العظيم المنشغل بتوافه الأمور .. الإنسان حمل بداخله نفخة روحانية من الله .. أعطته هذه الروح , القيمة التى تستحق إهتمام الخالق به .. نهض سامى من أمام مكتبه متجها إلى نافذ الغرفة وفتحها يستنشق بعض الهواء النقى وينظر إلى السماء الصافية بنجومها المتلألئة يفكر ... الروح ... ما هى الروح ؟ .. هل يوجد شئ اسمه الروح .. جال بخاطره مقولة الفيلسوف الإنجليزي فرانسس بيكون منذ أكثر من ثلاثة قرون .. إن قليل من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد .. أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين .. طالما إلتمس سامى حقيقة تلك المقولة فعلا خلال تأملاته الفلسفية .. لكنه أضاف عليها : أن قليل من العلم يقود إلى الإلحاد .. أما التعمق فى العلم فيقود إلى الإيمان .. ولما لا ؟ إذا كان إينشتاين عندما سألوه عن وضع الله فى نظريته بشأن ماهية الكون والوجود , أجاب أن ذلك الإله لا وجود له فى نظريته النسبية .. هو كان يتحدث عن ذلك الإله الذى رسمته النصوص الدينية .. لكنه تحدث فى نظريته عن إله ... إله من نوع آخر .. أوزع إينشتاين فى نظريته أن الأجرام السماوية تخضع لقوى مهيمنة تراقب حركاتها حول بعضها , إذ أنه لو تحرك جرم من مداره قيد أنمله لأختلت قوى الجذب والطرد , وأنهار الكون والوجود برمته وتلاشى .. إن هذه القوة تصلح لأن تكون إلها فقط .. ولا تصلح لأن تكون مادة , فهى لا تخضع لأية من قوانين المادة .. هكذا كان سامى يفكر وهو يتأمل النجوم فى السماء , أن التعمق فى فهم العلم يقودك إلى عاقل دبر وفكر وصنع هندسة فريدة للكون والوجود .. لا يزال سامى يرى أن إلصاق ماهية الوجود بالطبيعة العبثية العشوائية أمر يستعصى على الفهم القويم .. إذ ماذا يكون ذلك سوى تأليها للطبيعة , دار بخلده تجربة أحد أكبر علماء علم الإحتمالات حيث تناول حمضا أمينيا من تلك الأحماض التى تشكل بروتين المادة الحية , ويتكون الحمض من خمسة عناصر هى الكربون والهيدروجين والأكسيجين والنيتروجين والكبريت , من بين مائة واثنين عنصر موجودة فى الطبيعة .. وبقانون الإحتمالات .. أصبح إحتمال أن يتكون ذلك الحمض الأمينى يبلغ واحد إلى رقم عشرة مضروبا فى نفسه 160 مرة .. هل يعقل أن تقود المصادفة والعشوائية إلى نجاح إحتمالية بهذه الضآلة المتناهية مع حمض أمينى وليس مركب كيميائى عضوى ؟ .... أجاب سامى فى نفسه ... هراء .. لا يمكن للصدفة والعبثية أن تنسج كونا محكم بهذه الدقة .

قانون السببية لا يزال يتواصل حتى نصل إلى ذرتي الكربون والهيدروجين والتى نشأ من التواليف المعقدة بينهما كل هذا الكون والحياة .. من وراء ذلك ؟ .. من ؟

عاد سامى يجلس قبالة مكتبه وفتح أجندته الخاصة يكتب
( "" أينما اتجهت بعقلى في دنيا العلوم ، رأيت الأدلة على التصميم والإبداع ، على القانون والنظام ، على وجود عاقل يتحكم فى المادة .. سر في طريق مشمس وتأمل بدائع تركيب الأزهار، وإستمع إلى تغريد الطيور، وانظر إلى عجائب الأعشاش ، فهل كان محض مصادفة أن تنتج الازهار ذلك الرحيق الحلو الذي يجتذب الحشرات فتلقح الازهار وتؤدي إلى زيادة المحصول .. ليس من المنطق أن نعتقد بأن الطبيعة هي التي رتبت ونظمت هذه الأشياء .. من علم طائر بالتيمور ذلك الفن الرفيع؟ .. أن يبنى عشه بهندسة وفن غاية الجمال , ولماذا تتشابه جميع الأعشاش التي تبنيها الطيور من هذا النوع ؟ وفى هذا التوقيت.. إذا قلنا الغريزة البيولوجية وأن التجربة العلمية أثبتت أن هرمون الإستروجين هو المسؤول حيث ينشط بأشعة الشمس الدافئة فى الربيع .. بدليل أن الطيور التى تم حقنها بالإستروجين قامت ببناء العش قبل أوانه .. هكذا يقود قليل من العلم إلى رفض الإله .. لكن لنتأمل ونتعمق فى العلم .. ألا يدل ذلك عن أن الطائر لا يدرك ما يفعله ولا يعرف السبب .. إنه كآلة مكونة من خلايا حية يسير على نظام موضوع له .. فمن الذى وضع ذلك النظام ؟؟ .. إنه هناك .. يتوارى خلف الأحجبة .. هو أراد ذلك .. ليمنحنا حرية الإختيار .. القدرة على إستكشاف وجوده والوصول إليه .. لو وضع الله من الأدلة الباتة ما يدل على وجوده , لما إمتلك الإنسان حرية الإختيار سيكون مدفوعا إلى الإيمان بفعل أدلة راسخة لا تقبل الشك .. لكن حرية الإنسان فى إختيارة بنيت على أن يتوارى الله خلف الأحجبة .. إنه الروح التى تتوارى خلف المادة .. إنه المؤلف الذى يصوغ قصصه لتتأملها الألباب .. كتلك القصة التى تبدأ حين تكون نبات اليوكا أحد النباتات الزنبقية , وتكونت زهرته تتدلى للأسفل على شكل كأس فى وضع يستحيل معه أن تسقط فيها حبوب اللقاح المنتقلة بالرياح أو الحشرات , مما يعنى أن هذا النبات مآله إلى الفناء والإنقراض .. هكذا إذن هى الطبيعة العشوائية العبثية أخطأت فى خلق وتكوين نبات اليوكا فأودت به إلى الهلاك المنتظر المحتوم .. بكى نبات اليوكا متحسرا على حاله البائس الفانى لامحالة .. ينظر إلى النباتات من حوله فيرى شماتة عباد الشمس , وشفقة البنفسج وتعاطف الفل والياسمين .. ينتظر النهاية بدموع الوداع .. ولكن فجأة بعد مغيب الشمس بقليل تظهر فراشة رقيقة بألون زاهية تطير بجناحيها , وكأنها خلقت لأداء مهمة محددة , حيث تملك فما تكون بطريقة خاصة لتتمكن الفراشة من جمع حبوب اللقاح وتخزينها فيه .. وبعدها تقف على زهرة اليوكا المتدلية وتقوم بوضع حبوب اللقاح على ميسم الزهرة بلصقه لصقا على شكل كرة , بمادة لاصقة تمنع حبوب اللقاح من السقوط بفعل الجاذبية نظرا لوضع الزهرة المقلوب .. عندئذ يتلقح نبات اليوكا وينتج بذوره ويستمر فى الحياة .. ياالله .. هى دهشة تفرض نفسها .. فإذا كانت الطبيعة هى التى تسببت فى تشوه نبات اليوكا وعجزه عن المضى فى الحياة وحده .. إذا فمن الذى ساق له هذه الفراشة وصمم تكوينها من أجله وجعل لها فما مهيئا لجمع حبوب لقاحه .. من الذى أودع فيها المادة اللاصقة حتى تلصق حبوب اللقاح بالميسم فلا تسقط أرضا ؟ .. لا يمكن أن يكون سوى عاقل خطط ودبر .. ثم أن القصة لم تنتهى على هذا النحو .. ثمه تساؤل : ما ذنب الفراشة لكى تهب حياتها من أجل نبات اليوكا , وكيف تواصل هى حياتها .. إنظر إلى ما حدث .. إن نبات اليوكا حمل فى طياته إمتنانا عميقا لفراشة اليوكا التى أنقذت حياته , فقد أبى على نفسه إلا أن يرد الجميل فمنح الفراشة مبيضه .. حيث تقوم الفراشة بثقب المبيض بواسطة أداة خاصة فى مؤخرتها تنتهى بطرف مدبب يشبه الأبرة , وينساب منه بيض الفراشة إلى داخل مبيض الزهرة , حتى إذا فقس البيض وخرجت اليرقات , منحها نبات اليوكا بذوره لتتغذى عليها فتكبر وتواصل الحياة .. يا الله .. ما أروع هذه القصة .. إنها لم تكن من نسج خيال مؤلف حالم , ولا من عالم الفانتازيا .. بل هى حقيقة من ضمن حقائق مبهرة فى عالم النبات .. فنبات اليوكا لا يمكن أن يحيا بدون فراشة اليوكا التى إرتبط مصيرها هى الأخرى به فلا يمكن أن تعيش بدون نبات اليوكا .. خلقت هى وتكونت من أجله هو فقط .. ورد لها هو الجميل بمنحها مبيضه .. هذا العلاقة التكافلية لا يمكن أن تكون نشأت عبثا وعشوائيا .. إنها نظام .. وبما أن المادة لا تهدف لشى , في حين أن النظام يهدف لشئ .. يستوجب ذلك حتما وجود عاقل وراء هذا النظام .. أليس مدهشا أن يتصف نبات اليوكا بصفة الإمتنان فيرد الجميل لفراشة اليوكا , على عكس ما يحدث فى الزهرة المسماة ( جاك فى المقصورة ) والتى تقوم الزهور الذكرية منها بإطلاق رائحة عطرة تجذب الحشرات , وتظل تترقب حتى إذا دخلتها الحشرة , أفرزت مادة لزجة على جدرانها الداخلية تجعل الحشرة المسكينة تنزلق كلما حاولت الخروج من الزهرة .. عندها يجن جنون الحشرة متشبثة بأمل واهى فى النجاة , فتدور حول نفسها بسرعة جنونية داخل الزهرة مما يؤدى إلى إلتصاق حبوب اللقاح بها لدرجة أن جسم الحشرة كلها يتغطى بحبو اللقاح .. وحانت اللحظة الأخيرة حيث تسلم الحشرة البائسة أمرها وقد يأست تماما من أية أمل فى النجاة .. فجأة تتوقف الزهرة عن إفراز مادتها اللاصقة وتجف جدرانها , فتتمكن الحشرة من الخروج والنجاة والعودة للحياة .. لكنها تنجذب إلى رحيق زهرة مؤنثة فتدخلها وتسقط حبوب اللقاح من على الحشرة إلى داخل الزهرة فتتلقح وتنتج البذور .. لكن زهرة جاك فى المقصورة , زهرة أنانية شريرة سادية إذ أنها تغلق نفسها على الحشرة الضعيفة وتسحقها سحقا وتقتلها بداخلها .. القصة هنا ليست رومانسية حالمة كما فى نبات اليوكا وفراشته .. فهنا جانى ومجنى عليه .. ما ذنب الحشرة المسكينة لأن تدفع حياتها ثمنا لزهرة جاك .. وما الذى كان يضير الزهرة إذا لم تقتل الحشرة وتتركها تواصل حياتها .. أين العدل هنا ؟ .. نتأمل ونفكر فإذا بنا نجد أن تلك الحشرة تغذت من قبل على حشرة أخرى .. إذا هى حشرة قاتلة .. قتلت أولا فاستحقت الموت قصاصا عقابا لها .. على عكس فراشة اليوكا التى لم تقتل أحد فاستحقت الحياة .. هنا العدل والنظام .. لو أن تلك الحشرة لم تمت بداخل زهرة ( جاك فى المقصورة ) لكثرت أعدادها وتضاعفت , وبما أنها حشرة قاتلة تتغذى على الحشرات الأضعف منها , لإنقرضت الحشرات الأخرى وبقيت هى .. وإذا إنقرضت الحشرات الأخرى لماتت النباتات التى تعتمد عليها ... يا الله .. لا يمكن أن يكون ذلك سوى أن هناك عاقل قدير صاغ بقلمه هذه القصص المبهرة .. إنه هناك ... موجود يتوارى خلف الأحجبة . "")

كان سامى بعدما كتب تأملاته الأخيرة , يشعر بدفء يغزو صدره , وسكينة تكتنف عقله .. كان يتمنى لو يجد مؤمنا يجيب على تساؤلاته دون أن يقدس النص , ولا يفر هاربا يردد ( وأعرض عن الجاهلين ) .. هكذا استشعر سامى أن الإلحاد أقوى من الإيمان .. ولما لا ؟ .. إذا كان الإلحاد يتحدث بنظريات علمية وعن مادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم وعن علوم يتم قياسها وتحديدها .. أما الإيمان فهو يتحدث عن أمور غيبية عن عالم آخر بعد الموت لا دليل على وجوده .. يترسخ لديه أن الأمر برمته لا يعدو كونه دائرة مغلقة .. تبدأ بتأمل النص الدينى فتجد أوهام وخرافات وقصص ساذجة لترفضها على الفور , وبالتبعية ترفض الإله .. لكن ستصدم بعدها بماهية الخلق والوجود , وأن الطبيعة لا يمكن أن تكون هى من نسجت هذا النظام الذى تدفعك تأملاتك فيه إلى الإيمان بوجود عاقل يتحكم فيه .. دائرة مغلقة لا تنتهى .. يضل سامى فيها يدور ويدور .. خلق جدلية مع نفسه يبث فيها ما يعتمل بعقله .. أذعن ذات مرة بالإيمان بالله بعد تأملاته فى الوجود , فوجب عليه التعرف على الله ولم يكن هناك بالطبع سوى الأديان , فقفزت تساؤلاته مجددا .. يتسائل : لماذا سيحاسبني الله إذا كان يعلم بمصيرى قبل أن أوجد فى الحياة , وكتب إن كنت شقيا أم سعيدا وأنا فى بطن أمى ؟ .. هل يحاسبنى إذا من باب اللهو والتسلية بأمور معادة .. أم أن الأقرب للعقل والمنطق أننا خلقنا الله ومنحناه صفة المعرفة المطلقة , فوقعنا فى العبث والعبثية .
لماذا خلقنى الله ؟ .. لكى أعبده .. إذن هو فى حاجة لعبادتى فلماذا ؟ .. لا هو عزيز مقتدر لا يحتاج إلى طاعتى وعبادتى له .. إذن بماذا تفيده أعمالى الصالحة , وبماذا تضره أعمالى السيئة .. هل لأنه يستنصر بها فى معركته مع الشيطان أم أن الأقرب للعقل والمنطق .. أننا خلقنا الله ونحن كبشر لا نفهم أن يكون هناك أى فعل فى الحياة بلا غاية .. والإيمان واللإيمان هو فعل فلابد أن يكون له غاية وهدف .. ولكن الإشكالية أننا لابد أن نعتبر الله ليس له غاية وبلا مصلحة لأن بإعتباره صاحب مصلحة وغاية سنطعن بذلك فى ألوهيته و كماله .. لماذا أعذب عذابا لا نهائيا على أفعال محدودة زمنيا ؟ .. أليس الأوقع أننا أنانيون ومغرورون .. فتحنا باب الخلود ولم نستطع إغلاقه .. فجعلنا منه عالم من اللذة اللانهائية لنا .. وصنعنا الجحيم لغير المؤمن والكافر والآخر والمنحرف فنتلذذ وهم يعذبون أمامنا إلى مالانهاية .. لماذا هناك شعب الله المختار وأبناء الله المبررون بدمه وخير أمة أخرجت للناس .. هل لأن الله يحب ويكره وكل زمن وله محبين ؟ .. أم أن الأمر لا يعدو كونه أن كل دين وظف الله كما يريد فأرادوا أن يكونوا هم المميزون والجالسون على الحجر الإلهى وباقى البشر فى المزبلة .. لماذا هناك عدد معين من الركعات والسجدات والتمتمات فى الصلوات والطقوس ولا يجوز زيادتها أو نقصانها ؟!.. هل لأن هذا العدد يتفائل به الله .. أم أن ألف باء ترويض الإنسان على الإيمان ..أن يمارس فعل مادى دون أن يفكر أو يتسائل أو يعرف .. فينسحق وينبطح ليكون من السهولة أن تمرر كل حمولات الخرافة .

هكذا تحول الدفء إلى برد .. والسكينة إلى قلق وخوف , ليتبدل حال سامى جراء تساؤلاته .. صداع رهيب يفتك برأسه .. قذف أجندته وكافة الأوراق أمامه على المكتب وأطاح بها فى أركان الغرفة بغضب عارم .. أين الحقيقة ؟ .. لماذا يستمر الجدال ؟ .. لماذا أراد هو ذلك ؟ .. إن كان ليمنحنا حرية الإختيار , فها هو عاجز عن الإختيار .. دمعت عيناه وألقى بجسده على كرسى المكتب مجددا .. أسند رأسه على مرفقيه .. يحاول أن يلملم شتات نفسه .. المعضلة كلها تكمن فى النصوص الدينية مما يجعل الإيمان ينبنى على أحد أمرين .. إما أن تسلم عقلك وتؤمن دون أن تفكر , وتسير على درب الطاعة العمياء أملا فى الخلود فى جنة النعيم ونيل سعادة الدنيا والآخرة .. وإما أن تؤمن بالله ولكن تعيد صياغة النصوص الدينية فتقبل ما يراه عقلك سليما وترفض ما تراه خرافة .. هدأ سامى قليلا مع بزوغ نور النهار يتسلل إلى الغرفة .. نظر فى ساعته فوجد موعد ذهابه للجامعة قد حان .. تهيأ ونزل يستقل سيارته إلى الجامعة .. حالة سامى من سهر الليالى , جعلته أثناء إنحرافه بالسيارة خارجا إلى الكورنيش , لا ينتبه إلى السيارة اللادا الرمادية التى كانت تتجه لدخول المنطقة من على طريق الكورنيش .. وعلى الرغم من الصدام كان بسيطا لم تسفر عنه أضرار بالغة بكلا السيارتين , إلا أن عربى نزل من سيارته وصوته يهدر
- إنت حمار يا جدع إنت .. مش شايف يا أعمى ؟
لم يكن أبدا سامى من النوعية التى يمكن أن ترد على ما سمعه .. فنزل بهدوء من سيارته عازما على إنهاء الأمر بتحمله أية أضرار لحقت بالسيارة الأخرى .. إقترب منه عربى متحفزا إستعدادا للمعركة , لكن هدوء ملامح سامى وعدم إنفعاله جعله يقف صامتا منتظرا رد فعله .. وسرعان ما تشكلت الصورة لكلاهما .. فسنوات المدرسة الإبتدائية التى جمعتهما فى فصل واحد كانت كافية لأن تختزن الذاكرة وجهيهما رغم الشيب الذى غزا رأسيهما عبر السنون
- إزيك يا سامى
قالها عربى وكأنه إلتقى صديقا مقربا , ويتفحص بنظراته سامى ببدلته الأنيقة وهيئته المهيبة
- إنت عربى ؟
تصافحا وبادر سامى
- أنا آسف .. ماكنتش واخد بالى .. ومستعد أتحمل أى تكاليف
- عيب يا راجل .. ده احنا كنا زمايل فصل واحد .. جت بسيطة
ود عربى سؤال سامى عن أحواله , لكن هيئته التى يراها عربى تنم عن أنه ذو شأن , وكذلك سامى كان يعرف عربى البلطجى , فسمعته بالمنطقة فاقت الآفاق .. لذا إتجه كل منهما إلى سيارته بعد تحية سريعة .. ولكن سامى توقف فجأة إثر نداءا من عربى الذى إقترب منه , ومد يده إليه بورقة فئة جنيه وقال
- دا كنت خدته منك سلف من أكتر من ثلاثين سنة
ابتسم سامى وهو يتناول الجنيه , فهو يتذكر تلك الليلة .. ومضى فى طريقه شاردا فى عربى .. لقد كانا زميلين فى فصل واحد منذ أكثر من أربعين عاما .. وصار هو أستاذا جامعيا بينما أصبح عربى بلطجى .. يرى سامى أن ما يتردد عن عربى عطا فى المنطقة أصبح موروثا شديد البلاغة يتناقله الناس .. ذلك لا ينفى سطوة عربى بالطبع , لكنه ليس على النحو الذى يروجه الناس .. من هنا خطر لسامى أن عربى دين .. شخص يسرق ويمارس العنف ضد الآخر .. ولأن ذلك أمر يخيف الناس ويرهبهم أولا .. ولأن الخيال البشرى يعشق نسج القصص ثانيا .. تم تحميل الحدث فوق طاقته ليتحول إلى أسطورة شديدة المبالغة .. فعربى لا يخشى أحد أبدا مهما كان .. يسرق ويقتل ويحرق ومدعما من الأمن .. الإقتراب منه يعنى خطر محدق .. يذعنون له خائفين مرتعدين .. نفس المنطق هو الذى قدس النص الدينى وقام بتحميله أكثر مما يحتمل .. ونفس المنطق هو الذى حول القصص الدينية إلى أساطير عظمى .. ولكن ثمة مصالح على الجانب الآخر , فمصلحة الأمن جائت فى تعظيم الأسطورة وتمريرها للناس من أجل خدمة مصالحها .. تماما كما فعل الأنبياء والكهنة حين استغلوا جهل الناس بتعظيم الأسطورة الدينية وتمريرها إلى عقول الناس لخدمة مصالحهم .. ثم أين دور الإيمان فى ذلك .. هل عربى مؤمن بالله أم ملحد ؟ .. إذن الإيمان ليس له علاقة بالقيم الأخلاقية .. هذا ما كان سامى يكرس له بعض مقالاته الأخيرة .. أن تؤمن بأن هناك إلها خالقا لهذا الكون وأنه مدبر لكل شئ , ليس بالضرورة أن يشكل ذلك رادعا لمن يسرق ويقتل ويؤذى الآخرين .. لكن ما هو التفسير الذى يشرح التباين بين سامى وعربى .. العلوم المختلفة تقول أن سلوك الإنسان نابعا من جيناته المتوارثة التى تحدد سلوكه الذى يتبان ويختلف وفقا لبيئته التى شكلت وعيه وثقافته .. إذن معنى ذلك أن عربى صار على ذلك النحو لأنه سجين بيئته , فعلام يعذبه الله إذا كان ما فعله عربى نتاج ظروف قدر الإله أن يضعه فيها .. كان يمكن للإله أن يضع سامى مكان عربى والعكس .. أن ينال عربى التعليم الذى يجعله يقفز بوعيه على بيئته ومحيطه فيصبح إنسان آخر .. أين التقصير وعلام تقع المسؤولية .. وإذا سلمنا جدلا أن عربى حر تماما ويملك مطلق الإختيار , وهو الذى إختار حياته على هذا النحو .. فكيف تشكلت أدلته الثبوتيه على أن حياته هكذا هى الأفضل والأنسب .. إنه لم يكن له الخيرة فى أمره .. دفعته ظروف نشأته وغياب العلم والمعرفة عن عقله لأن يصبح على هذه الشاكلة .. أين هنا حرية الإختيار .. هى مجموعة من الظروف والصدف العبثية ساقت عربى إلى هكذا حياة .. بحسب النصوص الدينية يكون عربى فى الآخرة من أهل النار , رغم أنه يؤمن بالله خالق هذا الكون .. لأنه يرتكب من المعاصى ما يستحق عليه الشوى فى جهنم .. وحتى إذا أذعنا للإعتقاد الذى يقول أنه سيعذب فى نار بقدر معاصيه وبعدها يدخل الجنة .. أى أن عربى سيٌأخذ من حسناته ويُوضع على حسنات من سرقهم ونهبهم , ويعذب فى النار وبعدها يدخل الجنة لأنه مؤمن بالله , رغم أن إيمانه موروثا لا أكثر .. لم يؤمن بتأمل وفكر وقناعة .. قارن سامى ذلك بتطبيق المنطق الفلسفى على نفسه .. بحسب النصوص الدينية فهو سيخلد فى نار جهنم إلى مالا نهاية لأنه لم يؤمن بالله .. لكنه لم يرتكب من الآثام والمعاصى ما أقترفه عربى .. فكيف يكون العدل هنا .. هل الإعتقاد المجرد يشكل هذا الفرق المهول ؟ .. فحتى لو كان عربى سيخلد فى النار ولن يشم ريح الجنة أبدا رغم إيمانه نظرا لبشاعة أعماله .. عندما يلتقى سامى وعربى فى النار .. أيستوى ذلك بذاك .. ليس ذلك عدلا .. صاغ سامى ذلك فى مقالة كتبها فى مكتبه بالكلية بعدما إنتهى من محاضراته .. ووجد دعوة من أحد أصدقائه من الصحفيين .. دعوة لحضور إحتفال صحيفة آريف تلك الصحيفة الأرمينية بعيد صدورها .

إقرأ الباقى

ضع عنوان إيميلك ليصلك الجديد :