لولا : أنا عايزة أتجوز الحلقة العاشرة والأخيرة






لولا أنا عايزة أتجوز حلقة ١٠ والأخيرة


بعد شهرين من العلقة وقفنا الشغل فيهم.. يوسف فك الجبس.

كان لسه بيعرج، ودراعه اليمين حركته تقيلة، بس عينه كانت لسه شايفة البحر.


القاهرة مبقتش تساعنا. أبو نوسة ورجالته في كل حتة، والشقة بقت سجن.


سوسو هي اللي جابت الفكرة المجنونة

— النيل يا يوسف.. النيل هو اللي جابني من إسكندرية زمان.. وهو اللي هيرجعني ليها.. نركب صندل بضاعة.. نستخبى وسط الشكاير.. محدش هيدور علينا في الميه.


يوسف وافق. باع عفش الشقة كله روبابيكيا 

وفي ليلة كحل، تسحبنا لمرسى الوراق.

الشنطة الجلد كانت تقيلة في إيد سوسو، ونور ماسكة في ديل جلابيتي، ويوسف ماشي قدامنا بعرجته

النبي يوسف واخدنا في طريق الخلاص نحو الجنة الموعودة تايه بيدور على سفينة نوح.


اتفقنا مع الريس نوح. راجل عجوز، جلده مشقق زي طمي النيل، وعينه فيها قسوة ومكر الصيادين.

المركب كان صندل حديد ضخم، محمل ملح. جبال من الملح الأبيض الخشن.

يوسف دفعله نص الفلوس، وقاله والباقي لما نوصل رشيد.

الريس نوح بص لـ جسمي اللي بانت تفاصيله مع نسمة هوا النيل، وضحك ضحكة خشنة بينت سنانه الصفرا

— اللي معاه بضاعة حلوة زي دي.. ميتخافش عليه.. اركبوا.

ركبنا.

المركب اتحرك.

قعدنا وسط تلال الملح.

ريحة النيل كانت قوية.. ريحة طين وسمك وحياة وموت.


الليل كان نزل تقيل على النيل. سواد كحل بيخنق أي ضوء

كنا قاعدين في بطن الصندل الحديد. المكان كان ساقع.. ساقع أوي، زي تلاجة الموتى.

كنت ساندة ضهري على شيكارة ملح خشن، والملح كان بيحرق جلدي من ورا الهدوم


يوسف كان قاعد قدامي، فارد رجله المتصابة.

وشه كان شاحب في ضوء القمر، وعينيه دبلانة.

كان ماسك رغيف عيش ناشف بيحاول يطريه بشوية ميه عشان يأكل نور.

نور كانت نايمة على رجلي، بتترعش في الحلم.

كل شوية تهمس بابا.. أنا بردانة.

ويوسف يقلع الجاكت بتاعه ويغطيها بيه، ويفضل هو يترعش بالقميص الخفيف.


لولا بصوت واطي

— تفتكر هنوصل يا يوسف؟

يوسف مسك إيدي، وباس باطن كفي

— هنوصل يا لولا.. الميه دي بتغسل أي حاجة.. هتغسلنا من وسخ الدنيا.

فجأة، حسيت النغزة إياها في بطني. المرة دي كانت أقوى.. زي سكينة بتتحرك ببطء.

حطيت إيدي على بطني وكتمت الوجع.

مش وقته.. مش وقته أموت.. لازم أشوف البحر الأول.


سوسو طلعت الشنطة الجلد ، الشنطة اللي فيها تمن شرفنا وتمن موتنا، وحضنتها ونامت على شيكارة ملح، وهي بتمسح على الشنطة كأنها بتمسح على راس عيل يتيم 

— تصبحوا على خير يا ولاد.. ريحة اليود بدأت تهل.

كانت بتحلم. إحنا لسه في قلب القاهرة.. بس الوهم.. الوهم هو اللي مخلينا نتنفس.


أنا بقى.. كنت في عالم تاني.

النغزة اللي في بطني اتحولت لـ نهش.

حسيت بحاجة سخنة بتنزل مني. دم.

مش دم دورة.. ده دم عطب. دم فاسد ريحته صدأ.

كنت خايفة يوسف يشم الريحة. كنت خايفة يعرف إن المركب بتاعته مخرومة وبتغرق.

قطعت حتة من ديل جلابيتي في الضلمة، وكتمت بيها الدم من تحت، وعضيت على شفايفي لحد ما دخلتها فيا.


فجأة.. يوسف زحف ناحيتي.

مسك إيدي الباردة، وباسها. دموعه نزلت سخنة على كفي المتلج.

يوسف بص لبطني، وكأنه حس بالموت اللي بيتحرك جواها

— أنتي وشك اصفر أوي.. وفيكي ريحة.. ريحة خوف.

ابتسمت بوجع

— دي ريحة النيل يا يوسف.. ريحة الطمي.. نام.. نام عشان نور لما تصحى تلاقيك واقف.

نام يوسف وهو ماسك إيدي.. وأنا فضلت صاحية.. بحسب دقات قلبي اللي بتقل.. وبحسب نقط الدم اللي بتسحب روحي نقطة نقطة.


الفجر كان لسه ما طلعش.

السكون كان مرعب، مفيش غير صوت المية بتخبط في الحديد.

نور كانت نايمة، بس بتترعش من البرد.

قربت منها

نور فتحت عينيها، وبصتلي ببراءة تكسر القلب

— إحنا لسه موصلناش البحر يا ماما لولا؟

ابتسمت وأنا بداري دموع الوجع

— قربنا يا قلب ماما.. البحر مستنينا.. وهنعمل قصر من الرمل ع الشط هناك

نور مسكت إيدي

— أنا خايفة من صوت الميه.. الميه سودا أوي.

ضمتها لحضني، وبدأت أمسح على شعرها المنكوش

— متخافيش طول ما أنا معاكي.. تعالي أعملك الضفيرة بتاعة كل يوم.. عشان لما نوصل، البحر يشوفك عروسة.

وبدأت أضفر شعرها في الضلمة.

صوابعي كانت بتترعش من البرد ومن الوجع، بس كنت مصرة أكمل الضفيرة.

دي الحاجة الوحيدة النضيفة اللي باقية في حياتي. شعر نور.


فجأة.. صوت الموتور وقف. تخ.. تخ.. سكوت.

المركب مالت، وبدأت تلف حولين نفسها مع التيار.

حامد مساعد الريس نوح جه علينا، كشافه ضارب في وشنا زي التحقيق.

— قوم يا أفندي.. الموتور قطع.. والريس نوح حالف ما يمد إيده فيه إلا لما المزاج يتظبط.

يوسف قام مفزوع، ومسك عكازه

— يعني إيه؟.. إحنا في نص النيل.. ومعانا حريم وأطفال

حامد زق يوسف في صدره، وقعه على شيكارة الملح

— بلا حريم بلا زفت.. الريس متعكنن.. وعايز ونس.. والمدام شكلها بتفهم في الأصول.

يوسف حاول يقوم يضرب حامد، بس رجله خانته، ووقع تاني.

منظره وهو بيحاول يقوم ومش قادر.. كسرني أكتر ما المرض كاسرني.

بصيت لـ نور وهي نايمة

قمت وقفت.

الدم كان مالي الجلابية من تحت، بس الضلمة ساترة.

بصيت لـ يوسف نظرة صامتة.

— خليك جنب نور يا يوسف.. غطيها كويس.. أنا رايحة أدفع الكارتة.

مشيت ورا حامد لغرفة الموتور.


كنت رايحة أدفع تمن التذكرة.

بس المرة دي، كنت حاسة إني قربان.

أنا رايحة أرمي نفسي في النيل.. عشان يوسف ونور وسوسو يوصلوا البر التاني.


الريحة جوه كانت جحيم.. جاز محروق، وعرق، وعفن.

الريس نوح كان قاعد.. كتلة سواد، وشه مليان تجاعيد قاسية، وعينه فيها نظرة كلب مسعور.

أول ما شافني، ضحك وبين سنانه المسوسة

— أهلاً بـ زهرة النيل.. المكنة عطلانة.. ومحتاجة تشحيم.

قربت منه. كنت حاسة إني دبيحة رايحة للمذبح برجليها.

لولا بصوت ميت

— دور المكنة يا ريس.. وخد اللي أنت عايزه.. بس بسرعة.. بنتي بردانة بره.


نوح قرب مني، ريحته كانت صعبة، عرق معتق ودخان تقيل.

مد إيده الخشنة، ومسك فخدي من فوق الجلابية

— اهو ده الجسم اللي هيدور المكنة

رفع الجلابية، ونزلني على ركبي قدامه.

الأرضية كانت حديد مصدي، والزيت مغرقها. ركبتي وجعتني، بس وجع بطني كان مغطي على أي حاجة.

نوح طلع زبره.

كان حاجة مرعبة.. غامق، وتخين، ومليان قشف.

— ده البيستم اللي هيدور المكنة.. مصي.. مصي الجاز.

حطيت زبره في بوقي.

كنت عايزة أرجع. طعمه كان مر. مرارة الذل.

كنت مغمضة عيني وبفكر في نور.

بتخيل إني بضفر شعرها.. خصلة خصلة.. يمين وشمال.. يمين وشمال.

نوح كان بيضغط على راسي بجنون

— أيوه.. اسحبي.. اسحبي الوساخة.. المكنة بتسخن.


نوح شدني من إيدي، رماني على الموتور السخن.

— وطي.. امسكي في الماسورة.. خليني أظبط التاكيهات.


حديد الموتور لسع جلدي، بس مكنتش حاسة.

رفع الجلابية، وشاف القماشة اللي كتمة بيها الدم.

شالها ورماها 

— إيه ده؟.. أنتي عليكي الدورة ولا إيه؟.. مش مهم.. الدم بيزفر الزفر.


وطيت. مسكت في ماسورة حديد باردة.

نوح دخل فيا من ورا.

كان عنيف. كان بيدخل كأنه بينتقم من الدنيا فيا.

مع كل رزعة، كنت بحس بوجع في رحمي كأن سكينة بتلف جوه.

كنت بصرخ صريخ مكتوم آآه.. يا نور.. يا يوسف.

نوح افتكرها آهات متعة

— عاجبك يا بنت الكلب؟.. عاجبك زبر الريس؟.. الموتور دار أهو.

وفعلاً.. وهو بيرزع فيا.. سمعت صوت الموتور بدأ يكركر تخ.. تخ.. تخ.

نوح زاد حماسه

— دارت.. المركب دارت.. خدي.. خدي الزيت.

قذف جوايا،


كنت باصة للسقف الصاج، وسامعة صوت صريخ مكتوم.. مش عارفة ده صوتي ولا صوت الموتور ولا صوت يوسف اللي بيبكي بره.

زقني بعيد


يوسف شافني.. جري عليا زحف هو كمان.

حضنني.. وشه كان غرقان دموع.. وريحة الشحم والدم فيا كانت بتخنقه.

— يا لولا.. يا حبيبتي.. يا ريتني موت قبل ما أشوفك كده.

همست في ودنه وأنا بمسح الدم من على رجلي عشان نور ما تشوفوش

— المركب مشيت يا يوسف.. المركب مشيت.. إحنا قربنا.


الساعة كانت داخلة على الفجرية. الهوا كان بارد وبيرد الروح، بس المرة دي كان شايل معاه ريحة تانية غير طمي النيل.

ريحة شياط.. وسمك بيتشوي.. وريحة شهوة مكتومة.

حامد مساعد الريس جه وقف فوق راسنا، وخبط يوسف في رجله السليمة بطرف جزمته

— قوم يا أستاذ.. البحرية عاملين عشوة سمك بلطي طازة.. والريس بيقول اللقمة ما تحلاش غير بـ اللمة.. والستات.

يوسف فتح عينه. كان جعان. كلنا كنا جعانين.. بطننا بتصوصو من قلة الأكل

يوسف بص لي، وبص لـ سوسو اللي قامت مفزوعة وضمت الشنطة لحضنها.

يوسف سند على عكازه وقام بصعوبة


سيبنا نور نايمة، وحاوطناها بشكاير الملح عشان متصحاش وتشوف اللي هيحصل، ومشينا ورا حامد لآخر المركب.

كان فيه منقد فحم مولع، وعليه شبكة حديد بيتشوي عليها سمك نيلي كبير.

حوالين المنقد، كان قاعد تلاتة بحرية.. حامد، وواحد اسمه رجب وشه محروق، وواحد أسمر ضخم وعريض اسمه خميس.

أشكالهم في ضوء النار كانت مرعبة. وشوشهم محفورة من الشمس والقسوة، وعيونهم بتلمع زي الديابة الجعانة.. جعانة أكل، وجعانة نسوان.

رجب وهو بيقلب السمك ع الفحم

— يا مرحب بضيوف النيل.. اقعدوا.. السمك لسه طالع من الميه بيلعب.

قعدنا على شكاير فاضية ومقطعة.

يوسف قعد في النص، وحط عكازه جنبه، وراسه في الأرض.

خميس الضخم مد إيده في النار، ومسك سمكة مشوية، ورماها لـ يوسف في حجره 

— رم عضمك.. الطريق لسه طويل.

ورمى واحدة لـ سوسو، وبصلي أنا نظرة طويلة، فاحصة، ورما لي سمكتين كبار

— وأنتي يا بطل خدي نايبك.. إحنا عاوزين نحلي بالقمر ده بعد العشا.. ولازم تكوني شبعانة عشان تستحملي.

يوسف كسر ديل السمكة وبدأ ياكل بنهم يكسر النفس.


أكلنا. السمك كان طعمه تحفة، طعم النيل، بس كان مالح.. أو يمكن دموعي اللي كانت بتنزل في بوقي هي اللي كانت مالحة.

كنت باكل وأنا بصه لخميس، وعارفة إنه الجلاد اللي عليه الدور.

بطني كانت بتوجعني مع كل بلعة.. بس كنت باكل غصب.. عشان نور.. عشان لازم أعيش لحد ما أشوف البحر.

بعد ما خلصنا، ومسحنا إيدينا في هدومنا.

خميس مسح إيده في جلبابه، وقام وقف زي المارد.

المركب كانت ماشية، والموج بيخبط فيها بإيقاع منتظم دب.. دب.. دب.

خميس بصوت غليظ

— إحنا شبعنا بطننا.. ناقص نشبع كيفنا.. يلا يا عروسة.

يوسف مرفعش عينه من الأرض. كان باصص لهيكل السمكة اللي أكله.

خميس شدني من دراعي بقوة، زقني ناحية كومة حبال كبيرة ومبلولة في آخر المركب.

رجب وحامد قربوا من سوسو.


سوسو كانت خبرة، عارفة تتعامل مع النوعية دي. قعدت وسطهم وبدأت تضحك وتلاعبهم عشان تاخد وتدي معاهم في الكلام والجنس.

أما أنا..

خميس نيمتي على الحبال الخشنة. ريحتها كانت زفارة.

رفع جلابيتي، ومسك فخادي بإيده اللي لسه ريحتها سمك وشوي.

— جسمك أبيض زي لبن السمك.. ده عايز يتاكل ني.

طلع زبره.. كان أسود وصلب زي مجداف المركب.

دخل فيا من غير مقدمات.

الألم المرة دي كان مزدوج.

ألم من تحت بسبب عنفه.. وألم في بطني كأن السرطان بيغير من الزبر وبينافسه مين يوجعني أكتر.


يوسف كان قاعد مكانه عند المنقد، على بعد خطوات.

حامد صب له كوباية شاي، وحطها قدامه

— اشرب يا أستاذ.. اشرب واعدل دماغك.. المدام في إيد أمينة.

يوسف مسك كوباية الشاي، إيده كانت بتترعش لدرجة إن الشاي ادلق على بنطلونه، بس محسش بالسخونية.

كان سامع صوت خميس وهو بينهج فوقي.

وسامع صوت رجب وهو بيضحك مع سوسو.

يوسف كان بيشرب الشاي، ودموعه بتنزل جوه الكوبايه.


حسيت بالنزيف بيرجع تاني

حسيت بحاجة دافية بتنزل على فخادي وتختلط بعرق خميس.

خميس حس بالبلل، شاف الدم وخاف 

رموني زي الشوال الفاضي.


يوسف خدني في حضنه.

كنت بنزف..بصيت للأفق.. شفت خيط نور أبيض بيظهر في السما.

وشميت ريحة مختلفة.. ريحة مالحة ونضيفة.

ابتسمت 

— البحر يا يوسف.. البحر جه.


وصلنا رشيد. النقطة اللي النيل فيها بيسلم روحه للبحر. ده مجمع البحرين

المنظر كان مهيب. المية العكرة بتختلط بالمية الزرقا.

الريس نوح نزلنا على البر وهو بيقول حمد لله ع السلامة.. البحر أهو.

نزلت من المركب ورجلي مش شايلاني. يوسف كان ساندني، وسوسو شايلة الشنطة الجلد، ونور بتجري ع الرملة وتصرخ البحر.. البحر أهو يا بابا.

وقفت أخد نفس عميق.. نفس الحرية.

بس بدل الهوا.. حسيت بـ الانفجار تحت.

زي ما يكون سد وانهار.

حسيت بحرارة سائلة بتندفع من بين رجلي بغزارة مرعبة.

بصيت تحت.. لقيت الرملة الصفرا بتتحول للأحمر القاني.

الدم كان بينزل مني زي الحنفية المفتوحة.


يوسف صرخ — لولا.. لولا مالك؟

الدنيا لفت بيا. صوت نور وهي بتضحك اختلط بصوت موج البحر، والظلام بلعني.

فتحت عيني في مكان أبيض وريحته ديتول.

مستشفى حكومي في رشيد.


كنت نايمة على سرير حديد مدهون أبيض مقشر، في عنبر كبير مليان ستات بتأن.

يوسف كان قاعد جنبي، عينه وارمة من العياط، وسوسو قاعدة في الركن حاضنة نور والشنطة الجلد. وبتبصلي برعب.


دخل الدكتور، وشه كان جامد ومبيعرفش يجامل.

الدكتور — الحمد لله إنكم لحقتوها.. النزيف كان شديد.. بس للأسف..

يوسف بلهفة للأسف إيه يا دكتور؟

الدكتور المدام عندها ورم ليفي خبيث في الرحم.. حجمه كبير ومتشعب.. ولازم استئصال فوري للرحم والمبايض عشان نلحق باقي الجسم.. مفيش وقت.


الكلمة نزلت عليا زي حكم الإعدام.

استئصال الرحم.. يعني خلاص.. مفيش عيال.. مفيش لولا الأم.. مفيش الحلم اللي كنت مخبياه ورا حلم البانسيون والبحر.


يوسف مسك إيدي وباسها وهو بيعيط

— فداكي مليون عيل يا لولا.. المهم أنتي تعيشي.. أنا معايا الفلوس.. الشنطة فيها كتير.. هننقلك مستشفى خاص ونعمل أحسن عملية.

سحبت إيدي منه بصعوبة، وصوتي كان طالع بالعافية

— لا يا يوسف.. لا.

يوسف — لا إيه؟.. أنتي هتموتي

لولا بصرامة غريبة على واحدة بتموت

— فلوس الشنطة دي مش بتاعتي.. دي بتاعة البانسيون.. دي تمن شقانا وذلنا.. دي تمن شرفنا اللي بعناه.

بصيت لـ سوسو

— يا سوسو.. حلم إني أبقى أم خلاص راح.. مش عايزة حلم البانسيون يضيع هو كمان.. لو صرفنا مليم واحد على علاجي.. يبقى كل اللي عملناه راح ع الأرض.

يوسف صرخ — يتحرق البانسيون.. أنا عايزك أنتي

لولا — وأنا مش هعيش لو رجعنا الشارع تاني.. يا نموت ع البحر يا نموت هنا.. أنا هتعالج ع نفقة الدولة.. يا أعيش بلاش.. يا أموت ونوفر الفلوس للحلم.

استسلم يوسف قدام إصراري.

عملت العملية في المستشفى الحكومي.

شالوا الرحم.. شالوا بيت الداء وبيت الحلم في نفس الوقت.


وبعدها دخلت في دوامة جلسات الإشعاع.

شعري بدأ يقع.. وشي شحب.. جسمي اللي كان مصنع الفلوس دبل وبقى جلد على عظم.

بس عيني.. عيني كانت لسه بتلمع كل ما أبص لـ نور وأفتكر البحر.


بعد شهرين..

خرجت من المستشفى.

كنت لابسة طرحة عشان أداري شعري الخفيف، وساندة على دراع يوسف.

يوسف كان ماشي جنبي زي الحارس اللي بيحمي كنز مكسور.

يوسف بصلي وقال

— لسه شايفة البحر يا لولا؟

ابتسمت بتعب

— شايفاه أقرب من أي وقت فات.. يلا بينا يا يوسف.. يلا نروح بيتنا.


ركبنا تاكسي لإسكندرية.

وصلنا منطقة محطة الرمل.

سوسو كانت ماشية قدامنا، خطواتها سريعة كأنها شابة في العشرين، شنطة إيدها متعلقة على كتفها كأنها صك الغفران، وفيها شقا عمرنا فلوس البانسيون.


وقفنا قدام المبنى العتيق. ميرامار.

لونه الأصفر كان باهت، والشروخ مالية حيطانه زي تجاعيد وش سوسو، بس في عينينا كان بيلمع كأنه قصر من دهب.

يوسف سندني، ونور مسكت في ديل فستاني، وسوسو خدت نفس عميق.. نفس العودة.

زقت الباب الخشبي الضخم.

صوت المفصلات كان بيزيق كأنه بيفتح كتاب تاريخ مقفول بقاله سنين.

دخلنا.


الصالة كانت واسعة، وسقفها عالي جداً، نجفة كريستال قديمة ومطفية متعلقة فوق، والأرضية رخام أبيض فيه عروق رمادي زي السحاب.

الزمن جوه كان واقف. لا صوت ولا حركة.

ماحدش موجود غيرنا في المكان


في صدر المكان.. ورا مكتب خشب ضخم مرتفع عن الأرض بدرجتين كأنه العرش.. كان قاعد الخواجة كيريوس.

راجل عجوز جداً.. ملامحه فيها هيبة السنين، شعره أبيض زي التلج، ولحيته خفيفة بيضا، وعينيه زرقا وفيها صفاء غريب، بيبص علينا من فوق نضارته بنظرة كاشفة.

وعن يمينه، واقف شاب ببدلة رسمية بيضاء، وشه صارم وملامحه قوية، ماسك دفتر كبير.. ده مساعده جبريل.


سوسو مشيت ناحيته وهي بتعرج من هيبته

الخواجة كيريوس رفع راسه ببطء.

سوسو رمت الشنطة من إيدها ع المكتب .. دب .. ووقعت على ركبها ع الأرض، وبدأت تزحف لحد ما وصلت لرجله.

باست جزمته والدموع مغرقة وشها

— رجعتلك يا سيدي.. رجعتلك يا صاحب الفضل.. أنا سامية.. الخدامة اللي عصتك زمان وطردتها من البانسيون.

كيريوس بص لها بنظرة هادية، مفيهاش غضب، فيها علم

— سامية؟.. لسه فاكرة الطريق يا بنتي؟.. لسه فاكرة البانسيون اللي طردتك منه؟

سوسو بصوت مخنوق بالندم

— عمري ما نسيت.. الغواية خادتني يا خواجة.. جابر ضحك عليا وأكلت م الشجرة.. وخرجت للطين.. بس لفيت الدنيا ورجعت.. رجعت ومعايا التمن.

شاورت علينا

— دي لولا.. الثمرة اللي طرحت من الخطيئة.. ودي حفيدتي نور.. وده يوسف اللي قادنا في الضلمة لحد بابك.

سوسو قامت، وفتحت الشنطة الجلد بلهفة.

وكبت الفلوس على المكتب.

تلال من الورق الملون.. دولارات على مصري.. فلوس مفرودة وفلوس مكرمشة.. فلوس فيها ريحة عرق ودم وزنا.

— ده التمن يا سيدي.. دي أعمالنا.. جمعناها من قعر الدنيا ومن صناديق الزبالة عشان نشتري رضاك.. ونشتري مكان جنبك.


الخواجة كيريوس بص لكومة الفلوس بصمت.

وبعدين بص لـ جبريل.

جبريل قرب من الفلوس، وقلبها بطرف صباعه بقرف، وبص للخواجة وقال بصوت قوي ومسموع

— العملة دي زفرة.. دي متسواش في ملكوتك نكلة.. دول مفاليس.. والبانسيون بتاعك مابيدخلهوش غير الناس النضيفة.


الكلمة نزلت علينا زي حكم الإعدام.

أنا لولا المريضة، المحتضرة، بصيت ليوسف لقيت دموعه نزلت بكسرة.

سوسو صرخت ولطمت على وشها

— لا يا سيدي.. أبوس إيدك ما تطردناش تاني.. ملناش مكان غير هنا.. لو طردتنا هنموت.. اقبلنا برحمتك مش بأعمالنا.

كيريوس قام وقف.

طوله كان مهيب.

بص في وشوشنا واحد واحد.

شاف لولا.. الهيكل العظمي اللي بيحتضر، واللي ضحت برحمها عشان الحلم.

شاف نور.. البراءة اللي لسه متعرفش يعني إيه وجع.

شاف يوسف.. الراجل اللي شال شيلته وشيلة غيره ومشي في النار.

وشاف سوسو.. الخاطئة التائبة اللي جاية تزحف تحت رجليه.


كيريوس مد إيده، وبحركة بسيطة، زاح الفلوس ع الأرض كأنها تراب ملوش قيمة.

وقال بصوت عميق ورخيم

— يا سامية.. البانسيون مش للبيع ولا للشرا.. اللي بيدخل هنا بيكون برحمتي.

فتح الدرج، وطلع مفتاح نحاس قديم وكبير.

— أنا عفيت عنك.. وقبلت توبتك.. عشان دموعك.. وعشان الغلابة اللي معاكي دول.

رمى المفتاح لـ سوسو.

— خدوا الجناح البحري اللي ع البحر.. ليكم الأكل والشرب والراحة.. ببلاش.. ومن غير حساب.

سوسو مسكت المفتاح كأنه طوق النجاة، وفضلت تبوس فيه وتبوس إيد كيريوس.

يوسف سجد ع الأرض شكر.

وأنا حسيت إن الروح بترد فيا من تاني.


طلعنا السلم الرخامي الواسع.

سوسو ماشية قدام كأنها طايرة، ويوسف شايل نور، وأنا ساندة على الحيطة وببص لصور الملايكة اللي ع الحيطان.

وأنا بلف مع السلم، بصيت تحت لأخر مرة.

شفت كيريوس واقف لوحده، والفلوس مرمية تحت رجليه زي الزبالة.


بعد ما أصواتهم اختفت، والباب اتقفل عليهم في الدور اللي فوق.

جبريل المدير المساعد وطى لم الفلوس من ع الأرض، وبص للخواجة كيريوس بعتاب واستغراب

—  حضرتك عارف الحقيقة.. ليه خليتهم يعيشوا الوهم؟

كيريوس ولع البايب بتاعه، ومشي ناحية الشباك الكبير المطل على البحر الهائج.

— حقيقة إيه يا جبريل؟

جبريل

— حقيقة إن المكان ده وهم.. البانسيون ده متهالك، والرطوبة أكلت عضمه، والملح داب في أساساته.. وحضرتك عارف إن طالع له قرار إزالة من الحي.. وهيتهد فوق دماغهم بعد شهر واحد.. ليه خليتهم يعيشوا  الوهم؟.. ليه ماقولتلهمش إن جنتهم دي هتتهد؟


كيريوس نفخ الدخان الأبيض، وبص للأمواج المتلاطمة وقال بحكمة أزلية

— عشان الإنسان مابيعيش بالحقيقة يا ابني.. الحقيقة بتوجع.. الحقيقة هي الموت.

لف وبص لجبريل

— بص عليهم.. الست العجوزة دي، والشاب المكسور، والبنت اللي بتموت.. تفتكر إيه اللي كان ممشيهم ع رجلهم لحد دلوقتي لولا الحلم؟.. لولا أمل العودة للبانسيون، كانوا ماتوا في الشوارع من زمان.

سند على عصايته وكمل

— أنا ما اديتهمش حيطان هتقع.. أنا وهبتهم المعنى.. اديتهم سبب يصحوا عشانه بكرة الصبح وهما بيضحكوا.. وده أغلى من الحقيقة بكتير.

ابتسم بحزن وهو بيسمع ضحكة نور جاية من فوق

— سيبهم يصدقوا إنهم وصلوا.. سيبهم يرمموا روحهم في الشهر ده.. ولما ييجي الهدم.. أو ييجي الموت.. هيكونوا شبعوا من وهم الراحة.. ويموتوا وهما ملوك.


بص للبحر وقال كلمته الأخيرة

— الرحمة يا جبريل.. مش دايماً في الحقيقة.. الرحمة ساعات كتير.. بتكون في الوهم الجميل.



الشمس كانت بتميل للغروب، والسما لونها برتقالي في موف، زي لوحة مرسومة عشاننا إحنا بس.

نزلنا المية.

أول ما مية البحر المالحة لمست رجلي، حسيت برعشة في جسمي كله. الملح كان بيحرق الجروح القديمة، بس المرة دي كان حرقان شفاء، مش وجع.

سوسو.. الست العجوزة اللي شافت الويل، نزلت المية بجلابيتها، وبدأت ترش المية على وشها وشعرها وتضحك بصوت عالي زي عيلة صغيرة رجعتلها لعبتها الضايعة. كانت بتغسل سنين الغربة والذل، وبتتعمد من تاني في بحر إسكندرية بتاعها.

نور كانت قاعدة على الشط، بتبني قصر الرمل اللي وعدتها بيه في النيل. كانت بتضحك والشمس ضاربة في وشها، الملاك البريء اللي نجا من الطوفان.

وأنا..

كنت واقفة في المية لحد ركبتي. جسمي الهزيل، وشعري اللي متغطي بطرحة بيضا، ووشي الشاحب.

يوسف كان واقف ورايا، حاضنني من ضهري، ساندني عشان الموج ميوقعنيش. كان دافن وشه في رقبتي، ودموعه بتنزل تختلط بمية البحر.

غمضت عيني، وسبت الموج يخبط فيا.

كنت حاسة إني نضيفة.. نضيفة أوي. كأن كيريوس غفرلي بجد، وكأن البحر قبل توبتي.

كنت فرحانة.. فرحانة بجد لأول مرة من سنين.

بس في عز الفرحة.. كان فيه سؤال بيصوصو في دماغي زي الفار.

حطيت إيدي على بطني الفاضية.. مكان الجرح المقفول.

يا ترى الوحش مات بجد؟.. يا ترى الإشعاع والكيماوي حرقوا جدوره؟

هل هعيش؟.. هل هلحق أربي نور وأشوفها عروسة بجد، وأعجز جنب يوسف في البانسيون؟

ولا دي مجرد حلاوة روح؟.. شهر عسل أخير قبل ما المرض يرجع أشرس من الأول وينهيني؟

فتحت عيني، وبصيت للبحر الواسع. ملوش آخر. زي الأمل، وزي الخوف.


يوسف شد على حضني، وهمس إحنا وصلنا يا لولا.. خلاص.

ابتسمت، وقررت أرمي السؤال للبحر.

مش مهم بكرة.. مش مهم الموت.. المهم دلوقتي. الإنسان لا يملك سوى اللحظة التي يعيشها الآن

المهم إننا هنا.. ملوك في جنتنا.. حتى لو كانت جنة من وهم.


*****************************


بعد ٣٠ سنة 


صوت نسائي هادئ، فيه نبرة شجن قوية 


اسمي نور.. وعندي خمسة وتلاتين سنة.

واقفة هنا، قدام البحر اللي بيغسل وش المدينة كل يوم، ومبيزهقش.

ورايا.. كان فيه مبنى قديم اسمه ميرامار.

دلوقتي مبقاش موجود. اتهد من زمان أوي. الرطوبة أكلته، والزمن داس عليه، وطلع مكانه برج خرسانة عالي وبارد.


بس أنا لسه فاكرة.

فاكرة اليوم اللي دخلنا فيه الجنة دي وإحنا حافيين ومكسورين.

فاكرة سوسو وهي بتزغرد وهي ماسكة المفتاح النحاس.

فاكرة يوسف وهو شايلني كأنه شايل الدنيا كلها.

وفاكرة ماما لولا.. الست اللي حبتني أكتر من نفسها، واللي دفعت تمن وصولي هنا من لحمها ودمها.

هما عاشوا الوهم بتاعهم.. عاشوا ملوك لفترة.. وبعدين الزمن والموت خدوهم واحد ورا التاني.. زي ما بياخد كل حاجة.

بس هما سابولي حاجة أهم من البانسيون وأهم من الفلوس.

سابولي الحكاية.

أنا دلوقتي واقفة مكانهم.

الزمن بيلف، والدنيا بتدور.. وجوه بتروح ووجوه بتيجي.. خطايا بتتنسي، وأحلام بتتدفن.

بس البحر لسه هنا.. شاهد على كل اللي فات.. ومستني كل اللي جاي.


اسمي نور.. ودي كانت حكايتنا


تمت 

محمود مودي 

يناير ٢٠٢٦

تعليقات

المواضيع المشابهة