لولا : أنا عايزة أتجوز الحلقة الخامسة
لولا أنا عايزة أتجوز حلقة ٥
كنت عاوزه اروح العتبة اشتري شوية هدوم على اكسسوارات
المترو في القاهرة مش وسيلة مواصلات.. ده علبة سردين مليانة شهوة مكبوتة.
لبست بنطلون ليجن رمادي فاتح، قماشته رقيقة جداً بتفصل كل تضاريس طيزي وبتدخل بين الفلقتين مع كل خطوة، وفوقه بادي نص كم ضيق.
نزلت محطة السادات وقت الذروة.
الرصيف كان بينفجر من البشر.
أول ما المترو وصل، الناس هجمت زي يأجوج ومأجوج.
أنا انحشرت في العربية المشتركة رجالة وستات.
وده كان اختياري.. أنا بحب الزحمة الرجالي.
انضغطت بين كتلة أجسام.
قدامي شاب جامعي بشنطة ظهر، وورايا.. آه من اللي ورايا.
ورايا راجل أربعيني، لابس قميص وبنطلون قماش مكوي، وشكله موظف محترم طالع من الشغل.. نسميه الأستاذ مدحت.
مع أول فرملة للمترو، الأجسام لزقت في بعض.
حسيت بجسم الأستاذ مدحت التحم بظهري.
في الأول، كان بيحاول يبعد احتراماً.. بس طيزي كانت مغرية، وريحة البرفان بتاعي عملت شغلها.
المترو اتهز هزة قوية.
مدحت لزق فيا أكتر.
حسيت بـ حاجة ناشفة بتبدأ تصحى وتضغط على شق طيزي من ورا بنطلونه القماش.
بدل ما أبعد.. رجعت لورا سنتي واحد.
السنتي ده كان الموافقة الضمنية.
مدحت فهم الإشارة.
إيده سارحة جنبه بتخبط في فخدي.
المترو كان ماشي بسرعة، وصوت القضبان عالي.
مدحت استغل الزحمة، وبدأ يمارس الاحتكاك بذكاء.
كان بيزق زبره اللي كان واقف دلوقتي زي الحديد في تجويف طيزي، ويحرك وسطه حركة دائرية بطيئة جداً محدش يلاحظها غيري.
أنا كنت مغمضة عيني، ماسكة في الماسورة الحديد، وبعمل نفسي نايمة، بس من جوه كنت بسيح.
حرارة جسمه، مع ضغطة زبره، مع حركة المترو.. عملوا فايبريشن طبيعي.
همس مدحت في ودني
— يا ساتر.. الزحمة دي تموت.. الواحد مش عارف يقف فين
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وهمست وأنا باصه قدامي
— خد راحتك يا أستاذ.. الطريق لسه طويل.. والمترو بيقف كتير.
الجملة دي كانت تصريح مرور.
مدحت ساب نفسه خالص.
حط إيده على وسطي من الجنب بحجة إنه بيسند عشان ميقعش، وبدأ يطحن زبره في طيزي بقوة أكبر.
كنت حاسه أنفاسه بتعلى في قفايا.
حسيت برطوبة المذي بتاعه بدأت تبل بنطلونه وتوصل حرارتها ليا.
وفي المحطة اللي قبل ما أنزل، المترو فرمل فجأة.
الضغط زاد.
مدحت كبس جسمه كله عليا، وزبره اتفعص بين فلقتين طيزي.
خرجت منه تنهيدة طويلة آآآه..
عرفت إنه جابهم في بنطلونه.
حسيت برعشة جسمه ورايا.
الباب فتح.
نزلت من المترو وأنا هيجانة لدرجة الجنون.
بصيت ورايا من الشباك قبل ما المترو يتحرك.. شفت الأستاذ مدحت وشة أحمر، وعرقان، وبيبص لي نظرة امتنان ونظرة حسرة إن الرحلة خلصت.
مشيت في الشارع وأنا حاسة بانتصار.
القاهرة دي أكبر سرير في العالم.. بس سرير واقف.
رجعت البيت، ووشي منور وريحة عرق الرجالة في هدومي.
سوسو كانت بتشرب قهوة وماسكة الموبايل، وفاتحة اليوتيوب بتتفرج على قناة يوميات زوجة محرومة.
سوسو
— إيه يا بت الروقان ده؟.. شكلك ركبتي المترو في عربية الوحوش.
لولا وهي بترمي الشنطة وتقعد تفتح رجلها للمروحة
— المترو ده نعمة يا سوسو.. ده جيم جنسي.. بس المشكلة إنه تصبيرة.. أنا عايزة الوجبة الرئيسية.
سوسو قفلت الموبايل بجدية
— وجبتك جاهزة.. والعريس المرة دي مش أي كلام.. ده (محامي) قد الدنيا.. الأستاذ (رجب الوحش).
لولا بضحك
— محامي؟.. ده هيرفع عليا قضية دعارة؟
سوسو
— ده جاي يرفع (الحصانة) عنك.. الراجل ده صوته عالي، وبتاع مشاكل، وبيحب يمسك (أدلة).. جهزي نفسك للمرافعة.
دخلت أوضتي عشان أستعد للمحكمة.
لبست تايير أسود .. جاكيت وجيبة قصيرة، ونضارة نظر مربعة، ولميت شعري كحكة صارمة.. لوك محامية منحرفة أو متهمة بريئة.
بس تحت التايير.. مفيش أي ملابس داخلية. أنا رايحة المحكمة إفراج صحي.
خرجت الصالة.
قاعد الأستاذ رجب. راجل خمسيني، ضخم، صوته جهوري، لابس بدلة سوداء وقميص أبيض مفتوح زرار واحد، وقدامه شنطة مليانة أوراق وقضايا.
أول ما شافني، وقف وخبط إيده على الترابيزة كأنه في قاعة محكمة
— محكمة.. ترفع الجلسة للمداولة.. إيه ده يا آنسة لولا؟.. دي (أحراز) دي ولا قنابل موقوتة؟
لولا وهي بتقعد بوقار مصطنع
— أهلاً يا متر.. أحراز إيه؟.. أنا مواطنة شريفة.
رجب قعد، وطلع سيجار وولعه
— شريفة؟.. ده أنتي عليكي (قضايا) دعارة وتحرش.. جسمك ده مخالف لقانون الآداب.. البزاز دي (سلاح أبيض) بدون ترخيص.. والطيز دي (تجمهر) يهدد الأمن العام.
لولا بضحكة مايعة
— طب والحل إيه يا سيادة المستشار؟.. هتسجني؟
رجب نفخ الدخان، وبص لي بنظرة فاحصة
— القانون بيدي فرصة للصلح.. بس لازم أعمل (معاينة تصويرية) لمسرح الجريمة.. لازم أفتش المتهمة تفتيش ذاتي دقيق.
— النيابة بتطلب فحص (جسم الجريمة).. اقلعي يا متهمة.
لولا وقفت، وقلعت الجاكيت، فبانت بزازها العريانة لأنها مش لابسة برا.
رجب شهق
— يا نهار أبيض.. دي قضية (تلبس).. الحلمات في حالة انتصاب.. ده اعتداء صارخ على السلطة.
قرب مني، ومسك بزازي بإيديه الكبيرة وعصرهم كأنه بيمسك ملف قضية
— أنا بضم الأحراز دي للقضية.. الملمس طبيعي.. مفيش تزوير في أوراق رسمية.
نزل بوشه بين بزازي وبدأ يبوس ويعض
— يا سيادة القاضي.. المتهمة مثيرة.. المتهمة بتغري هيئة المحكمة.
بعدين لفني، ورفع الجيبة.
قلعني الجيبة، وشاف طيزي العريانة.
ضربها كف خلى صوت طرقعة يرن في الصالة.
— اعترض.. الطيز دي غير مطابقة للمواصفات.. دي أكبر من الحجم القانوني.. لازم تتجازى.
فك حزام بنطلونه.
طلع زبره.
كان زبر قانوني.. طويل، صلب، لونه غامق، وباين عليه الشراسة.
— ده (شاكوش القاضي).. ده اللي بينطق بالحكم.. افتحي.. افتحي يا متهمة لاستقبال الحكم.
نيمني على بطني على ترابيزة السفرة، وفتح رجلي.
— حكمت المحكمة.. حضورياً.. بنيك المتهمة (لولا) نيكاً مبرحاً مع الشغل والنفاذ.
زق زبره في كسي من ورا (وضعية الدوجي).
دخل كله.
صرخت
— آآآه.. يا متر.. الحكم قاسي.. خفف العقوبة.. ده إعدام.
رجب كان بينيك بقوة وعنف، وبيصرخ بمصطلحات قانونية
— مفيش تخفيف.. ده حكم نهائي وبات.. القانون لا يحمي المغفلين.. والقضيب لا يرحم الشراميط.
لولا وهي بتهز طيزها عشان تستوعب الشاكوش
— نفذ الحكم يا رجب.. نيكني بالقانون.. أنا مذنبة.. عاقبني.
رجب وهو بيشد شعري
— بعاقبك أهو.. يا مجرمة.. يا سارقة القلوب.. اعترفي.. اعترفي إنك شرموطة.
لولا
— بعترف.. أنا شرموطة القانون.. اكتب المحضر.
رجب وصل للذروة، وبدأ يرتعش
— رفعت الجلسة.. الحكم هيصدر.. استقبلي (حيثيات الحكم).
قذف لبنه جوايا بكميات كبيرة، وهو بيخبط بوسطه في طيزي كأنه بيختم الأوراق.
وقع فوقي وهو بينهج
— تم تنفيذ الحكم.. القضية اتحفظت.
لولا وهي مش قادرة تتحرك
— ده كان حكم تاريخي يا متر.. بس ياريت (الاستئناف) يكون قريب.
رجب وهو بيزرر بنطلونه
— الاستئناف عندي في المكتب.. المرة الجاية هجيبلك (المستشارين) صحابي.. نعمل (دايرة) محكمة كاملة عليكي.
كنت راجعة الفجر من أوردر تصوير متأخر. كعبي العالي في إيدي، ماشية حافية على السلم عشان رجلي ورمت، والمكياج سايح على وشي مخليني شبه الجوكر بس نسخة نسائية حزينة.
طالعة بجر رجلي جر، وبحلم باللحظة اللي هترمي فيها ع السرير.
وصلت للدور بتاعنا الدور الخامس.
لمحت خيال قاعد على السلم اللي طالع السطوح.
وقفت وخفت للحظة.. حرامي؟ ولا زبون كان جايلي وتاه؟
قربت بحذر.
كان شاب في أواخر الثلاثينات تقريباً.. رفيع، لابس قميص مكوي بس ياقته دبلانة، وبنطلون قماش بيلمع من كتر الغسيل والمكوة.
قاعد على بسطة السلم، جنبه شنطة سفر قديمة ومربوطة بحبل عشان السوستة بايظة.
كان قاعد قعدة حد رمى الدنيا، وكأن روحه طلعت منه ونسيت تاخد جسمها معاها. وشه كان مخطوف، لونه رمادي زي لون الحيطة اللي ساند عليها، وعيونه غايرة في محاجرها زي شباك بيت مهجور محدش عتبُه من سنين. مش مجرد فقر.. لا.. ده كان يأس صافي، يأس يخليك تحس إنه مش هيقوم من مكانه، هيفضل قاعد كده لحد ما يتحول لتراب. كان عامل زي خيال المآتة اللي العصافير بطلت تخاف منه وبقت تعشش فوق كتافه من كتر قلة الحيلة. الراجل ده كان بيتنفس بالعافية، وكأنه مكسوف من الدنيا وبيستأذن الهوا قبل ما يدخله صدره.. منظر يخلي الحجر ينطق ويقول ارحموه.
وعلى حجره.. نايمة ملاك.
بنت صغيرة، شعرها منكوش، نايمة وفاتحة بوقها الصغير، وهو حاضنها جامد عشان يحميها من برد الفجر.
الشاب رفع راسه لما شافني.
عينه جت في عيني.
شوفت فيها نظرة خجل.. وانكسار.. ورجاء صامت.
سألته انت مين ؟
رد بصوت مبحوح واطي كله يأس واستسلام
— أنا الساكن الجديد لأوضة السطوح .. والسمسار تليفونه مقفول
بصيت للبنت النايمة. حوالي خمس سنين، وشها بريء، وجميل.
حسيت بنغزة في قلبي.
نغزة الأمومة المكتومة.
فتحت شنطتي.
كان معايا سندوتشين شاورما باقيين من عشايا، وازازة مية معدنية صغيرة.
من غير ما أنطق ولا كلمة.
قربت منه خطوة.
طلعت حطيت السندوتشات وازازة المية جنبه على السلم بهدوء.
رغم اليأس اللي في عينيه، بصلي بامتنان.
ونزلت كملت طريقي لشقتي.
وأنا سامعة صوت ورق السندوتشات بيتفتح ورايا.
اسمي يوسف. وسني 35 سنة، بس شكلي في المراية بيقول إني عديت الخمسين.
مهنتي؟.. مندوب مبيعات.
الاسم شيك، مش كده؟.. تحس إني بلبس بدلة وبقعد في تكييف.
بس الحقيقة.. أنا شحات لابس قميص مكوي.
شغلتي إني أمشي في الشوارع، ألف ع الصيدليات، وأحاول أبيع لهم حاجات هما مش محتاجينها، بفلوس هما مش عايزين يدفعوها.
ببيع كريمات تفتيح وصن بلوك ومساج لآلام وخشونة العظام منخفضة الجودة، بتصنعها شركة مجهولة، وأنا مندوب مبيعات فيها.
اليوم ده بالذات.. كان يوم الحساب.
كنت ماشي في عز الظهر، شايل الكرتونة على كتفي، والقميص لازق في ضهري من العرق.
جزمتي البني الوحيدة، النعل بتاعها كان مفكوك من قدام، وكل خطوة أمشيها كان بيعمل صوت (طك.. طك).. كأن الجزمة بتشتكي وبتصرخ بدالي.
دخلت صيدلية في الدقي.
يوسف بابتسامة بلاستيك حافظها:
— مساء الخير يا دكتور.. معايا عرض هايل بخصم 40% وباخد إكسبايرد
الصيدلي،مرفعش عينه فيا
— مش بناخد أصناف مجهولة.. اطلع بره يا أستاذ.. مش ناقصة دوشة.
يوسف: طب حضرتك شوف العينة بس.. دي..
الصيدلي (بزعيق): قولتلك بره.. إيه القرف ده ع الصبح
خرجت.
الابتسامة لسه مرسومة على وشي، بس جوايا كان فيه إزاز بيتكسر.
ده كانت الصيدلية رقم 20 اللي بتطردني النهاردة.
بصيت في الساعة.. الساعة 4 العصر.
ميعاد خروج نور من الحضانة.
وميعاد دفع جزء من الإيجار المتأخر بقاله ٦ شهور.
روحت الحضانة.
نور جريت عليا بضفيرتها المنكوشة وشنطتها اللي عليها سبونج بوب مقشر.
— بابا.. ميس هبة قالتلي إني شاطرة وعايزة كراسة رسم جديدة.
شيلتها وبوستها، وحاولت أداري ريحة العرق بتاعي
— من عيوني يا نوارة.. هنجيب أحلى كراسة رسم.
كان في جيبي تمن المواصلات وكيسين أندومي للعشا.
وصلنا البيت. شقة إيجار في عمارة متهالكة في شارع جانبي مظلم في أول فيصل.
لقيت صاحب البيت الحاج محروس بكرشه ومعاه امين شرطة مستنيني وحاطط قفل على باب الشقة ومعاه صورة محضر طرد
يوسف بصوت رايح
— يا حاج محروس.. استهدى بالله.. الفلوس جاية.. بس الشركة تقبضني.
محروس بصوت سمعه الشارع كله
— بلا شركة بلا خيبة.. أنت راجل فاشل.. ومراتك هربت منك عشان مش لاقية تاكل.. عايزني أنا أصرف عليك؟.. أنا هاخد شوية العفش الكراكيب ده ، جزء من الإيجار المتأخر وربنا يعوض عليا في الباقي
نور مسكت في بنطلوني بخوف
— بابا.. هو عمو بيزعق ليه؟.. إحنا مش هندخل بيتنا؟
نزلت لمستواها، وبلعت ريقي اللي كان طعمه مرار
— لا يا حبيبتي.. إحنا.. إحنا هنروح بيت أحلى.. ده بيت وحش وفيه صراصير.. إحنا هنلعب لعبة المغامرة النهاردة.
اترجيت الحاج محروس أخد هدومي أنا والبنت، لميت هدومنا القليلة في شنطة سفر سوستتها بايظة، فربطتها بحبل غسيل لقيته مرمي.
وسيبت الشقة، سيبت ذكرياتي مع سارة مراتي قبل ما تزهق وتطلب الطلاق وتتجوز راجل يعرف يصرف عليها
آخر جملة قالتهالي وهي ماشية
الراجل مش بس طيبة يا يوسف.. الراجل تلاجة فيها أكل.. وأنت تلاجتك فاضية زي قلبك.
أخدت نور ومشينا.
الشمس غابت، والليل دخل. والشارع بقى موحش.
نور بدأت تتعب
— بابا أنا جعانة.. وعايزة أنام.
يوسف
— حاضر يا حبيبتي.. إحنا رايحين القصر الجديد.. بس هو بعيد شوية.
كان معايا رقم سمسار، قالي على أوضة فوق سطوح في بولاق
استلفت فلوس إيجارها من صيدلي بتعامل معاه
ركبنا ميكروباص، ونور نامت على رجلي.
فضلت باصص من الشباك على انوار الشقق الساكنة.
كل شباك منور وراه عيلة بتتعشى، وأب راجع بفاكهة، وأم بتذاكر لعيالها.
وأنا.. أنا ظل ماشي في الشارع. أنا نكرة.
حسيت إني عايز أعيط، بس الدموع كانت نشفت من قلة شرب المية.
وصلنا العمارة.
اتصلت بالسمسار.
(الهاتف الذي طلبته مغلق أو غير متاح).
اتصلت عشر مرات. مغلق.
الساعة بقت ٣ الفجر.
نور بتعيط من التعب.. بابا رجلي وجعتني.. فين السرير؟
بصيت للسلم الضلمة.
مقدرش أطلع الشارع تاني. الشارع بليل بياكل الغلابة.
يوسف
— بصي يا نور.. القصر بتاعنا فوق خالص.. بس المفتاح ضاع من عمو.. إحنا هنلعب لعبة الاستغماية.. هنقعد هنا ع السلم ونستخبي لحد ما الصبح يطلع.
قعدت على بسطة السلم بين الدور الخامس والسادس
نور ببراءة
— بجد يا بابا؟.. طب والوحش مش هيشوفونا؟
— مفيش وحوش طول ما أنا معاكي.. تعالي نامي هنا.
البلاط كان ساقع.. بيسحب الحرارة من جسمي وبيديني بدالها رطوبة ويأس.
نور نامت على رجلي، وحضنتها وغطيتها بدراعاتي من برد الفجر
فضلت قاعد.. ضهري ساند ع الحيطة الجير، وعيني مفتوحة في الضلمة.
سألت نفسي السؤال اللي بسأله كل يوم
هو أنا ليه فاشل؟.. أنا مسرقتش.. أنا مأذتش حد.. أنا حاولت أكون شريف.. ليه الدنيا بتدوس عليا بالجزمة القديمة دي؟
حسيت بالجزمة المقطوعة في رجلي بتضغط على صوابعي.
حتى جزمتي رفضاني.
كنت حاسس إني بستنى الموت.
لو الموت جه دلوقتي، هاخده بالحضن.. بس يسيب نور تعيش.
نور اتحركت في نومها وهمست
— بابا.. أنا جعانة.
بصيت في الشنطة.. مفيش غير الهدوم. والإيجار اللي لازم أدفعهم مقدم شهر للأوضة لو السمسار ظهر.
معييش تمن رغيف عيش.
مافيش قدامي غير اني اخد منهم واجيب أكل
غمضت عيني، ونزلت دمعة سخنة حرقت خدي.. دمعة العجز.
يا رب.. لو ليا خاطر عندك.. متكسرنيش قدام البنت.. أنا مش عايز حاجة ليا.. بس هي.. هي ملهاش ذنب.
فجأة..
سمعت صوت كعب عالي طالع ع السلم.
(تك.. تك.. تك).
صوت منتظم، واثق.. عكس صوت جزمتي المكسورة.
كتمت نفسي.
يا رب ميكونش حد يطردنا.
ظهرت هي.
واحدة ست.. شكلها غريب.
لابسة فستان قصير ومكياجها سايح، وماشية حافية وماسكة جزمتها في إيدها.
شكلها كان زي المحارب اللي راجع من معركة خسرانة.
وشها كان تعبان، بس فيه قوة.
وقفت لما شافتني.
أنا انكمشت في نفسي. خفت. خفت تقولي إيه اللي مقعدك هنا يا حرامي؟.
رفعت عيني ليها، وبصتلها نظرة استعطاف وانكسار ورجاء مكتوم.
سألتني انت مين
قولتلها بصوت مبحوح، وأنا بداري نور بإيدي
— أنا الساكن الجديد لأوضة السطوح .. والسمسار تليفونه مقفول
هي مبصتش ليا بقرف.
مبصتش لهدومي القديمة ولا لشكلي المبهدل.
بصت لـ نور.
عينها دمعت للحظة، واتحولت من ست ليل زي ما لبسها بيقول لـ أم.
فتحت شنطتها.
وطلعت لفافة ورق فويل، وازازة مية.
حطتهم جنبي من غير ما تتكلم. ومشيت.
حركة بسيطة.. بس بالنسبة لي كانت معجزة.
السندوتشات دي مكنتش مجرد أكل.. دي كانت رسالة من السما بتقول .. أنت مش لوحدك.
فتحت الورق بسرعة.
ريحة الشاورما خلت معدتي تصرخ.
صحيت نور
— نور.. اصحي يا حبيبتي.. الملاك جاب لنا الأكل.
وأنا بآكل، وبأكل بنتي من سندوتشات الست الغريبة دي..
حلفت يمين عظيم.
إن الست دي.. أياً كانت هي مين، وأياً كان بتشتغل إيه..
أنا هخدمها بروحي.. وهكون ليها الضهر اللي هي محتاجاه.. زي ما كانت هي الإيد اللي اتمدت لي في الضلمة.

تعليقات