ربنا موجود

آدم شخص ذو عقل تحليلي، يتعرض في شبابه، لمحتوى ناقد للأديان مما يفجر فيه لعنة الشك 

وجد عقله يرفع القدسية عن النص الديني ويعيد قراءته بالعقل والعلم 


لكنه كان يشعر بفراغ نفسي وانعدام المعنى والغاية من حياته، دخل في مناجاة نفسية مع الله، يطلب منه الهداية والبصيرة 

يا رب خد بإيدي .. دلني على وجودك 

عرفني إنك موجود 

ليه طردتني من الجنة ؟

غصب عني أكلت من التفاحة

طريدك إبليس كان لي قرين

رجعني الجنة تاني


مرضت زوجته 

 وفي أروقة المستشفيات بغرف الرعاية المركزة 

كان يتسائل ليه يا رب ؟ .. 

هي عملت ايه.. دي أطيب إنسان على الأرض 


بداخل الرعاية المركزة

في ليلة يوم إجراء جراحة استئصال الورم لإنقاذ حياة زوجته

كان آدم يكابد كي ترتشف زوجته التي صارت جلداً على عظم، بعضاً من عصير التفاح.. نفس التفاحة التي خرج بسببها من الجنة، بينما هي ترد باستسلام تام للموت، وترفع يدها الملوثة بالدم المتسرب من الكانيولا بوريدها، تشيح بوهن، وصوتها المتقطع بضعف لا يكاد يُسمع وسط أزيز الأجهزة الطبية في الغرفة

— ماليش نفس، معلش غصب عني


نظرت إليه بعينين ذابلتين تماماً، تلك العيون التي كانت يوماً أجمل عيون الكون، وأشارت بأصبعها الذي لم تقدر على فرده

— خد بالك من بنتنا

رد يحدة عفوية

— قلت لك بطلي الكلام ده، بكره هتخرجي من العمليات كويسة، وهنربي بنتنا سوا 


كابد دموعه، ومسح بحنان على شعرها الناعم الذي نحلته رحلة العلاج.. كان يود لو بقي معها، لكنهم يجبروه على الخروج.. طبع على شفتيها قبلة

خفق قلبه بعنف 

اقشعر جسده كله 

لما أحس أنها القبلة الأخيرة


لم ينم آدم في تلك الليلة

ظل يصلي

ويصلي

ويصلي

كانت تتردد بمسامعه كلمات

تلك الكلمات التي كانت الأكثر تأثيراً في عقيدته 

" لو اجتمع مؤمنو العالم في صلاة متضرعة، كي يمنع الله حجراً صغيراً من السقوط من أعلى، ويظل معلقاً في الهواء .. جربوا .. ولكن الحجر التافه سيسقط ، وسيضع الله ومريديه في مأزق" 


كانت تلك الكلمات تتردد في عقله تأبى مفارقته ، لكنه 

صلى الليل كله متضرعاً 

متوسلاً، داعياً، راجياً 

يا رب لو انت موجود .. انقذ حياة زوجتي عشاني وعشان بنتي الصغيرة 

يا رب ما تكسرش بخاطري 

يا رب أنا زي نبيك إبراهيم لما سألك أرني كيف تحي الموتى

بلى ولكن ليطمئن قلبي لـ وجودك 

يا رب أنا واثق فيك

يا رب انت مش هتخذلني وهتشفي زوجتي من مرضها 

طب خدني أنا وخليها هي 

أنا مش عايز حياتي .. أنا عاوز أجيلك وأقابلك

شعر آدم بعد صلاته، براحة نفسية هدأت من روعه، وثقة في نجاة زوجته، وظل يهمس يا الله .. يا الله .. يا الله


تنهد بعمق وارتياح 

وسمع صوتاً يهمس بأذنه ربنا موجود

شعر بفرح نجاة زوجته مُسبقاً، وكأن النتيجة تم تسريبها له من الكونترول قبل الإعلان الرسمي 


 يوم العملية

كان آدم ملاصقاً، مشبكاً يده بيدها، يشعر بذات الثقة والطمأنينة التي لازمته منذ صلاته ومناجاته للرب طوال الليل


وآثناء وجود زوجته داخل غرفة العمليات الجراحية

كل لحظة، في هذا اليوم كانت تُحفر بإزميل من صُلب بداخل روحه..

خمس ساعات من الإنتظار، كل ساعة كانت تمضي عليه كدهر أزلي طويل

أطول من عمر الكون نفسه


كان آدم منزوي عن الجميع، يجلس وحيداً يدخن بشراهة على سلم المستشفى.. 

يعرج عبر السموات السبع 

مناجياً 

يا الله..  يا الله.. يا الله


يشعر أنه لن يخذله

وسيخرجه من بطن الحوت


حتى سمع صريخ حماته وأمه وأخت زوجته..


 صريخ الموت


سقط الحجر التافه


نظر بهدوء بارد محدقاً في الفراغ..

لم يدرِ كم مرَّ من الوقت، قبل أن 

يدبدب بقدميه على درج السُلم، 

وتنطلق بداخله صرخة مكتومة.. نفس صرخة يسوع على الصليب وجسده ينزف، ومسامير الصلب الحديدية الضخمة تخترق قدميه ويديه تثبته على الصليب وهو يصرخ

إيلي .. إيلي .. لما شبقتني


في هذه اللحظة 

رأى آدم الله على عرشه المهيب.. ينظر إليه بإبتسامة ودودة مُحبة حانية، يمد إليه يده المفتوحة 


نظر له آدم نظرة مُتحدية رافضة 

وأعطاه ظهره ومضى 


لم يحتمل ألم فراق زوجته لفترة طويلة..

لكن ألم الخذلان كان أشد وطئاً وأقومُ قيلا


في صباح اليوم التالي، بداخل مشرحة المستشفى، كان آدم يلقي على زوجته نظرات الوداع، وهو يتابع عملية الغُسل والتكفين، مد يده وسلت خصلة صغيرة من شعرها، ووضعها بداخل منديل ورقي، لمحته المُغسّلة، فقالت بعتاب

— لأ.. ده حرام.. رجع لها شعرها.. لازم تروح لـ ربنا بكل حاجتها

ابتسم آدم بسخرية، ووضع المنديل في جيبه


أمام ساحة المسجد الكبير، جلس آدم بالخارج، رافضاً الصلاة.. اقترب منه أحد أصدقاءه

— ربنا يهون عليك ويصبرك، مش هتصلي على مراتك ؟

رد آدم بحسم — لأ


تجمعوا حوله مواسين، وساقوه إلى الصلاة.

كان يقف في الصلاة، يسمع تكبيرات الإمام.. الله أكبر، لكنه لم يكن يردد، فقط يكتفي بإبتسامة ساخرة.



https://youtu.be/NrrPZ3O2jFM?si=TfgbrK-b_pJmtS4X


https://youtu.be/nYyE2ItjRHE?si=j8wM7Y9sE9i0I8LL



مرت سنوات ومضى قطار الحياة الذي لا يتوقف


لم يحتمل آدم غياب المعنى،

ولم يحتمل عبثية الحياة 

شعر أن الإيمان بالنسبة له ضرورة حتمية، واحتياج وجداني،

وبدأ رحلة البحث عن الله.. 

في لحظة الإنفجار العظيم، وفي زمن بلانك، وحين بدأت الأوتار السبعة تتشكل من الطاقة، وتهتز بتسبيحه ليتشكل جسيم هيجز.. جسيم الرب.


كان يبحث عن الإله بإصرار عقل راغب في إثبات وجوده. بحث داخل مليارات المجرات، وفي قلب الثقوب السوداء، وحتى داخل الذرة في النيوترينو والبوزون. بحث داخل التواليف المعقدة بين ذرتي الكريون والهيدروجين التي نشأت منها الحياة.


بدأ يؤمن بالإيمان نفسه.

الإيمان هو المعنى حين يفقد الوجود منطقه.

الإيمان إذا لم يبدد الألم، فإنه من المؤكد أنه يجعل إحتماله ممكناً.

الإيمان أن ترى ما لا يُرى، وتطمئن.

الإيمان هو من ينقذ الأرواح وليس المنطق.

الإيمان ليس امتلاك الحقيقة، بل الثقة بأن للحقيقة وجود.


الإيمان هو النجاة.


عاد آدم لمناجاته مع الإله.

لكن هذه المرة لم يكن يطلب منه.. دلني على وجودك وعرفني إنك موجود

بل كان يسأل عن مكان وجوده.. أين أنت يا الله ؟


أخيراً وجده

داخل نفسه

اكتشف أنه كان يبحث عنه في الخارج، بينما هو موجود في الداخل


صعد آدم لأعلى ما يمكن أن يصل إليه.

نظر إلى السماء بعيون دامعة، طالبة، راجية، متوسلة

لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك. 

رأى الله على عرشه المهيب. 

ينظر له بذات النظرة الودودة. المُحبة الحانية، لكنها هذه المرة كانت أيضاً مُشفقة. 


يفتح له زراعيه منادياً 

أنا عند حسن ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني، وإن تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلىَّ زراعاً، تقربت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة 


احتضن آدم الله باكياً بهمس بداخله 

ربنا موجود



👈 الخاطرة


كنت أبحث عنك في السماء البعيدة، فاكتشفت أنك تسكن أعماقي.


لم تكن منفصلاً عني كما ظننت، بل أنت ذلك النور الخفي الذي يجعلني أشعر أن لوجودي معنى.


كلما هربت منك، هربت من نفسي.

وكلما عدت إلى حقيقتي، وجدتك تنتظرني في داخلي.


أنت الوعي الذي يتنفس فيَّ، والمعنى الذي يجعل لوجودي غاية.

لا يملأ فراغ نفسي سواك، لأنك أصل الامتلاء.


روحي ليست إلا نفخة تائهة من روحك، 

تبحث عنك 

لأنها خرجت منك


الطريق إليك ليس صعوداً نحو السماء، بل غوصاً في أعماق ذاتي حتى أراك هناك، مختبئاً فيَّ منذ البداية.


https://youtu.be/5X1Pv9KBBTE?si=5eZF1tcfzw0R7ZEW



تعليقات

المواضيع المشابهة